الحوزة وقضايا الشباب
الشيخ محمد اليعقوبي
قُلْ إِنَّنِي هَدَانِي رَبِّي إِلَى صِرَاطٍ
مُّسْتَقِيمٍ دِينًا قِيَمًا مِّلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ
مِنَ الْمُشْرِكِينَ، قُلْ إِنَّ صَلاَتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ
وَمَمَاتِي لِلّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، لاَ شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ
أُمِرْتُ وَأَنَاْ أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ
]سورة الأنعام : 161 ـــ 163[
وهي أربع محاضرات ألقيت على طلبة الحوزة
الشريفة في درس الفقه بتاريخ 22 ـــ 25 صفر
1423 بمناسبة ذكرى وفاة رسول الله ((صلى الله عليه وآله))
وتأسياً به بأهتمامه بالشباب وبمناسبة تنصيب
أمير المؤمنين ((عليه السلام)) إماماً وخليفة لرسول
الله ((صلى الله عليه وآله)) وهو في ريعان الشباب
الحمد لله رب العالمين وصلى الله على خير خلقه محمد وآله الطيبين الطاهرين
هذا الكتاب مكون من اربع محاضرات القيت على طلبة الحوزة الشريفة بتاريخ 22 ــ 25 صفر من عام 1423 هــ في زمن النظام العفلقي البائد من قبل المرجعية الناطقة المجاهدة التي تعيش هموم المجتمع وتداويه من الامراض المتفشية فيه وتضمد جراحه والمتمثلة بسماحة المفكر الإسلامي الفقيه الشيخ محمد اليعقوبي ((دام ظله)) فقد تطرق في احدى المحاضرات إلى قضايا الشباب، ولم يصب اللوم على الشباب وحده اذا انحرف أو اساء التصرف وانما ذكر عدة عوامل ادت إلى ذلك، منها :
1 ــ جهل المربين واولياء الأمور بالاساليب الصحيحة للتربية.
2 ــ غياب القدوة الحسنة.
3 ــ البيئة الفاسدة.
4 ــ انتشار وسائل الافساد واحاطتها به في مقابل غياب صوت الحق أو ضعفه.
5 ــ الجهل لدى المربين باتخاذ المواقف الصحيحة التي تتناسب مع الفرد والبيئة والخلفيات الاجتماعية والثقافية والاقتصادية والنفسية.
وتطرق إلى بعض الظواهر المنحرفة والصفات السيئة لدى الشباب لكي يتم التعاون على اصلاحها، وهي ظواهر واقعية ومحل ابتلاء حقيقي وليست ظواهر تصورية أو افتراضية، ويضع العلاج الواقعي لها.
وفي المحاضرة الثانية يوجه كلمة قيمة إلى المدرسين والطلبة، يبتدأها بالدعاء لهم بالتوفيق والنجاح وتحقيق الآمال التي ترضي الله تبارك وتعالى ورسوله ((صلى الله عليه وآله))، ويحث على نيل الشهادة لأن الشاب المثقف الخريج أقرب إلى الهداية واكثر استجابة إلى داعيها من غير المتعلم، ويحث على التأسي برسول الله ((صلى الله عليه وآله)) الذي كان يأخذ من كل شيء عظة، ويحثهم على تذكر الامتحان الكبير في هذه الدنيا والمسؤولية التي تحملناها حين رضينا ان نكون خلفاء الله في أرضه.
ويحث الطلاب على الالتحاق بالدورات المكثفة السريعة التي تعقدها الحوزة الشريفة خلال العطلة في النجف أو في بقية المدن.
وفي جوابه عن الأسئلة يرى الشيخ ((دام ظله)) ان الدراسة بالكمبيوتر لا تغني عن الالتحاق بالحوزة الشريفة.
ويتطرق إلى اثر التلفزيون في المجتمع، وإلى مضاره التي حددها ببعض النقاط : غسل الدماغ والاثارة الجنسية واباحة المحرمات والتربية اللا إسلامية وتحويل الدين إلى تراث والتربية إلى ملل، وشغل القلب واللهو واللغو، ويضع حلولاً ممكنة بديلة عنه، ويرى : ان الحياة لن تتوقف اذا أهملنا التلفزيون الذي يسميه بالشيطان، ويرى انّ الاقراص الليزرية تعمل عمل التلفزيون وتأتي بنفس الاضرار، ويلحق الرياضة بالتلفزيون والاقراص الليزرية من حيث الآثار والاضرار.
وفي حوار لمجلة الكوثر مع الشيخ ((دام ظله)) يتحدث فيه عن ركائز الوحدة الاسلامية، والى حاجة الحوزة إلى كثير من الاصلاحات في عدة اتجاهات : مناهجها الدراسية واساليب الدراسة وشؤونها الادارية، ويعمق عدة مفاهيم لدى الشباب وعموم أبناء المجتمع.
مركز الإمام المهدي ((عليه السلام)) للدراسات الإسلامية
الشباب وصية رسول الله ((صلى الله عليه وآله)) بقوله : ((أوصيكم بالشباب خيرا فانهم ارق أفئدة وأنقى نفوسا)) لأنهم مازالوا قريبين إلى الفطرة لم تلوثهم الذنوب كثيرا ولم تضغط عليهم الأعراف والتقاليد الاجتماعية والبيئة المنحرفة.
والشباب : المحرك الرئيسي لحياة الأمة والدم الذي يجري في عروقها.
والشباب : يعني الطاقة والحيوية والحماس والاندفاع والتفاعل والعاطفة والحب والمودة والصدق والإخلاص والتواضع, كل هذه الخصال الحميدة تجدها عند الشباب لذا تجد الاستجابة الفعالة للدعوات الإصلاحية ــ كرسالة الإسلام ــ اكثر ما تكون بين الشباب. فأين الخلل إذن حين نخسر شبابنا فيقعون فريسة الانحراف والانحلال والتبعية للغرب أو يضيعون أعمارهم في اللهو والعبث والهوايات الفارغة؟! هذا العمر الثمين الذي نستطيع أن نكتسب في كل ساعة بل في كل دقيقة منه كمالاً, لماذا يضيع؟ فإن الشباب له القدرة والارادة على أن يفعل ما يعزم عليه فإذا ذهب شبابه فإن إرادته ستضعف وهمته ستذوب والنتيجة هي الضياع! أما تحب أن تكون ممن يباهي الله تعالى بك ملائكته, فقد جاء في الحديث إن الله يباهي ملائكته بالشاب الذي نشأ في طاعة الله تبارك وتعالى: وقد يغيرك بعضهم بأن الشباب مخصص للعب واللهو وبعد انقضائه نتوب! لا يا حبيبي ما خلقنا للهو والعبث بل للجد والعمل. قال تعالى:} يَا أَيُّهَا الإِنسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَى رَبِّكَ كَدْحًا فَمُلاقِيهِ{([1]), ثم هل يعرف الموت صغيراً وكبيراً حتى تضمن أنك باق إلى حين التوبة, وسأضرب لك مثالاً في الموعظة: لو أنك كنت متعلقاً بحبل ومدلى في بئر عميق وفي قعر البئر أفعى عظيمة تنتظر سقوطك لتفترسك, ويوجد جرذان يقرضان في أعلى الحبل ويوشك أن ينقطع فتسقط في فم الأفعى, ماذا سيكون عملك؟ هل اللهو والعبث والغفلة أم يتركز تفكيرك على كيفية النجاة قبل انقراض الحبل؟ هذا المثال المرعب هو حقيقة حياتنا, فالحبل هو حبل العمر الذي يتصرم يوماً بعد يوم, والجرذان هما الليل والنهار اللذان يبليان العمر, والأفعى هو الموت الذي يلتهم كل البشر, فلا تغرنكم أيها الشباب هذه الدنيا التي تضحك لكم ويزينها لكم الشيطان ولا تدفعكم النفس الأمارة بالسوء إلى اتباع الشهوات . قال تعالى :} وَاللّهُ يُرِيدُ أَن يَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَوَاتِ أَن تَمِيلُواْ مَيْلاً عَظِيمًا{([2]), في مقابل ذلك تقول الروايات إن الله تعالى ليباهي الملائكة بالشاب الذي ينشأ في طاعة الله تعالى, وأن الله ليفرح بالعبد التائب الذي يرجع إليه أشد من فرح أحدكم إذا وجد الدابة الضالة في الصحراء الواسعة بمائه وشرابه ومتاعه.
وأن رحمة الله وسعت كل شيء ولتقريب سعتها أنظر إلى رحمة الأم بولدها كيف تتحمل الجوع والأذى والسهر وربما الموت من أجل سعادة ولدها, وفي بعض القصص أن أصحاب الأخدود لما عرضوا على النار ليحرقوا بها عمدت أحد الأمهات فقطعت ثدييها وأعطتها لولدها ليجعله تحت قدميه خشية أن تكوى بالنار, وفي طوفان نوح ((عليه السلام)) حملت إحدي الأمهات ولدها والماء يعلو شيئا فشيئا حتى أخذها وغرقت فرفعت يديها إلى الأعلى وحملت ولدها. وهذه هي رحمة المخلوقين وهي جزء من مئة جزء من رحمة الله وزعت على المخلوقات من إنسان وحيوان بها يتراحمون, فما مدى سعة رحمة الله تعالى؟
وما الذي يضر الشاب لو عاد إلى الله تعالى والتزم بطاعته وترك معاصيه ؟ إنه لا يخسر لأن الله لم يحرم عليه شيئا من الطيبات أو اللذات وكل ما يريد منه تنظيم حياته وضبط شهواته في الإطار الصحيح لتكون حياته مستقرة وسعيدة ليس فيها اعتداء وتجاوز على حقوق الآخرين, وليس فيها ظلم لنفسه التي هي أعز شيء عنده فكيف يعمل على إيذائها بعمل المعاصي والاستجابة لشهواتها التي ترديه في المهالك؟
أنا لا أصب اللوم على الشاب وحده إذا انحرف أو أساء التصرف, وإنما هناك عوامل كثيرة آدت إلى ذلك (منها) :
1 ــ جهل المربين وأولياء الأمور بالأساليب الصحيحة للتربية وضغطهم على الأبناء ليعيشوا الحياة التي يعيشونها هم وهو تصرف غير صحيح ونهى عنه الإمام ((عليه السلام)) وفسر ذلك ((بأنهم خلقوا لزمان غير زمانكم))([3]).
2 ــ غياب القدوة الحسنة([4]) التي يتأسى بها وعلى النقيض من ذلك فإنه يوجد المثل السيء الذي يعكسه عناصر الاقتداء للناشئ كالأب والأم والعلم في حياته فإذا كانت القدوة سيئة فماذا نتوقع من المقتدى؟ فهم ينهونه عن تصرف ويفعلونه أو يأمرونه بفعل ويخالفونه, لذا نصحت الأحاديث كل من يؤدب غيره ويعظه أن يؤدب نفسه ويعظها أولاً.
3 ــ البيئة الفاسدة التي تحيط بالناشئ, وهو لخلوه من التجربة وعدم نضجه يحاول أن ينفتح على أصدقائه ليأخذ منهم الحلول لمشاكله وهمومه في غياب العلاقة الودية المبنية على الصراحة والثقة بين الولد وأبيه.
4 ــ انتشار وسائل الإفساد وإحاطتها به في مقابل غياب صوت الحق أو ضعفه وصعوبة إيصال صوته, فأغلب المساجد خالية من أئمة الجماعات وليس فيها خطب أو محاضرات أو حوارات, ونحو ذلك من الصعوبات.
5 ــ الجهل لدى المربين باتخاذ المواقف الصحيحة التي تتناسب مع الفرد والبيئة والخلفيات الاجتماعية والثقافية والاقتصادية والنفسية.
ونحن بحمد الله تعالى نمتلك تراثاً ضخماً خلّفه المعصومون ((عليهم السلام)) يعالج كل هذه المشاكل ويواجه كل هذه التحديات ويخلق جيلاً واعياً خلوقا ملتزما هادفا يحقق السعادة والرفاه والاستقرار لنفسه ولمجتمعه وقد حفلت كتب التربية الإسلامية بهذه الحلول وذكرت بعضها في عدد من كتبي كـ(فقه الجامعات) و(فقه العائلة) و(ظواهر اجتماعية منحرفة), وسأحاول بأذن الله تعالى أن أتناول بالتفصيل مشاكلهم وهمومهم وطموحاتهم عندما يوفقني الله تعالى عسى أن تتكلل جهودنا بالنجاح ونوفر جيلاً مسلماً صادقاً كما ينتظره الإمام الموعود من المطالبين بالخلاص من الظلم على يديه وإقامة العدل في أنحاء المعمورة بإذن الله تعالى.
لكني في هذه العجالة أنبه باختصار إلى بعض الظواهر المنحرفة والصفات السيئة لدى الشباب لنتعاون على إصلاحها تطبيقاً لقوله تعالى :}ْوَتَعَاوَنُواْ عَلَى الْبرِّ وَالتَّقْوَى{([5])،} وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ{([6]).
1 ــ قلة التفقه في أمور الدين وضعف مستوى الوعي الديني لديهم فنادراً ما تجد واحداً منهم يعد قارئاً, وإلا فان أغلبهم سطحيون ودون مستوى تحديات العصر, لذا حاولت أن أطرح لهم ما يحتاجون من أفكار في كتيبات وحواريات مبسطة مع إرشادهم إلى الكتب المعمقة للسعي نحو المزيد من التكامل. وعندما حللت أسباب هذه السطحية وضعف رغبة الشاب في القراءة المعمقة والتأمل والتفكير وجدت أن أهمها متابعة التلفزيون والرياضة فانهما كلاهما يركزان على جانب الإثارة والانفعالات العاطفية ويهمشان الفكر فيبتعد المواظب عليها عن الفكر العميق والصبر والمثابرة في اكتشاف الحقائق العلمية والتوصل لها, فلم تبق لأحدهم همة في متابعة الكتب والتعمق فيها. هذا غير العوائق الأخرى كغلاء الأسعار وضعف القدرة الشرائية, ولكن توجد عدة فرص لهم للتفقه في أمور دينهم في مدنهم من خلال حلقات الدرس التي يعقدها أئمة المساجد ووكلاء المرجعية الشريفة أو بالالتحاق بالدورات السريعة في العطلة الصيفية في الحوزة الشريفة التي تعطيهم دروساً مكثفة أو الالتحاق كلياً بالحوزة الشريفة. وأهم دروس يركز عليها الشباب : العقائد والأخلاق والفقه والتاريخ.
2 ــ التبعية للغرب في المظهر الخارجي كقصات الشعر والملابس والأدوات وفي الأعراف والتقاليد وأنماط الحياة, ومما يؤلمني أني أرى أمريكا والصهاينة يفعلون كل هذه الأفعال في المسلمين خصوصاً وأنا أكتب هذه السطور والقوات الصهيونية تعيد احتلال المدن الفلسطينية وتهدم البيوت على أهلها وتقتل كل من تجده حتى الأسرى وتقطع الماء والطعام والكهرباء وتمنع سيارات الإسعاف من نقل الجرحى والشهداء وتجرف الأراضي الزراعية وتحاصر المدن بشكل خانق, كل ذلك بمباركة ودعم أمريكا وتخرج المظاهرات للتنديد بذلك لكنها ردود فعل عاطفية وليست حقيقية لأن المظاهرات تندد بأمريكا وهي تقتني البضائع الأمريكية وتلبس الملابس الأمريكية وتأخذ عاداتها وملابسها وقصات شعرها من الأفلام والمجلات الأمريكية.
إن المواجهة الحقيقة مع أمريكا تكون بالانفصال الكامل عنها في جميع الاتجاهات وهذا القرآن يسجل سنة إلهية ثابتة أن النصر لا ينزل على المؤمنين إلا إذا عاشوا هذه المباينة الكاملة مع معسكر الكفر. قال تعالى :} قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ، لَا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ، وَلَا أَنتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ، وَلَا أَنَا عَابِدٌ مَّا عَبَدتُّمْ، وَلَا أَنتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ، لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ{([7]). والشواهد التاريخية على ذلك كاملة فلم ينزل النصر على رسول الله ((صلى الله عليه وآله)) إلا بعد الهجرة والانفصال عن معسكر الشرك, ولا على موسى ((عليه السلام)) إلا بعد أن خرج ببني إسرائيل من دار الكفر. وهكذا.
آمل أن لا تقع عيني على شاب مسلم يصفف شعره على نمط بطل فلم (تايتانك) أو فتاة مسلمة سافرة أو تلبس الحجاب على الطريقة الفرنسية أو الأمريكية أو أخر يلبس الميدالية وربما الصليب في عنقه ويضع الأساور في يديه ويتكلم بكل أنوثة ولا يوجد على ظاهرة ما يدل على أنه ذكر.
وعلى جميع المؤمنين أن يتعاونوا على اجتناب هذه التصرفات الممقوتة, والذي يزيد الطين بلة أن أبناء الغرب الواعين أنفسهم بدأوا يستحيون من الانتساب إلى حضارتهم المزيفة بعد هذه التصرفات الهمجية والوحشية, فكيف نرضى نحن المسلمين لأنفسنا ذلك.
3 ــ التدخين ظاهرة سيئة وضارة من جميع الجهات : اقتصادياً ودينياً وصحياً واجتماعياً وأخلاقياً, فما المبرر للاستمرار بها فضلاً عن التورط فيها كما يحلو لبعض المراهقين الذي يريد أن يثبت رجولته وتشبهه بالكبار من خلال التدخين وكان عليه أن يثبت ذلك بالتصرفات الحكيمة والمواقف الواعية التي تكشف عن نضجه ووقور عقله وأني أنظر بازدراء ورفض لمثل هذا الشاب. وقد بين كتاب (حتى متى التدخين) بوضوح, هذه الأضرار, وأنا أسأل نفس سؤال الكتاب : حتى متى التدخين؟ خصوصا وأننا نعلم أن صناعة التبوغ من المصالح الاقتصادية المهمة لدى الغرب الكافر فلماذا نعينه على انفسنا وندعم اقتصاده الذي يستعمله في القضاء علينا فهو يقتلنا مرتين : مرة حين يصدر إلينا هذه السموم وينهب أموالنا ومرة حين يسخر هذه الأموال لبناء اقتصاده وترسانته العسكرية ليذبحنا بها, فإلى متى نستمر بهذا العمل الشنيع؟ أضف إلى ذلك الأضرار الصحية على الجسم التي يعرفها الجميع وأضرارها الاجتماعية وكذا الأخلاقية حيث يصبح المدخن أسير هذه السيكارة الملعونة, ويريده الله تعالى أن لا يكون عبداً إلا له تبارك وتعالى.
4 ــ قضاء الأوقات بالأمور التافهه لتضييع (وقت الفراغ) كما يسمونه فيتسكعون في الشوارع أو يتبادلون أحاديث غير مجدية وربما كانت مشحونة بالمحرمات أو يمضون ساعات طويلة في مشاهدة الرياضة ونحوها فيضيعون على أنفسهم أرباحاً هائلة في تجارتهم التي لن تبور مع الله تبارك وتعالى, لأن الحديث يقول: (إنما أنت أيامك) ورأس مالك في هذه التجارة ساعات عمرك فكلما استثمرت منها أكثر نلت درجات أعلى, ومن لايطمع في الأكمل والأفضل؟ ولذلك كان من أسماء يوم القيامة (يوم التغابن) لأن كل إنسان يشعر بالغبن والتفريط والتقصير لأنه كان يمكنه أن يكون في وضع أفضل لو استغل تلك الساعة التي ضيعها في محرم أو لهو وعبث وتسكع وحديث فارغ, لو استغلها في ما ينفعه ويكسبه رضا الله تبارك وتعالى.
وقد عولجت هذه المشكلة وذكرنا البدائل وكيفية استغلال الوقت في كتب عديدة كـ(احذر في بيتك شيطان) و(الرياضة المعاصرة في الفكر المعادي للإسلام) و(ظواهر اجتماعية منحرفة). فاستثمروا ــ أيها الشباب ــ ساعات عمركم فيما هو نافع في دنياكم وأخرتكم واستشعروا الندم والأسف لأي وقت يضيع منكم فإن هذا الشعور يكون دافعا ومحركا لتصحيح المسيرة, ومن لا يمتلك هذا الشعور فإنه في تسافل وانحدار تطبيقا للحديث الشريف : ((من استوى يوماه ــ أي يومه السابق واللاحق ــ فهو مغبون ومن كان أمسه خيراً من يومه فهو ملعون))([8]). وأن الشاب يمتلك طاقات متوثبة وقوية وهي نعمة من الله عليه فليحسن توظيفها.
5 ــ يعاني الشباب من ضغط (المشكلة الجنسية) كما يسميها علماء التربية والنفس والاجتماع وأنا لا أراها معاناة ولا مشكلة فإن العلاقة الجنسية والميل إلى الاتصال بالجنس الآخر من أعظم النعم على الإنسان ولا أقصد بها الجانب الجسدي منها فقط فإنه بذلك يشترك مع الحيوان, وإنما أقصدها بتمام ما تحمل من معاني روحية ونفسية تلك التي عبر عنها الله تبارك وتعالى بالمودة والرحمة والسكن وجعلها من المنن العظيمة على عباده} وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِّتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ{ ([9]), ومن الطبيعي أن رسول الله ((صلى الله عليه وآله)) كان يقصد هذه المعاني حينما يقول : ((جعلت لذتي في النساء))([10]) أو أن يجعل النساء إحدى ثلاثة أمور حببت إليه من الدنيا, لذلك قرنها مع قوله ((وقرة عيني الصلاة))([11]) لتعرف معنى اللذة التي أرادها رسول الله ((صلى الله عليه وآله)) وهي لذة الروح والقلب بالسكينة والطمأنينة والحب والمودة والرحمة والتي هي كلها صفات مشتقة من أسماء الله الحسنى وقد أحس كل ذلك وجدانا من عاش حياة زوجية سعيدة كرسول الله ((صلى الله عليه وآله)) مع أم المؤمنين خديجة ((عليها السلام)) أو أمير المؤمنين ((عليه السلام)) مع سيدة النساء فاطمة الزهراء ((عليها السلام)) لذا جاء في الحديث الشريف : ((ما استفاد أمرؤ مسلم فائدة بعد الإسلام أفضل من أمرأة تسره إذا نظر إليها وتطيعه إذا أمرها وتحفظه في نفسها وماله))([12]) فهي أعظم نعمة بعد نعمة الإسلام والهداية إلى الإيمان فيكفي هذه النعمة عظمة أنها تقرن مع نعمة الإيمان.
وبعد هذه المقدمة أقول : إن الغريزة الجنسية نعمة وفيها فوائد جمة لا يتسع المقام لاستيعابها وإنما أصبحت مشكلة ومعانا بسبب سوء الاستفادة منها وسوء توظيفها والابتعاد عن الإطار الصحيح لتلبية هذه الحاجة وعمل عبدة الهوى وأتباع النفس الأمارة بالسوء الذين لا يعلمون إلا ظاهراً من الحياة الدنيا و} إِنْ هُمْ إِلا كَالأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلاً{([13]), عملوا على تصوير الإنسان وكأنه حيوان هائج نهم لا يعرف غير طاعة الشهوات والاستجابة لنداء الغريزة باي وسيلة كانت ولو كانت غير شريفة وغير نظيفة وهذا ناتج من عقيدتهم الفاسدة بأنه :} مَا هِيَ إِلا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا يُهْلِكُنَا إِلا الدَّهْرُ{([14])، ونظرتهم إلى الكون والحياة (أننا خلقنا لنتمتع) فعلينا أن نحوز اكبر قدر من المتع وهي من افرازات حضارتهم المادية الخاوية لذلك تجدهم يتفننون بابتداع المتع وإشباع غرائز النفس ولا تكاد تألف النفس شيئاً من هذه المتع حتى يستحدثوا لها فناً جديداً يجذبها ويستهويها ولم يكتفوا بضلال أنفسهم وإنما عملوا على تصدير بؤسهم ومصائبهم الأخلاقية والاجتماعية والنفسية إلى المسلمين وقد حذر القرآن من هجمتهم هذه بقوله :} وَدُّواْ لَوْ تَكْفُرُونَ كَمَا كَفَرُواْ فَتَكُونُونَ سَوَاء{([15]), }وَلاَ يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّىَ يَرُدُّوكُمْ عَن دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطَاعُواْ{([16])، ولم يتركوا وسيلة لنشر الفساد إلا اتبعوها وساعدهم على ذلك التقنية العالية المثيرة التي وصلوا إليها فلا يخلو فلم أو مسلسل أو مجلة أو جريدة من لقطات مثيرة للشهوة الجنسية بل حتى الصناعات المستوردة من أبسط شيء كالعلك إلى الملابس أو أدوات التجميل والعطور وغيرها لم تخل من هذه الصور وأشاعوا السفور والتبرج والاختلاط بين الجنسين في محلات العمل وفي دوائر الوظيفة وفي الجامعات وفي المستشفيات([17]) حتى عاد أمراً طبيعياً ولا يستنكره أحد. كل ذلك لأجل تهييج الشهوة وتصعيد الضغط الجنسي لدى الشباب والشابات مع تعقيد فرص الارتباط المشروع بين الجنسين بالزواج, وستكون النتيجة حتماً ضياع عدد كبير من الشباب وانجرافهم وخضوعهم لسلطان الشهوة القاهر. ومن هنا حصلت المشكلة الجنسية من فعل أيدينا وليست من الطبيعة الإنسانية التي خلقها الله في أحسن تقويم فتبارك الله أحسن الخالقين. وأنا هنا لا أريد أن أحلُّ هذه المشكلة من جميع الجهات لأن الكلام مختصر وسأؤجله إلى مناسبة أخرى, ولكن أحب أن أنبه إلى بعض خطوات العلاج وهي تجنب المثيرات الجنسية لأن الغريزة الجنسية ليست كغريزة الجوع التي تلحّ على صاحبها سواء أثارها أم لا, أما الحاجة الجنسية فإذا لم يثرها صاحبها فإنها تبقى خامدة. والمثيرات عديدة تبدأ من الأفلام والمسلسلات إلى المجلات والجرائد إلى الدعايات والإعلانات إلى الحفلات المختلطة والأغاني الماجنة إلى التجمعات التي تحتوي مشاهد الفسق كالمتنزهات ومدينة الألعاب إلى الألبسة النسائية وغيرها كثير مما هو معلوم فتجب مقاطعتها جميعا فإن الله تعالى حريص على أن يسد كل منافذ الفساد فحرم النظر إلى ما سوى الوجه والكفين بل حتى هذه إذا كان النظر إليها يسبب إثارة وفتنة, وحرم الاختلاء والانفراد مع المرأة([18]) وحرم عليها أن تتميع في كلامها لتغري الرجل. قال تعالى :} فَلا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ وَقُلْنَ قَوْلاً مَّعْرُوفًا{([19])، وكره التحادث مع المرأة إلا بكلمات معدودة وضمن الحاجة, وكره أن يقعد الرجل في مكان قامت عنه المرأة حتى يبرد, إلى غيرها من التشريعات التي تهدف إلى توجيه هذه الغريزة وتوظيفها في الموارد الصحيحة فشجع على الزواج المبكر وحث على تخفيف المهر لتسهيل أمر الزواج وجعل الذي يرفض الزواج مع توفر ظروفه راغباً عن سنته ((صلى الله عليه وآله)) وشرع الزواج المؤقت, والذي أريد أن أركز عليه هنا هو ضرورة أن يتجنب الشاب كل المثيرات الجنسية حتى حينما يختار عملا فلا يورط نفسه في عمل يسبب له هذه الإثارة كبيع الكماليات النسائية ونحوها وسنتناول التفاصيل في مناسبات أخرى إن شاء الله تعالى.
6 ــ من الحلول الفعالة لضغط الشهوة الجنسية : الزواج المؤقت وهي منة عظيمة من الله على هذه الأمة المرحومة التي يعلم الله تعالى أنها ستمر بمثل هذه الأزمة المعاصرة التي حفلت بالمثيرات الجنسية التي تضغط بقوة على الإنسان ليقع في أحد محذورين: إما السقوط في وهدة الغريزة الحيوانية, والتنازل عن الشرف والدين أو الكبت وتلف الأعصاب والإصابة بالأمراض النفسية والاجتماعية فكان الزواج المؤقت تشريعاً إلهياً عظيماً وقد خفف الله تعالى أعباءه وشروطه بدرجة كبيرة ليحقق الهدف الذي شرع من أجله وهو التنفيس من حدة الشهوة والميل إلى الاتصال بالجنس الأخر ولو امتثلته الأمة وأطاعت فيه ربها لما بقي للفساد أثر ولا عين. لذا روي عن أمير المؤمنين ((عليه السلام)) : ((لولا نهي فلان عن المتعة ما زنى إلا شقي))([20]) لكن الذين يضربون بيد من حديد على هذا الزواج ويشنَّعون على فاعله لا يستنكرون الدعارة العلنية ولا يجدون في أنفسهم غضاضة من ممارستها حتى نقل عن بعضهم أن بغياً عرضت نفسها عليه للزنا فرفض وعرض عليها الزواج المؤقت ليكون اتصالهما مشروعاً فنفرت منه وقالت باشمئزاز : هذا الذي حرمه سيدنا فلان!! والأغرب من ذلك قضية شهدتها المحاكم التونسية حيث عقد رجل ملتزم على زوجة ثانية فرفعت الأولى دعوة ضده باعتباره لم يستأذنها, فلم يجد بداً إلا أن يدّعي أنها خَدينة وليست زوجة لأن القانون لا يعاقب على اتخاذ الخَدينة. ورفضت الزوجة الأولى هذا الدفاع لأنه ملتزم دينياً, هذا هو حال القضاء في بلاد المسلمين. يا لسخرية الأقدار؟
والذي أردت أن أنبه إليه أن هذا التشريع العظيم الرحيم قد أسيء فهمه وتطبيقه وأصبح مستهجناً بسبب سوء التطبيق, فقد بلغني أن بعض الشباب يعقد على بنت عقداً مؤقتاً وإذا أراد الاتصال بها فإنه يتسلل سراً في الليل إلى بيت أهلها ليجتمع بها باعتبار أن والدها لا يرضى بذلك, فهل هذا تطبيق صحيح, وهل عرف هذان الشابان جواز المتعة وغضا النظر عن حرمة الاعتداء على أموال الآخرين ودورهم إلا بإذنهم؟ أليسا مصداقاً لقوله تعالى :} أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ فَمَا جَزَاء مَن يَفْعَلُ ذَلِكَ مِنكُمْ إِلاَّ خِزْيٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يُرَدُّونَ إِلَى أَشَدِّ الْعَذَابِ وَمَا اللّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ{([21]) أو ان بعضهم يستغل فتوى جواز العقد المنقطع على الباكر من دون إذن ولي أمرها مع عدم الدخول وينسى الأعراف والتقاليد الاجتماعية التي نعيشها والتي ترفض العلاقة السرية بين الرجل والمرأة وتعاقب عليها أشد العقوبات خصوصا للمرأة لذلك استحب في الزواج الأشهاد وعمل الوليمة ليحصل إعلان عام للعلاقة الشرعية بين الرجل والمرأة كما أنهما كثيراً ما لا يلتزمان بهذا الشرط ــ وهو عدم الدخول ــ إذ يزين لهما الشيطان هذا الفعل ويغلب على عقلهما فيحصل المحذور, وكثيراً ما يؤدي إلى قتل الفتاة, فهل هذا تطبيق صحيح؟! كما أن بعضهم تولّع بزواج المتعة حتى صارت عينه تتلصّص على أعراض الناس ويوزع عروض الزواج على كل امرأة يلقاها بكلمات تصريح أو تلميح, وكثير من عقود الزواج المؤقت تكون مبنية على مقدمات محرمة ؟ فهل بهذا أمر الله تبارك وتعالى :} سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ{([22])، وقبّحهم الله إذ أساءوا إلى هذا التشريع بخبث سرائرهم واتباعهم لشهوات النفس الأمارة بالسوء. لذا كان الاحتياط واجباً في اشتراط إذن ولي أمر الباكر في العقد عليها بالمنقطع حتى مع عدم الدخول, ولهذا الاحتياط مناشيء عديدة لا مجال لذكرها الآن, فلابد من الاستفادة من هذه المنّة العظيمة بشكلها الصحيح وبظروفها الموضوعية ومقدماتها المشروعة. وسيكون حلاً مثاليا وإطاراً صحيحاً لكثير من العلاقات العاطفية التي تحصل داخل الجامعات أو خارجها بعد زوال السلبيات واقتناع المجتمع بهذا التشريع. وسأترك تفصيل الكلام إلى فرصة أخرى بإذن الله تعالى.
7 ــ ضرورة الارتباط بالحوزة الشريفة ومتابعة إصداراتها وأفكارها ومشاريعها وبذل الجهد لتطبيق أوامرها وعدم الانقطاع عن زيارة العلماء خصوصا وأنهم في النجف الأشرف حيث المرقد الطاهر لأمير المؤمنين ((عليه السلام)) فيكون من تمام زيارته زيارتهم وتفقّد أحوالهم وعرض أية مشكلة تواجه المجتمع عليهم للاستفادة من رأيهم, ووجوب تعظيمهم واحترامهم وإظهار الولاء لهم, ومن ذلك أيضا الالتفاف حول الوكلاء المخلصين الواعين للمرجعية الشريفة والمواظبة على حضور صلاة الجماعة([23]) والاستفادة من محاضراتهم واعطاء الفرصة لهم لأجراء الحوارات والندوات ومتابعة الحوزة الشريفة من خلالهم والمشاركة في المسابقات التي يجرونها ومساعدتهم في تنفيذ الأفكار والمشروعات النافعة وتقديم المشورة لهم وعرض الاقتراحات المفيدة عليهم. وقد فصلنا القول في ذلك في كتاب (شكوى المسجد). والحوزة لم تقصَّر في مواكبة كل الأحداث ومواجهة كل التحديات ومعالجة كل المشاكل وتقديم الآراء السديدة في مختلف القضايا فتصدر عشرات الكتب والنشرات لتغطية ذلك وما على المجتمع وخصوصا الشباب إلا متابعتها وإيصال رأيها إلى كل أفراد المجتمع فعليهم مسؤولية كبيرة لكونهم حلقة الوصل بين الحوزة وبين سائر أبناء الأمة لما يتمتعون به من حيوية ونشاط ومن ثقافة ووعي ومن همة وحماس ومن ثقة الناس بهم, وهذه كلها حجة عليهم إن أحسنوا استخدامها وتوظيفها أوتوا كفلين من رحمته وإلا فالحساب العسير. ويجب على الشباب أن يختاروا بدقة المرجعية التي يأتمرون بأمرها لأن اختيار المرجع الذي يقودك إلى الجنة أهم قرار على الإطلاق في حياة المؤمن لأنه يرسم منهج الحياة الدينية الذي سيتخذه, وقد وضح العلماء ضوابط ومعايير لهذا الاختيار, وقد ذكرت أفكار حول الموضوع في مقدمتي لكتاب (أصل الشيعة وأصولها) وقد صنفت هذه الشروط إلى ثابتة ومتحركة وأحذر الشباب أن يكونوا ساذجين وعاطفيين فينخدعون بالدعاوى المجردة من دون تأمل في القرار الخطير.
8 ــ كثيراً ما يشعر الشباب والمراهقون أن آباءَهم وأولياء أمورهم ليسوا على ما يريدون فيحدث انفصال بين الطرفين, وبرود في العلاقات وقد تنفقد المودة والصراحة والثقة وفي ذلك خسارة للطرفين ويحتاج كل منهما عندئذ إلى اعادة النظر في مجمل علاقته وتصرفاته مع الاخر وقد قلت كلمتي للآباء في كتاب (فقه العائلة) وملحق (رسالة إلى الآباء في تربية الأبناء) الذي كتبه أحد الأخوة المؤمنين : وهنا أريد أن أخاطب الشباب فأقول لهم : صحيح أن لكم الحق في أن ترسموا شكل الحياة التي تعيشونها والمستقبل الذي تعملون من أجله وليس من حق أحد ـــ حتى الآباء ـــ أن يجبركم على نمط الحياة الذي عاشه هو, كما قال أمير المؤمنين ((عليه السلام)) محذراً لهم من ذلك ومعللا : ((بأنهم خلقوا لزمان غير زمانكم)) لكن يجب عليكم ان تتذكروا أن للوالدين حقوقاً على الولد لا تبرأ ذمته إلا بأدائها وإلا فعليه وزر عظيم. والأحاديث الواردة في ذلك تقشعر منها الأبدان, ومنها : ((ما بين البار بوالديه والأنبياء إلا دركة واحدة وما بين العاق لوالديه والكافر إلا دركه واحدة))، ومنها : ((من نظر إلى أبويه شزراً ـــ أي باحتقار وغيظ ـــ وهما ظالمان له أكبه الله على منخريه في نار جهنم)) لاحظ فداحة العقوبة رغم أنهما ظالمان له فكيف وهما لا يريدان له إلا الخير وهما أرحم به من نفسه فيجوعان ليشبعاه ويعريان ليكسواه ويسهران لينام نوم الهدوء والعافية ويبردان ليدفئاه، فهل جزاء ذلك, العقوق والتمرد والعصيان؟ وقد قال تعالى :} فَلاَ تَقُل لَّهُمَآ أُفٍّ وَلاَ تَنْهَرْهُمَا وَقُل لَّهُمَا قَوْلاً كَرِيماً، وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُل رَّبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيراً{([24]), وفي الحديث أنه لو وجد شيئا أقل من قول (أف) لحرمّه الله تعالى فأول حق هو الإحسان إليهما ورعايتهما والتذلل لهما وعدم إدخال الأذى عليهما بأي شكل من الأشكال وفعل كل ما يدخل السرور على قلبيهما إلى درجة أن رسول الله ((صلى الله عليه وآله)) يأمر أحد الشباب بالرجوع عن الجهاد وهو من أعظم واجبات الإسلام لأن له أمّاً تأنس به, فقال ((صلى الله عليه وآله)) له : ((إن أنس والدتك بك ليلة خير من جهاد سنة))([25]), وقد قرن الله تعالى الأمر بالإحسان إليهما بوجوب طاعته وتوحيده} وَقَضَى رَبُّكَ أَلاَّ تَعْبُدُواْ إِلاَّ إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا{([26]).
وثاني حق لهما هو الانفتاح عليهما في كل الأمور واطلاعهما بصراحة واستشارتهما فإن كل مقومات المستشار الناصح موجودة فيهما فهما مخلصان ولا يتوقع منهما الغش ورحيمان ويريدان لك الخير ولهما من النضج والتجربة والخبرة ما ليس عندك كما أنهما خير عون لك لو اقتنعا برأيك. فالقطيعة معهما تعني سقوطك في أيدي من هم مثلك قليلو الخبرة وليسوا حريصين عليك بل يريدون إيقاعك في الخطأ لكي لا يكونوا هم وحدهم مخطئين فهل يرضى عاقل بهذه المبادلة؟! فنصيحتي للشباب أن لا يخسروا آباءَهم وأمهاتهم وأن يعاشروهم بالمعروف حتى لو كانوا مخطئين فمن البر بهم والإحسان إليهم أن تهديهم إلى الطريق الصحيح. وأحيانا قد يصعب تحمل تصرفات الوالدين للفارق الكبير في المستوى العلمي والفكري ولكن ليعلم هذا الشاب أن هذا حصته من البلاء فإن تحمله وأحسن الصبر عليه أوتي أجر الصابرين قال تعالى :} إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُم بِغَيْرِ حِسَابٍ{([27]) وإن قصرّ فيه ــ والعياذ بالله ــ جرى عليه البلاء نفسه وأزيد منه وهو موزور لتقصيره وعصيانه وأعيذكم بالله أن تكونوا كذلك.
9 ــ يتظاهر الشباب بأمور كثيرة منافية للدين والأخلاق والمباديء الموروثة انطلاقاً من قناعات وهمية وليست حقيقية. وسأنبه إلى بعضها:
أ ــ ممارسة العنف والحركات البهلوانية والاعتداء على الآخرين ولو على نحو المزاح لإثبات رجولته وتفوقه على الغير تأثراً بأفلام الرعب والبطولات الزائفة.
ب ــ حف الحواجب ووضع مواد الزينة ولبس الأساور ووضع الإكسسوارات تشبهاً بالإناث والقيام بحركات متميّعة تقليداً للجنس الأخر.
ج ــ الظهور في الشوارع العامة بالملابس غير العفيفة كالشورت أو البنطلون الكلاسيك الذي يجسم العورة.
د ــ الوقوف في طريق النساء وقرب مدارس الطالبات وفي سائر أماكن اجتماع الجنسين بما فيها العتبات المقدسة أحيانا, والعياذ بالله, والتحرش بهن وإطلاق الكلمات التي تخدش بالحياء والعفة.
هـ ــ وضع صور اللاعبين والفنانين والفنانات ورموز الفسق والفجور على صدورهم أو على محافظ الورق (لفكسات) وكأنه يريد أن يثبت انتماءه إلى هؤلاء الذين يستحيي حتى أصحابهم من الانتماء لهم, غافلا عن قوله تعالى :} يَوْمَ نَدْعُو كُلَّ أُنَاسٍ بِإِمَامِهِمْ{([28]), فهل يقبل هذا المسلم كما يسمي نفسه!! أن يحشر مع هؤلاء الذين اتخذهم أئمة.
و ــ ارتداء الألبسة التي تحمل كلمات نابية وغير شريفة سواء في قبعة الرأس أو الصدر أو الظهر وربما تحمل بعضها معنى الكفر, وستأتي الإشارة إلى نفس النقطة بالنسبة للشابات بإذن الله تعالى.
ز ــ ممارسة العادة السرية والاستمناء ويسمى (نكاح اليد) وهو محرم شرعا غاية التحريم ويجلد الذي يمارس هذه العادة عددا من السياط حتى يتأدب . وغالباً ما يضطر الشاب إليها لأنه بسوء تصرفه أوقع نفسه في مقدمات محرمة تثير فيه الشهوة الجنسية فيفقد الصبر عليها كمشاهدة الأفلام والصور الخليعة أو التواجد في اماكن الاختلاط والتبرج أو الاسترسال في التأملات الجنسية أو قراءة الروايات المثيرة للجنس, وهكذا فالحال هو ما ذكرناه في النقطة الخامسة من تجنب المثيرات الجنسية وربما سنتناول الموضوع بالتفصيل في مناسبة لاحقة.
ح ــ استخدام الهاتف للتحرش بالنساء والاعتداء على أعراض الناس وإزعاج الآخرين وإدخال الأذى عليهم وكلها أعمال محرمة وإن كان هو يتلذذ بها لغفلته إلا إنها تنقلب إلى حيوانات تؤذيه وتؤلمه في القبر حيث تظهر الأعمال هناك على حقيقتها ((الناس نيام فإذا ماتوا انتبهوا))([29]) من غفلتهم ورأوا حقيقة أعمالهم.
ط ــ ومما يشاع بين الشباب خصوصا الجامعيين منهم أن يلتقي الواحد منهم مع الآخر بالقبلات من الفم بكل شهوة وميوعة, وتفعل النساء ذلك أيضا بمرأى الرجال, وهو تصرف مستهجن ومحرم وباب واسع للفساد فاجتنبوه} فَهَلْ أَنتُم مُّنتَهُونَ{ ([30]).
ي ــ بعض الشباب يلبس الذهب على شكل خاتم أو حلقة زواج أو قلادة وكل هذا محرم شرعا على الرجال وقد ثبت أن في لبس الذهب أضرارا صحية مهمة, وكذا يحرم على الرجال لبس الحرير الطبيعي.
ك ــ ومما يفعله الشباب التشبه بالجنس الآخر فالرجل يلبس الأساور ويتزين كالمرأة ويقضي الساعات الطويلة أمام المرأة لوضع المحسنات وإجراء عمليات التجميل, والمرأة تلبس البنطلون. وغيرها من الأمثلة وهو حرام شرعا فلكل جنس شخصيته الطبيعية التي لا تناسبه إلا هي, وأي محاولة للتشبه بالآخرين تجعله فاشلا (ويضيع المشيتين) كما يقال في المثل حيث حاول الغراب أن يقلد الطاووس في مشيته فلم يفلح فأراد أن يعود إلى مشيته الأصلية فلم ينجح لأنه قد (نسيَها فضيع المشيتين) وهو المثل المشهور.
ل ــ قيل إنّ عددا من الشباب يعملون أعمالا مختصة بالنساء كالعمل في صالونات الحلاقة والتجميل للنساء أو خياطة الألبسة النسائية, وكل من هذه الأعمال يورط صاحبها في محرمات عديدة, فلا يجوز للرجال العمل في هذه المجالات مطلقا. وقد نبهت إلى محرمات الأول في كتاب (فقه الحلاقة) ومحرمات الثاني في كتاب (فقه العمال).
10 ــ الانصياع وراء (الموضة) كما يسمونها وتطبيق كل جديد ولو كان تافهاً وسمجاً ومرفوضاً سواء في قصة الشعر أو تدهينه أو الملابس الخارجية أو السيارات أو الأثاث . والتباهي والرياء بالأمور الدنيوية الزائفة كالموديل الحديث للسيارة أو العشيرة الكبيرة أو الأسرة المعروفة أو المنطقة الراقية أو البيوت الفخمة, والفخر الحقيقي إنما هو بطاعة الله تبارك وتعالى :} قُلْ إِن كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَآؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُم مِّنَ اللّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُواْ حَتَّى يَأْتِيَ اللّهُ بِأَمْرِهِ وَاللّهُ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ{([31])، وقد بلغني بكل أسف أن روحا جديدة من العنصرية بدأت تتفشى في المجتمع وذلك أن الشاب من مدينة (بغداد) يشعر بالتفوق على أبناء المحافظات الأخرى فإذا أراد أن يستهزيء بأحد يقول عنه أنه (محافظات). ولا أدري كيف يكون مجرد الانتساب إلى بغداد أو أي مدينة أخرى سببا للتفوق؟ إنها عنصرية ممقوتة ومبغوضة ومرفوضة لا تختلف عن عنصرية الجنس والدم واللون والعشيرة التي وضعها الإسلام ونبي الإسلام تحت قدميه, وجاء المعيار الإلهي للتفوق:} إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ{([32]), وتوالت الأحاديث الشريفة لترسيخه ((أن الله خلق الجنة لمن أطاعه ولو كان عبداً حبشياً وخلق النار لمن عصاه ولو كان سيداً قرشياً))، فانبذوا هذه النظرة العنصرية وقاطعوا قائلها وقولوا له (كلنا أبناء الإسلام) و (كلها مدن الإسلام) وفي كل منها للإسلام ولله تبارك وتعالى ذكرى وموقع فلا فضل لأحدها على الأخرى إلا بمقدار انتسابها لله تبارك وتعالى.
11 ــ ارتياد السينمات والملاهي التي تعرض الأفلام الساقطة, وصالات الألعاب التي يتداولون فيها المجلات والصور الخليعة ويتعاطون المخدرات وربما يمارسون بعض المنكرات كاللواط ونحوه, والذهاب إلى مدينة الألعاب ليستغلوا بعض الألعاب كفرصة للإعتداءات الجنسية, كالذي يسمونه (النفق المرعب) وهو مرعب فعلا لما تحصل فيه من معاصي لجبار السماوات والأرض الذي أعد :} نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلائِكَةٌ غِلَاظٌ شِدَادٌ لا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ{([33]) للعاصين المنحرفين. هذا كله وهم مسلمون ينتسبون إلى رسول الله ((صلى الله عليه وآله)) !! فأقول لهؤلاء. تداركوا أمركم بالتوبة فإن الموت يأتي بغتة ولا ينفعكم الندم حين توضعون وحيدين في القبر تلك الحفرة الموحشة, ولا قرين لكم إلا ما قدمتم من أعمال, وعوّضوا عن هذه الأماكن بالتردد على المساجد ومجالس الوعظ والإرشاد والتوجيه وإحياء الشعائر الدينية أو اللقاء مع المؤمنين لتبادل الأحاديث النافعة أو أي مكان فيه نفع دنيوي عقلائي او أخروي.
12 ــ كثرت السفرات المدرسية والجامعية التي تكون سببا للفساد والانحراف لأنها مختلطة وتتطلب أحيانا المبيت ليلة أو أكثر كما لو كانت إلى الموصل مثلا وفي هذه المناسبات تنطلق النفس الأمارة بالسوء ويغيب العقل ويحضر الشيطان ليزين المعصية بقوة وإذا لم تكن نفس السفرة مختلطة فإنها تذهب إلى أماكن فيها اختلاط وأجواء عاطفية تضغط على الإنسان للوقوع في المعصية بدرجة من الدرجات وبشكل من الأشكال وكثيراً ما يرافق هذه السفرات أجواء صاخبة من الغناء والرقص والموسيقى ويجري كل هذا على حين غفلة من أولياء أمور الطالبات اللواتي جئن لطلب العلم!! فسلاماً على العلم الذي جئن لطلبه! وتحية لأولياء أمورهن الطيبين الوديعين البريئين الذين يحسنون الظن حتى بإبليس ويعتقدون أن نيته سليمة و(قصده شريف)!! ماعشت أراك الدهر عجبا ! وأرجو مطالعة قصة (صراع مع الشيطان) التي تتحدث عن بعض ما يحصل في السفرات المدرسية من مخالفات للشريعة والأخلاق بلا منتر وما خفي أعظم . فأين أنتم يا مديرو المدارس والجامعات ويا مربون ويا اساتذة؟ أعلى هذه الدناءة والخسة تربون ابناء الجيل الصاعد؟ مالكم تقدمون خدمة مجانية للصهاينة والأمريكان الذين دأبهم دفع البشرية إلى الحضيض حتى لا يبقى أحد يستحيي من إبراز عورته أمام الناس (كما يقولون في بروتوكولاتهم)؟! ولو واظبوا بدلا من ذلك على السفرات إلى العتبات المقدسة وزيارة العلماء ورجال الفكر والى مشاهدة رموز تراثنا الإسلامي العظيم ليعمقوا صلتهم بالله تعالى ويأخذوا الدروس والعبر فسيعودون بسعادة روحية وسمو نفسي يتلذذون به لذة حقيقية لا تلك اللذة الزائفة التي تعقبها حسرة دائمة.
13 ــ يرى بعض الشباب أن من تمام التقدم والتحضر أن يصطحب زوجته أو أخته إلى الملاهي والنوادي الاجتماعية ومسارح الرقص وهي في أبهى حلة واكمل زينة ومن مقتضيات ذلك أن لا يمتنع لو دعاها غيره على الرقص معه أمام عينيه وإلا وصم بالتخلف والرجعية والالتزام بالتقاليد البالية, ومن أتيكيت حفلات الزواج أن يعرفها على أصدقائه وهي متبرجة ببدلة العرس قد كشفت عن مفاتنها فتصافحهم وربما . . . أتريد ان أستمر بالحديث ام اهتز كل كيانك ووقفت كل شعرة على بدنك لهذه الفضائع التي ترتكب هنا في هذا البلد الذي يقع في قلب العالم الإسلامي وهو مركز الإشعاع الفكري على مدى قرون ومقر المرجعية الشريفة ومراقد الأئمة الطاهرين ((عليهم السلام)) والأولياء والعلماء الصالحين وزيادة على ذلك فهو البلد الذي سيحتضن الأمام المنتظر عجل الله فرجه عما قريب ويتخذه عاصمة له لينطلق منه ويفتح العالم كله فيبسط على البشرية جناح العدل المطلق.
14 ــ لكل إنسان (هواية) كما يسمونها وتكثر هذه عند الشباب وهي مشتقة من (الهوى) وهو يعني الرغبات والنوازع النفسية والميول باتجاه شيء معين يجد فيه راحته وهو أمر مشروع أن يسعى الإنسان لتحقيق رغبته وسعادته لكن (الهواية) يجب أن تكون ضمن ضوابط لان الاتباع المطلق للهوى من المرديات وقد ورد الذم الأكيد لاتباع الهوى ومدح من منع نفسه عن اتباعه} وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى، فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى{([34]), واتباع الهوى له درجات بعضها كاف لاستحقاق أسفل دركات الجحيم, وممارسة الهوايات المتعارفة ليس منه, إلا أن الذي اريد أن أقوله أن الشاب حينما يريد أن يختار هواية أو مالت نفسه إلى هواية معينة فلابد أن يفحصها أولا ويدقق في أمرها قبل أن يتعلق بها قلبه ولا يستطيع الصبر عليها فإن بعض الهوايات تافهة ولا معنى لها ومضيعة للوقت كحل الكلمات المتقاطعة أو المراسلة التي لا جدوى فيها أو الذوبان في الرياضة أو جمع الطوابع ونحوها فضلاً عن التي توقع في المعصية كالذين يسمونهم بـ(المطيرجية) فلابد من اختيار الهواية التي فيها نتائج مثمرة دينياً ودنيوياً كقراءة الكتب أو ابتكار الأجهزة أو الاتصال عبر الانترنيت لتحصيل أحدث المعلومات والأخبار في العلم لتكوين رؤية واعية ومعمقة وواسعة, ونحوها من الهوايات المفيدة.
15 ــ للعمل والكسب أهمية كبرى في الإسلام وقد أشرت إلى محبوبيته عند الله تعالى ورسوله ((صلى الله عليه وآله)) في مقدمة كتاب (فقه العمال) لكن بعض الشباب يعزف عن العمل أو يشترط شروطاً عديدة لنوع العمل إما هروباً من المسؤولية أو اتكالا على غيره أو استعلاءً أو استكباراً فارغاً وهم بذلك يخرجون عن سنة رسول الله ((صلى الله عليه وآله)) التي حببت الكسب وشجعت عليه ولم تستنكف منه مادام حلالا. فقد عمل أمير المؤمنين ((عليه السلام)) اجيراً عند امرأة يهودية في المدينة لسقي الزرع كل دلو بتمره فاجتمعت عنده ست عشرة تمره فجاء بها إلي رسول الله ((صلى الله عليه وآله)) فأكل معه. وكان عمل اكثر الأنبياء والأئمة الرعي والزراعة فلا تقصروا معاشر الشباب في الكسب والعمل امتثالا لقوله تعالي :} هُوَ أَنشَأَكُم مِّنَ الأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا{([35]), أي طلب منكم إعمارها, نعم يجب أن تتفقهوا وتتعلموا أحكام التجارة والكسب لئلا تتورطوا في الحرام من حيث لا تشعرون وتجنبوا الأعمال التي تكون مظنة للحرام كبيع الكماليات النسائية فضلا عن المحرمة وهي كثيرة. وقد ناقشت هذه التفاصيل في استفتاءات وكتب مستقلة فراجعوها, وعليكم بأداء الحقوق الشرعية من ارباح مكاسبكم ليبارك الله لكم فيها ويثيبكم عليها.
16 ــ ومن القضايا التي تجب دراستها بدقه وإمعان ووضع الحلول لها ظاهرة السفر إلي الخارج والتي قد تكون لها مبرراتها أحيانا الا إنها في كثير من الأحوال لا تكون مشروعه لانها ليس لها هدف الا التمتع بالدنيا و الاستزادة منها والهروب من المسؤولية ومن واقع المحن والبلايا, وأول نتيجة لمثل هؤلاء هي عدم تشرفهم بنصرة الإمام ((عجل الله فرجه)) لان من يفر من هذا البلاء ولا يصبر عليه ولا يسعى إلى تغييره نحو الأفضل لا يستطيع تحمل أعباء نصرة الإمام ((عجل الله فرجه)) وان كثيرا من الشباب الذين سافروا ضعف التزامهم الديني وربما اضمحل لان الانحراف هناك يضغط بشدة ولا يستطيع اكثر الشباب مواجهته لضعف حصانتهم الدينية وتربيتهم الأخلاقية وعدم قدرتهم علي السيطرة على انفسهم فيكون السفر عندئذ من أوضح مصاديق (التعرب بعد الهجرة) الذي هو من كبائر الذنوب وحتى لو استطاع ان يسيطر على نفسه فإنه لا يضمن السيطرة على أبنائه والأجيال اللاحقة فسيضيعون في ذلك المجتمع الفاسد ويكون هو المسؤول عن ضياعهم لأنه ألقاهم في مستنقع الرذيلة, ونحن نرى اننا من الصعب ان نسيطر علي أبنائنا ونحن في بلاد الإسلام والإيمان فكيف نسيطر عليهم في بلاد الكفر والانحراف؟ وقد فصلنا القول في هذه الظاهرة في الحلقة الثانية من سلسلة (ظواهر اجتماعية منحرفة) والحلقة الأولى من سلسله (ظاهرة اجتماعية في الميزان).
17 ــ ان خطابي التوجيهي هذا للشباب ليس فقط للذكور وانما هو للاناث ايضا وان كثيرا من أفكاره مشتركة بين الجنسين وان كان الاتجاه الظاهر له مخاطبة الذكور الا انه يمكن تطبيقه على الشابات ايضا ويمكن إلفات النظر إلي عدة نقاط مختصة بالاناث, منها :
أ ــ الاهتمام بالموضة واللهاث وراء كل جديد والانصياع لما يقتضيه الاتيكيت على مستوى الازياء او قصات الشعر أو مواد الزينة والاكسسوارات وهذه من آلهة الجاهلية المعاصرة التي تطاع وتؤدي لها فروض الولاء وهي مرتبة من مراتب الشرك لان العبادة في القرآن هي الطاعة والولاء} أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ{([36]), وقد اشبعت القول في تصحيح هذه المفاهيم : العبودية, الجاهلية, الألوهية في كتاب (شكوى القرآن) فراجعوه لأهميته. ونوقش موضوع ضياع المرأة في هذه التفاهات واثارة السلبية على النفس والمجتمع في كتاب (رفقا بالرجال يا قوارير).
ب ــ محاولة إلفات نظر الرجال وإيقاعهم في فخ (الإعجاب) بهن سواء في شكل الملابس أو تصميمها أو الحركات أو طريقة التكلم, حتى أنّ بعض المحجبات تختار شكلا من الحجاب للجسد أو للرأس يؤدي هذا الغرض, وبذلك فهن لا يعشنَ حقيقة الحجاب وانما ظاهره وبعضهن يكون الحجابهنّ اكثر إثارة وفتنة من غيره ولكي يفهمن حقيقة الحجاب فلتقرأ النساء الكتاب الآنف الذكر.
جٍٍٍٍٍٍ ــ الولع بمشاهدة التلفزيون ومتابعة المسلسلات والأفلام وربما الاغاني المصحوبة بالرقصات الماجنة والمظاهر الخليعة. وقد نبهنا إلى مخاطر ذلك في كتاب (احذر في بيتك الشيطان) والحلقة الثالثة من (نحو مجتمع نظيف).
د ــ فقدان الحياء والعفة والحشمة في بعض المناسبات كالأعياد وحفلات الزواج حيث يكون التبرج والزينة المثيرة والملابس الفاضحة والرقصات الماجنة بحجة ان الموجودات كلهن نساء مما يسبب وقوعهن في محرمات عديدة. نبهنا اليها في كتاب (رفقا بالرجال يا قوارير) بل حتى خلع الملابس في بعض المجالس الحسينية فيه بعض الاشكالات راجع كتاب (الخطابة النسائية بين الواقع والطموح).
هـ ــ الخروج وحدهن والسفر كذلك مما يسبب كثيرا من الحرام الشرعي أو النقص الاخلاقي فقد تتعرض لخلوة مع أجنبي كسائق التاكسي ونحوه أو الاشتراك مع الرجال في مقعد واحد في سيارات النقل, وقد بلغني ان المرأة ربما نامت في الطريق الطويل وتمايلت فتسقط على الرجل الذي بجانبها, كما ان انفرادها يعرضها لتحرش الساقطين واساءة الظن بها, والأكمل من ذلك ان لا تخرج من البيت الا لضرورة ومع تطبيق كافة الأحكام الشرعية لذا كانت صلاة المرأة في بيتها افضل من المسجد.
و ــ من كمال الشابة الالتزام بغطاء الوجه (البوشية) كلما أمكن ذلك فإن فيه حماية لها والآخرين لأن وجه الشابة عموما مما يسبب إثارة وانجذاب فلا تكن سببا لفتنة الاخرين وهي بذلك تكون مطبقة لوصية الزهراء ((عليها السلام)) ان اكمل صفة في المرأة ان لا ترى رجلا ولا يراها رجل.
ز ــ ان بعض النساء يبالغن في الاهتمام بالجمال الظاهري وهو في بعض مراتبه صحيح ومن متطلبات الغريزة الانثوية الا انه لاينبغي ان يزيد عن حده فلتكتفي منه بمقدار معقول وتترك الباقي للاهتمام بالجمال الباطني} وَلِبَاسُ التَّقْوَىَ ذَلِكَ خَيْرٌ{ ([37]).
ح ــ عدم الاهتمام بتثقيف انفسهن والتفقه في أمور الشريعة وزيادة الوعي الديني بحيث لو اردنا الان ان نفتح حوزة علمية للنساء لما وجدنا الكادر الكافي للقيام بمسؤولياتها, فكيف نحقق رغبة النساء في انشاء هذه الحوزة ونحن لا نمتلك مثل هذا الكادر؟ فهذا النقص فيهن اكثر من الرجال ويكفيهن ان يقرأن ما يهمهن من أمور الدنيا والآخرة ككتب الأخلاق والتربية والفقه والعقائد والتاريخ ومنها (فقه العائلة) و(من ينقذني) و(أختي انتبهي) و(فقه المرأة المسلمة) و(أصل الشيعة وأصولها) بالمقدمة التي كتبتها له و(من وحي المناسبات) خصوصا ما يتعلق بسيرة السيدتين خديجة بنت خويلد ((رضى الله عنها)) وفاطمة بنت اسد ((رضى الله عنها)) و(ظواهر اجتماعية منحرفة) وسلسلة (نحو مجتمع نظيف) و(فقه الجامعات) و(القلب السليم) و(احسن القصص) و(منازل الآخرة).
ط ــ عدم اكتراثهن بأداء وظيفة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر, هذه الفريضة الإلهية العظيمة التي نبهت إلى أهميتها في كتاب (الأسس العامة للفقه الاجتماعي) وهي شاملة للجنسين على حد سواء بل هي في النساء أهم لكثرة المخالفات عندهن وتفشي الجهل ونقص الوعي فيهن.
ي ــ ومن مجموع النقطتين السابقتين نشأ نقص مهم آخر وهو عدم تصدي الواعيات المثقفات منهن لمنبر الوعظ والارشاد والتوجيه وتبليغ الاحكام, وتركنه بأيدي نساء دنيويات غير متعضات لا يعرفن الا مصالح انفسهن, فإذا ارادت النساء ان يحضين برضا الإمام المنتظر ((عليه السلام)) وتأييده لتشملهن ألطافه فعلى الكفوءات منهن اللواتي تتوفر فيهن شروط التصدي ــ وهن كثيرات في هذا الزمان, فاغلب نسائنا مثقفات واعيات تزودن بعلوم العصر وافكاره ومنفتحات ــ ان يؤدين هذا الواجب خصوصا نساء الطلبة والفضلاء والعلماء ويشجعن غيرهن ليكون الجميع من الممهدين للظهور الميمون والفائزين بنصرته ((عليه السلام)) والاستشهاد بين يديه ((عليه السلام)). وقد ذكرنا معلومات نافعة في كتاب (الخطابة النسائية بين الواقع والطموح).
ك ــ التزامهن بمقاييس مادية دنيوية عندما يتقدم أحد لخطبتهن وهو خلاف المقاييس التي وضعتها الشريعة. فقد جاء في الحديث : ((إذا جاءكم الرجل وقد رضيتم عقله ودينه فزوجوه الا تفعلوه تكن فتنة في الارض وفساد كبير))([38]) أما البيت والسيادة والثروة فيمكن ان تأتي مستقبلا كما وعد الحديث : ((انما الرزق مع الزوجة والعيال)) وهذه الأمور وحدها لا تجلب السعادة إذا لم تغمر الحياة الزوجية المودة والحب والاخلاص والوفاء والإيثار وسائر الخصال الحميدة التي جمعها الحديث المتقدم ضمن عناوين العقل والدين فاعيذكن بالله ان تخرجن عن سنة الرسول ((صلى الله عليه وآله)) وتقع الفتنة والفساد بسبب الخضوع للمقاييس الدنيوية لان الامر متعلق بكن قبل أي احد آخر حتى الآباء.
ل ــ خضوعهن للشهوة الجنسية والانفعالات العاطفية والوعود المعسولة فتتبع بعضهنّ أي إشارة شيطانية وتنسى الدين والشرف والعفة وتغفل عن التقاليد الاجتماعية التي لا ترحم الفتاة المنحرفة ولا تعطيها العذر فتكون عاقبتها القتل لغسل العار. فهل تستحق تلك اللذة العابرة هذه النتيجة القاسية؟ ويعلم الله كم أتألم ويعتصر قلبي عندما اسمع بمقتل الفتيات وبطريقة بشعة لسقوطهن في شباك الذئاب من الرجال الذين لا ينالون نفس العقاب ولا يغسل عارهم رغم ان العقوبة في الشريعة لهما واحدة على حد سواء. وقبلهما لابد من عقوبة أولياء أمورهم وغسل عارهم لأنهم الذين يورطون أبناءَهم في الانحراف بسوء التربية وبالسماح للأفلام الخليعة واللقطات المثيرة ان تعرض في الدار فماذا يتوقعون ان تكون النتيجة؟ ان من مشاكل مجتمعنا هذه الازدواجية فنحن نعيش نمطا من الحياة منفتحا على الغرب لا يمانع من مشاهدة الأغاني والأفلام والصور المثيرة للشهوة ونعيش في نفس الوقت الأعراف والتقاليد الموروثة التي لا تسمح بأي شائبة من الانحراف, وبسبب هذه الازدواجية تحصل الكوارث الاجتماعية فلا نحن نستطيع ان نكون كالغرب الذي تخلى عن كل المبادئ الاخلاقية والإلهية ولا نحن الذين نرفض ما يخالف التزاماتنا ومبادئنا, فمتي نصحو حتى نخفف عن بعض الآلام التي امضت بقلب الإمام المهدي ((عليه السلام)) .
م ــ مباشرتهن العمل في اماكن تسبب الوقوع في المعاصي فإما ان تبقى في العمل مع تجنب المحرمات كالخلوة مع الاجنبي في بعض الدوائر التي ليس فيها اتصال بالمراجعين او في المستشفيات اثناء الخفارات الليلية وفي صالات العمليات وفي غرف النقاهة او غرف المختبرات واحيانا يتطلب الامر ترك العمل نهائيا. واريد ان انبه إلى موردين من ذلك :
الاول : ان بعض المعامل الأهلية تركز على توظيف العاملات فيقعن فريسة صاحب المعمل او رئيس المال حيث يزايدونهنّ على شرفهن والا فعقوبتهن الفصل. وهذه ظاهرة منتشرة في كثير من المدن .
الثاني : خروج المرأة الريفية إلى أعمال الزراعة والحراثة ونقل الماء مما يعرضها إلى السقوط والانحراف والى اعتداءات الذئاب والخنازير الذين يحملون صورة البشر فالله الله في شرفكم ودينكم وأخلاقكم فإنه أعز من كل شيء وخذوا من الحسين ((عليه السلام)) عبرة فانه لما وصل الماء يوم عاشوراء وأراد أن يشرب وقلبه يتفطر من شدة العطش نودي أتشرب الماء؟ وعاد إلى المخيم ليحامي عن شرفه وهو يرتجز :
أنا الحسين بن علي آلــــيـت أن لا أنــثــنــي
أحـمـي عيالات أبي أمضي على دين النبي
وتوجد قضايا أخرى كثيرة عولجت في كتب متعددة ككتاب (فقه العائلة) و(شكوى القرآن) و(فقه العمال) و(فقه المصورين) و(قيادة السيارات : أحكام وآداب) و(فقه السوق) و(الغناء ينبت النفاق ويورث الفقر) و(فقه الجامعات) و(زيارة مدرسة) و(المسلم الحدث بين حملات التضليل ومسؤولية التكليف) و(التوبة باب الرحمة) وغيرها كثير فراجعها. اضافة إلى الكتب الأخلاقية والعقائدية والفقهية وسير المعصومين والصالحين من العلماء والأولياء.
بعد كل هذه التنبيهات أقول على كل شاب ان يعيد النظر في حياته ويحاسب نفسه ويدقق تصرفاته ليرى هل اقترب من الحق ام من الباطل؟ والعياذ بالله.
هل هو من جند الرحمن ام من جند الشيطان؟!
هل هو ممن يمهد للظهور المبارك واليوم الموعود أم ممن يعرقل الظهور وينشر الفساد في الارض ؟!
هل هو ممن يدخل السرور على قلب الأمام المنتظر ((عليه السلام)) لأنه الحجة الفعلية فتعرض عليه اعمال العباد أولاًًً بأول كما دلت عليه الآية الشريفة :} وَقُلِ اعْمَلُواْ فَسَيَرَى اللّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ[([39])، وهم ((عليه السلام)) المؤمنون, أم أنه ممن يدخل الأذى على قلب الإمام لما يرى من أعماله من صحائف سوداء؟.
أسأل الله تعالى أن يكون جميع الشباب وجميع المسلمين من الأوائل الفائزين في هذه المقابلة فإني أحبهم وأتمنى لهم الخير وأسرُّ بمشاهدتهم في المساجد ودور العبادة والشعائر الإلهية وفي العتبات المقدسة وأتفاءل برؤيتهم وأدعو الله تعالى لهم بالتسديد والتثبيت وقضاء الحوائج وحسن العاقبة .
أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان اللعين الرجيم
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله الذي جعلنا أشرف المخلوقات بما وهبنا من العقل الذي به يعبد الرحمن ويعصى الشيطان وبما نفخ فينا من روحه ولولاها لكنّا نحن والطين سواء والحمد لله الذي يسّر لنا سبل الكمال في الوصول إليه والتقرب منه ودلنا عليها وهدانا إليه والحمد لله الذي منّ علينا بالوجود والحياة والإيمان والولاية لنطيعه ونعبده فنتكامل ونسمو ولم يجعلنا من الذين اخترمهم الموت فانقطعت عنهم أسباب التكامل إلا ما رحم ربي والحمد لله الذي جعلنا من الموفين بعهده وميثاقه الذي واثقنا به من توحيده والأخلاص وولاية الهداة إلى سبيله والأدلاء على طاعته محمد وآل محمد صلى الله عليهم أجمعين وسلم تسليماً كثيرا.
لا أمل من الحديث عن الشباب ومع الشباب ففي الأسبوع الماضي ألقيت عدة دروس عن مشاكل الشباب ونصيحة الحوزة الشريفة لهم في علاجها ومواجهتها. واليوم ــ واستجابة لطلب عدد منهم ــ أود توجيه كلمة أبوية لهم لأن كثيراّ منهم يحسنون الظن بي ويرون فيّ ناصحاً ومرشداً وموجهاً وهذا من لطف الله تبارك وتعالى بي واستجابة منه ــ وهو المتفضل المنان الذي نعمه كلها ابتداء من غير استحقاق مني ــ لدعاء لازلت أدعو به منذ عشرين عاماّ تقريباّ وأنا في بداية العشرينيات من عمري حيث كنت أقرأ في كتاب الميزان في تفسير القران فوصلت إلى قوله تعالى على لسان طائفة من المؤمنين} وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا{([40])، فتحدث السيد الطباطبائي ((قدس سره)) عن علو همة هؤلاء حيث لم يكتفوا بطلب جعلهم من المتقين بل ارتقت همتهم إلى أن يطلبوا منه تبارك وتعالى أن يكونوا أئمة للمتقين. ومن حينها التزمت بهذا الدعاء وغيره في صلواتي أسوة بهذا السلف الصالح وها أنا ذا أجد لطف الله تعالى بي فإنه عند حسن ظن عبده فما يضر العبد أن يحسن الظن بربه غاية الاحسان مادام الرب عند حسن ظن عبده, ومن لطفه أن عدداً من المؤمنين المتقين ــ خصوصاً من الشباب الذين أرجو شفاعتهم لي يوم الحساب وأتقرب إلى الله بمودتهم ــ يرون في هذا الوصف بمعنى من المعاني وبدرجة من الدرجات فالحمد لله كما هو أهله, أقول هذه الكلمات لإظهار نعمة الله تعالى ولتحفز الهمم لديكم حتى تكون آمالكم معلقة بالله تعالى بأعلى صورها وأكمل أشكالها.
وعوداً على بدء أقول : إنني أريد اليوم توجيه كلمة أبوية لهم بمناسبة قرب الامتحانات الوزارية العامة والامتحانات الجامعية فلا ينبغي لي أن أدَعَهم وحدهم. فأنا أحبّهم حبين, حب هو لحب رسول الله ((صلى الله عيه وآله)) إياهم ووصيته ((صلى الله عليه وآله)) بهم إذ قال : ((أوصيكم بالشباب خيرا فأنهم أرق أفئدة)), وحب لهم لما يتمتعون به من صفات وخصال حميدة ذكرتها في بداية حديثي السابق معهم بعنوان (الحوزة ومشاكل الشباب) ولأنهم يذكّرونني بمرحلة سابقة من عمري خصوصا حياتي الجامعية التي عشتها ما بين سنتي 1978 ــ 1982 بكل ما حفلت به تلك السنون الحبلى بالأحداث والتي كانت تزهو بالشباب المؤمنين الواعين المخلصين الذين صدق فيهم قوله تعالى :}مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُم مَّن قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُم مَّن يَنتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلاً{([41])، وبقيت أعيش ذكرياتهم وأحن إلى لقائهم, ومن دأب الإنسان الحنين إلى الذكريات, فهذا رسول الله ((صلى الله عليه وآله)) يمر على جبل أحد بعد مدة طويلة من معركته فتهيج في نفسه ذكريات تلك الواقعة الأليمة في تضحياتها, العظيمة في نتائجها ودروسها بحسب ما سطرته سورة آل عمران المباركة فيقول ((صلى الله عليه وآله)) : ((أحد : جبل نحبه ويحبنا))([42]).
من أجل هذا كله وجدت من المناسب أن أشاركهم ــ وهم يدخلون الامتحانات ــ بالدعاء لهم بالتوفيق والنجاح وتحقيق الآمال التي ترضى الله تبارك وتعالى ورسوله ((صلى الله عليه وآله)) وتدخل السرور على قلب بقية الله الأعظم (أروحنا له الفداء) والدعاء ليس قليلا فهو سلاح المؤمنين كما في بعض الأحاديث. فقد قال تعالى :} قُلْ مَا يَعْبَأُ بِكُمْ رَبِّي لَوْلَا دُعَاؤُكُمْ{([43])، إن الدعاء على أهميته ــ لا يكفي وحده حيث قضت الإرادة الإلهية بتحصيل الأمور بأسبابها وعلى مبدأ ((أعقل وتوكل))([44]) أضع بين أيديهم بعض النقاط :
النقطة الأولى : يوجد تفكير خاطئ لدى الشباب وأولياء أمورهم بأن الدراسة والشهادة الجامعية لا تنفع فهؤلاء الخريجون لا يعملون بمقتضى شهاداتهم فلماذا التعب والدراسة والعناء؟ وهذا التفكير لا أصفه فقط بأنه خاطئ بل هو خطير ويقدم خدمة مجانية إلى أعدائنا لأن من أهدافهم أن نتخلف ونكون جهلة لنبقى تابعين لهم وحراسا لمصالحهم ومنفذين لخططهم, أما التقدم العلمي فيعني استغناءَنا عنهم وهو شيء لا يطيقونه, فلماذا نحقق لهم مآربهم وهم أعداؤنا؟ أما الإشكال الذي يثار من عدم نفع الشهادة فنجيب عنه بأكثر من جواب :
1 ــ إن نفع الشهادة لا يقتصر علي تحصيل الوظيفة أو فرصة عمل بموجبها فهناك آثار إيجابية نفسية واجتماعية وثقافية تترتب على الشهادة فإن نضج التفكير والوعي لدى حامل الشهادة ليس كالذي عند غير المتعلم, وقوة الشخصية والموقع الاجتماعي ونظرة الناس للمتعلم ليست كما لغيره, وثقة الإنسان بنفسه والشعور بالمسؤولية وعلو الهمة عند المتعلم ليست كما عند غيره
2 ــ ما قاله سيدنا الأستاذ ((قدس سره))([45]) حينما نقل له اعتراض بعض الطلبة على دراسة الكفاية ــ وهو أعلى كتاب في الأصول يدرس قبل الدخول في البحث الخارج ــ وأن هذا الكتاب لا ينفع في العمل الاجتماعي ولا يدخل في عملية الإصلاح والهداية. فقال ((قدس سره)) : نعم هو كذلك لكنك لا تستطيع أن تنفع المجتمع إلا بدراسة (الكفاية) لأن تحصيل الاجتهاد متوقف عليه وبنيل الاجتهاد تنفع الناس وتبين لهم أحكام الشريعة. ونقل عن العالم اليوناني أرخميدس أنه كان بين طلابه يوما يشرح بعض نظرياته فقام إليه أحد الطلبة وقال : ما فائدة هذه النظرية في حياتنا حتى نتعب أنفسنا في بيانها والاستدلال عليها فقال لخادمه : أعطه درهما. وكأنه يريد أن يقول له : إنك إذا قصدت بالنفع, المردود المادي المباشر فخذ هذا الدرهم لكنه ثمن بخس للعلم وإنما غاية العلماء هو وضع لبنة في بناء الحضارة الإنسانية فقد لا يعلم الفائدة المباشرة لهذه النظرية في الفيزياء أو ذلك القانون في الرياضيات أو تلك القاعدة في الكيمياء أو هذه الفكرة في علم الاجتماع إلا أنها جميعا ساهمت على المدى البعيد في تقدم البشرية وتكاملها تطبيقا لقوله تعالى :} هُوَ أَنشَأَكُم مِّنَ الأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا{([46])، أي طلب منكم إعمارها.
3 ــ لو سلّمنا وقلنا بعدم نفع الشهادة فهذا ليس ذنب الحصول عليها وإنما هو ناشئ من سوء التطبيق والخلل في توزيع المواقع على مستحقيها وبسبب الظروف التي يمر بها البلد وإلا فقد عشنا في زمان وجدَ كل خريج فرصته من العمل, وهذه البلدان كلها تعد خططاّ خمسية أي خطة سياسة البلد لخمس سنين قادمة وفي ضوئها تحدد حاجاتها من الطلبة الجامعيين وكيفية توزيعها ليكون النصاب المطلوب لتنفيذ الخطة جاهزاّ في الزمان المحدد, وهذا الظرف الذي يمر به البلد طارئ يمكن أن يزول فتعود الحياة إلى مجاريها كما يقال.
فهذا التفكير خاطئ ومضر بالمصالح الشخصية والاجتماعية ولابد من علاجه علي المستوى النظري والعملي, أما على المستوى النظرى فبالالتفات إلى هذه الأفكار وتعميق القناعة بها واستثارة المحفزات للدراسة والنجاح, ومن هذه المحفزات :
1 ــ بان نجعل هدفنا بناء مجتمع مثقف يجيد ارقى فنون العصر وعلومه استعداداً لاحتضان عاصمة الإمام المهدي ((عليه السلام)) وإقامة دولته التي مقرها هنا في العراق. وأسألكم أيّ المجتمعين أجدى في نصرة الإمام ((عليه السلام)) مجتمع جاهل ليس فيه شهادات اختصاص في مختلف حقول العلم والمعرفة أم مجتمع مثقف متكامل, فيه الخبراء والاختصاصيون في كل المجالات التي نحتاجها في عصر الظهور الميمون انطلاقاً من قوله تعالى} وَأَعِدُّواْ لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ{([47]).
2 ــ إن الشباب المثقف الخريج أقرب إلى الهداية وأكثر استجابة إلى داعيها من غير المتعلم لأن التدين أمر فطري عند الإنسان فإذا انضم إليه الوعي والتعقل فلابد أن يتنج الإيمان أما غير التعلم فتصعب هدايته, هذا من جهة ومن جهة أخرى فإن الإيمان إذا دخل قلب المؤمن المثقف فإنه يكون راسخاً بعكس غير المتعلم لذا قال أمير المؤمنين ((عليه السلام)) : ((قصم ظهري رجلان عالم متهتك وجاهل متنسك))([48]) ومحل الشاهد الثاني وأعطيك مثالاً من واقعنا فإن مستوى الوعي الديني في بغداد والبصرة أكثر منه في الناصرية والعمارة والسماوة بل حتى النجف وكربلاء ــ وأرجو أن لايتأذى مني أحد فأنهم كلهم أحبائي وأبنائي. وقد أكون مخطئاً في هذا الاستقراء الناقص لكن المهم الالتفات إلى الفكرة ــ فلماذا هذا التباين؟ قد يكون له عدة أسباب لكن السبب الذي أود الأشارة إليه هنا هو وجود الجامعات في بغداد والبصرة دون تلك المدن وقد قلت قبل قليل أن وجود الجامعة في مدينة تعني ارتفاع المستوى الثقافي والعلمي فإذا انظم إلى الولاء الفطري للتدين الذي يتميز به مجتمعنا العراقي أكثر من أي شعب آخر فسينتج حتما ارتفاع مستوى الالتزام الديني. وإني بقدر ألمي من خلو هذه المدن الحبيبة (الناصرية والعمارة والسماوة وكربلاء وديالي) من الجامعات كان فرحي بإعلان الجهات الرسمية عن إنشاء وافتتاح جامعات في بعض هذه المدن خلال العام الدراسي المقبل . هذا قرار كان ينبغي اتخاذه قبل الآن لأن الدراسات العالمية تؤكد أن معدل عدد الجامعات في بلد ما هو جامعة واحدة لكل مليون من السكان, ونحن في العراق حوالي (24) مليون, فيكون المعدل الطبيعي لعدد الجامعات هو (24) جامعة إن لم يكن أكثر فمتى نصل إلى هذا الرقم؟ أرجو أن لا يكون بعيداً.
3 ــ إن كل واحد منا يجب أن يهدي الآخرين ويؤثر فيهم طمعا في الأجر ورضا الله تبارك وتعالى الذي وعد به رسوله الكريم ((صلى الله عليه وآله)) : ((يا علي لئن يهدي الله بك رجلا خير لك مما طلعت عليه الشمس وما غربت))([49]) وأن تأثير حامل الشهادة في الناس وقبولهم لكلامه أكثر بكثير من غيره فإن كلمة هداية واحدة تصدر من طبيب أو مهندس أو أستاذ جامعي خصوصا إذا ارتقى منبرا, تؤثر في الناس وتشدهم إليه أكثر من ألف كلمة يقولها غيره, فحصَّل على الشهادة لتمتلك هذه النقطة القوية من الـتأثير.
4 ــ إن العلم مقرون بالإيمان وقد قيل إن أكثر من خمسمائة آية في القرآن الكريم في فضل العلم والعلماء والحث على تحصيله وذم الجهلاء الذين لايعقلون و لا يفقهون , ويزيد من معرفته قال تعالى :} إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاء{([50])، فهذا رائد الفضاء السوفيتي غاغارين أول من وطأت قدماه أرض القمر قد تربى في أحضان الإلحاد فلما خرج إلى الكون الفسيح ورأى عجائب الصنع ودقة التنسيق في الكون آمن بالخالق مباشرة بعد أن زالت عن عين بصيرته ظلمات المادية. وإن 93 % من العلماء والمكتشفين الذين استقرأت عقائدهم كانوا موحدين والباقي لم يثبت لديهم اعتقاده والأقل جداً كان ملحداً: وقد ألفت كتب عديدة في هذا المجال نحو (العلم يدعو إلى الإيمان) و(الله والعلم الحديث) و(قصة الإيمان) و(الله يتجلى في عصر العلم) و(الطب محراب الإيمان).
وأما علاجه على المستوى العملي فبالجد والاجتهاد في الدراسة والنجاح في الامتحانات وتعاون أولياء أمور الطلبة معهم وتوفير كل أسباب الراحة لهم ليتفرغوا للتحصيل العلمي وتقديم كل المعونات اللازمة لتحقيق ذلك وليعلموا أن أي نجاح يحققه أبناؤهم فإن خيره وفخره لهم بالتأكيد.
النقطة الثانية : ان رسول الله ((صلى الله عليه وآله)) كان يأخذ من كل شيء عظة وعبرة فإذا دخل إلى الحمام ونظر إلى الماء الحار تذكر ماء الحميم يوم القيامة الذي قال عنه القرآن :} وَسُقُوا مَاء حَمِيمًا فَقَطَّعَ أَمْعَاءهُمْ{([51])، عندئذ يقول ((صلى الله عليه وآله)) : نعم البيت الحمام يزيل الدرن ويذكر بالآخرة, وإذا رأى ماءً جارياً طهوراً ومطهراً رسم لأصحابه صورة فقال ((صلى الله عليه وآله)) ((لو أن بباب أحدكم نهراً يغتسل منه خمس مرات في اليوم أتري يبقي على جسده من الدرن شيء , قالوا له : لا يارسول الله ((صلى الله عليه وآله)) قال : فكذلك الصلاة خمس مرات في اليوم كفارة لما بينها من الذنوب))([52]) وهو قوله تعالي :} إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ{([53])، فمن تمام التأسي برسول الله ((صلى الله عليه وآله)) الذي دعت إليه الآية الشريفة :} لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِّمَن كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا{([54]) أن ناخذ الدروس والعبر من كل شيء فنتذكر ونحن نخوض الإمتحانات : متحاننا الكبير في هذه الدنيا والمسؤولية التي تحملناها حين رضينا أن نكون خلفاء الله في أرضه وأخذ سبحانه علينا العهود والمواثيق} وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِن بَنِي آدَمَ مِن ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنفُسِهِمْ أَلَسْتَ بِرَبِّكُمْ قَالُواْ بَلَى شَهِدْنَا أَن تَقُولُواْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ{([55]) هذا الامتحان لابد من المرور به} تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ، الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا وَهُوَ الْعَزِيزُ الْغَفُورُ{([56])، وقال تعالى :} أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تَدْخُلُواْ الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُم مَّثَلُ الَّذِينَ خَلَوْاْ مِن قَبْلِكُم مَّسَّتْهُمُ الْبَأْسَاء وَالضَّرَّاء وَزُلْزِلُواْ حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُواْ مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللّهِ أَلا إِنَّ نَصْرَ اللّهِ قَرِيبٌ{([57])، وقال تعالى :} الم، أَحَسِبَ النَّاسُ أَن يُتْرَكُوا أَن يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ، وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ{([58])، فليستعدوا لهذا الإمتحان الكبير :} وَتَزَوَّدُواْ فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى وَاتَّقُونِ يَا أُوْلِي الأَلْبَابِ{([59])، كما يستعدون للامتحانات الدراسية وليحذروا من الفشل في ذلك الامتحان كما يحذرون في هذا الامتحان خصوصاّ وأن في الامتحانات الدراسية يوجد دور ثان وتوجد اعادة السنة, أما الامتحان الإلهي فينقطع بالموت, ويقول عندما يرى عاقبة أعماله :} رَبِّ ارْجِعُونِ، لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحًا فِيمَا تَرَكْتُ{([60]) ، فيأتيه الجواب :} كَلا إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا وَمِن وَرَائِهِم بَرْزَخٌ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ{([61]) , وفي آية أخرى:}وَلاتَ حِينَ مَنَاصٍ{ ([62]), نعم مادام هو في قاعة الامتحان وهي دار الدنيا فإنه يمكنه اعادة الفرصة بالتوبة واستئناف العمل والتعويض عما فات فليبادر اليها ويغتنمها فإن الموت يأتي بغتة.
وليأخذ من صورة نجاحه ونشوته والزهو الذي يملأه وهو يسير مرفوع الرأس بين أهله وأصدقائه وأقرانه وأساتذته, نجاحه في الآخرة وهو يعطي كتابه في يمينه فيهنئه رسول الله ((صلى الله عليه وآله)) ويسقيه أمير المؤمنين ((عليه السلام)) من نهر الكوثر شربة لا يظمأ بعدها أبداّ ويجاور الأئمة الطاهرين والأنبياء والمرسلين وعباد الله الصالحين وحسن اؤلئك رفيقا. قال تعالى :} وَرِضْوَانٌ مِّنَ اللّهِ أَكْبَرُ{([63])، اما الفاشل فيكون مطأطئ الرأس قد غُلّت يداه إلى عنقه وهو قوله تعالى :} فَهُم مُّقْمَحُونَ{([64])، ووصف حالهم في آية أخري :} خُذُوهُ فَغُلُّوهُ، ثُمَّ الْجَحِيمَ صَلُّوهُ، ثُمَّ فِي سِلْسِلَةٍ ذَرْعُهَا سَبْعُونَ ذِرَاعًا فَاسْلُكُوهُ{([65])، وكثيرة هي مشاهد القيامة في القرآن فراجعوها وتأملوا فيها وخذوا من صور امتحانكم في الدراسة وما فيها من أنفعالات ونتائج فكرة عند ذلك الامتحان الكبير فإن من طبع الإنسان الاستئناس بالماديات والصور الحسية ولا يستوعب المعاني الغيبية الا عبر تجسيدها بالحس.
النقطة الثالثة : ان امتحانات هذا العام ستقترن مع مباريات بطولة كأس العالم وهي مصادفة سيئة جداّ وقد بينت الحوزة الشريفة رأيها في هذه البطولة وغيرها ببيان تفصيلي تحت عنوان (الحوزة تحذر من الوقوع في فخ الرياضة) وقد تضمّن الآثار السلبية والنتائج الخطيرة للإنهماك في الرياضة وإلفات النظر إلي البدائل المفيدة الممكنة. وأريد أن أشدد المنع هنا لأن الإنشغال بها من خلال متابعة المباريات نفسها أو أخبار الفرق واللاعبين وترتيب الدول والتوقعات للفائزين وغيرها ستربك الذهن وتضيع الوقت وقد ثبت طبياّ أن متابعة التلفزيون تضعف قوة التركيز عند المشاهد المتابع له. ونقل أحدهم أن مشاهدة ساعة للتلفزيون كافية لشغل الذهن أسبوعاًّ كاملاًّ فكيف يصفو للدروس التي سيمتحن بها الطالب؟ فأكرر تحذيري الشديد والأكيد وإذا دعت النفس الأمارة بالسوء وألحّت وضغطت عليك للمشاهدة فقاومها وانتصر عليها فإنها أعدى أعدائك كما يقول الحديث وتقودك دائماّ نحو الردي فلا تتبعها وستجد حلاوة النصر عليها حين مخالفتها وكفي بذلك لذة وزهواً} وَمَا عِندَ اللَّهِ خَيْرٌ وَأَبْقَى{([66]) واذاكان الضغط النفسي شديداً يصعب مقاومته ومن الحرج التوقف عن الإستجابة إليه فخفّف عن نفسك بمشاهدة وقت قصير بالمقدار الذي يرفع هذا الحرج النفسي لقوله تعالى :} وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ{([67])، ومن دون أن يتسبب في الآثار السلبية التي أشرنا إليها هناك.
النقطة الرابعة : وهي تتعلق بمسألة الغش في الامتحانات وعدم التقييم الصحيح وعدم نيل كل طالب ما يستحق. وأريد أن أتناولها من جهتين :
الجهة الأولي : جهة الأساتذة : فإني مطلع على أشكال عديدة من الغش وإعطاء الطلبة ما لا يستحقون ولا زالوا يبتكرون الأساليب لذلك فلم تعد تقتصر علي أسلوب واحد بل تنوعت فمنها إملاء الإجابات الصحيحة على الطالب في قاعة الامتحان أو تغيير إجاباته الخاطئة إلي الصحيحة عند النظر في دفتره أو تبديل دفاتر الطلبة فيأخذ أجوبة الطالب الجيد ويعطيها إلي من يريد بتبديل غلاف الدفتر أو إعطاء الأسئلة الامتحانية إلي الطلبة قبل الامتحانات بمدة وحلها لهم أو التلاعب بدرجاتهم أو ضمان النجاح. لمن يأخذ الدروس الخصوصية لديهم أو فتح دورات سريعة قبل الامتحانات يضمن من يلتحق بها النجاح وكثيرة هي الأساليب الملتوية التي تؤلم كل غيور علي مجتمعه ومستقبل أمته فإن الأساتذة كالقضاة وعلماء الدين آخر من نتوقع فقدانهم النزاهة لأن خرابهم يعني تدمير كيان الأمة ونسفه من القواعد . وأنا متفهم للضغوط المادية التي يتعرضون لها والوضع الاجتماعي المحرج الذي يعيشونه بحيث أصبحوا عرضة للتندر والاستهزاء, ومن هوان الدنيا على الله أن لا يجد المعلم المربي الملتزم الذي كله عطاء وخير القوت الكافي له ولعياله وبأبسط مستويات المعيشة ولا يملك ما يمكنه من الظهور بالمظهر اللائق به في المجتمع أو يقف طويلاً على الطريق ينتظر سيارات النقل العام ويتعرض للإهانات بسبب ذلك في حين يمر عليه أحد طلابه يركب سيارة من أحدث الموديلات وأرقاها من دون أن يعبأ به أو قد يتصدق عليه فيوصله وقد ملأ الأستاذ الشعور بالذل من رأسه إلى أخمص قدميه, وقد يأتي المدرس إلى المدرسة صباحاً وهو لا يجد طعام الفطور في بيته فيزاحم الطلبة على ما جلبوه من دورهم من الأطعمة أو يفتح المدرسون حانوتاً في المدرسة ويجبرون الطلبة على الشراء منه عسى أن يدر عليهم بعض الأرباح, حقاً أن هذه المناظر المؤلمة تنبىء عن هوان الدنيا على الله تبارك وتعالى كما في الحديث ((لو كانت الدنيا تعدل عند الله جناح بعوضة لما سقى منها كافراً شربة ماء))([68]) أقول أنا متفهم لكل ذلك وارجو أن يصل صوت الحوزة هذا إلى المسؤولين ليرفعوا من مستوى الدعم المادي والمعنوي للأساتذة عموما كما اهتموا بالقضاة وأصبحت رواتبهم الشهرية تتجاوز نصف مليون دينار حتى نعيد لهم هيبتهم وشخصيتهم ونمكنهم من أداء دورهم