المقدمة

 

يعود تاريخ الانتهاء من كتابة هذه الافكار إلى ليلة ميلاد الصديقة الطاهرة فاطمة الزهراء (عليها السلام) 20 جماد الثانية 1420 أي بعد استشهاد سيدنا الاستاذ الصدر الثاني (قدس سره) بعدة اشهر فقد شعرت بعد غيابه (قدس سره) عن ساحة العمل الاجتماعي وعدم نهوض احد بهذه الوظيفة الالهية بتعين الحاجة للقيام بهذه المسؤولية التي تشمل مساحة عريضة فاحد ساحاتها الحوزة العلمية وساحاتها الاخرى الاصلاح الاجتماعي والثالثة في مواجهة النظام الذي لم يعرف له نظير في الجريمة والبطش والقسوة وقد خرج تواً من جريمة شنيعة هي قتل السيد الشهيد الصدر الثاني (قدس سره) وولديه وهو نهم لقتل كل من يؤدي دوره ويواصل حمل رسالته ولكن ذلك كله لا يُقعد العاملين المخلصين باذن الله تعالى.

ولايماني العميق بان الاصلاح والعلاج لا يكون ناجحاً الا بعد تشخيص علل الخلل والفساد اما الاكتفاء بمعالجة الظواهر الفاسدة والمنحرفة التي هي معلولات ونتائج لتلك العلل فهذا علاج ناقص ومن هنا فكرت وتأملت ووضعت برنامجاً لعملي من دون ان اعلنه طبعاً لان الحديث عن مثل هذه الافكار تعني تجاوزاً كبيراً للخطوط الحمراء في منظور ذلك النظام المتوحش فكان الاحجى هو التنفيذ العملي لها والتدريجي بحسب ما تسنح الفرص.

وهذا الكتاب والذي يليه وهو (جامعة الصدر الدينية : الهوية والانجازات) يمثل بعض ما خططت له من عمل على صعيد النشاطات الحوزوية وقد تحقق الكثير منها بفضل الله تبارك وتعالى على يد الفضلاء والمثقفين والعاملين المخلصين.

واليوم وقد زال ذلك الكابوس امكن نشر تلك الافكار تباعاً لتقديمها بين يدي الساعين إلى الاصلاح والتغيير الايجابي، ولا شك ان هذه الفترة تسمح بنشاط اوسع وأهم مما كُتب في هذه الاوراق لزوال ظرف التقية الذي يظهر بوضوح على هذا البحث لانني كنت اخشى وقت كتابته من وقوعه في ايدي جلاوزة النظام لان دورنا كانت مهددة بالمداهمة في أي لحظة.

 

فلله وحده الحمد والثناء على ما انعم

وله الشكر على ما الهم

ونسأله الصدق والاخلاص والتوفيق

لما وفق له محمداً وآل محمداً

صلى الله عليهم اجمعين.

 

محمد اليعقوبي

النجف الاشرف

1 شوال 1424

 

الفصل الأول

 

حاجة الحوزة العلمية إلى التحديث

 

روي في الخصال (1) عن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) انه قال صنفان من امتي اذا صلحا صلحت امتي واذا فسدا فسدت امتي، قيل يا رسول الله ومن هما ؟ قال (صلى الله عليه وآله وسلم): الفقهاء والامراء.

والذي افهمه ان علاقة هذين الصنفين بفساد وصلاح المجتمع ليست بمرتبة واحدة من حيث العلية والمعلولية ففساد العلماء علّة لفساد المجتمع وفساد الامراء معلولة لفساد المجتمع فيكون فساد العلماء متقدماً برتبتين على فساد الامراء، وكذا صلاحهم طبعاً، لان الامراء حصيلة ونتاج المجتمع نفسه ولا يمكن لامير فاسد ان يبقى ويستمر اذا لم يكن المجتمع الذي يحكم فيه فاسداً والا كيف يتسنى للمجموعة الحاكمة القابعة في مركز الحكم كالامويين والعباسيين ان تبسط سلطتها على المجتمع بدون اذرعها المتعددة من الجلاوزة والعملاء والمأجورين وضعاف النفوس، وقوام هؤلاء هم افراد المجتمع نفسه ولا يستوردهم الحاكم من بلد آخر فلو كانوا صالحين لما بقي للامراء ذراع يصولون به، فتحصَّل من ذلك ان فساد العلماء هو سبب فساد المجتمع اما فساد الامراء فهو كاشف عن هذا الفساد لانه اثر من آثاره.

فمن اراد اصلاح الامراء وتغييرهم فليبدا بتغيير المجتمع ومن العبث والقاء النفس في التهلكة التفكير في الاول أي بالتزام المقاومة المسلحة ونحوها لتغيير انظمة الحكم من دون السعي لتحقيق الثاني اولاً، فان هذا وعد الله سبحانه: (إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِم) (2) فكما ان الله سبحانه لا يسلب قوماً نعمة حتى يرتدوا نحو الأسفل وينحرفوا عن الصراط المستقيم كذلك فانه عز وجل لا ينقل حال قومٍ نحو الأحسن حتى يعودوا إلى ربهم ويثوبوا إلى رشدهم (فَلَوْلا كَانَتْ قَرْيَةٌ آمَنَتْ فَنَفَعَهَا إِيمَانُهَا إِلَّا قَوْمَ يُونُسَ لَمَّا آمَنُوا كَشَفْنَا عَنْهُمْ عَذَابَ الْخِزْيِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَتَّعْنَاهُمْ إِلَى حِينٍ) (3) ولنا في سيرة الائمة المعصومين (عليهم السلام) خير شاهد فقد عاش الامام الصادق (عليه السلام) فترة ضعف الدولة الأموية وانهيارها وعرض الثائرون نصرتهم عليه والمناداة بأسمه لكنه ردّ قائد الثورة ابا مسلم الخرساني ببساطة: انك لست من اصحابي وهو لا يعني انك لست شيعياً جعفرياً وانما يعني ان هذا الرجل وبقية الامة لم تصل المستوى المطلوب من التربية الايمانية لكي تتقبل شريعة الله سبحانه وتحافظ عليها وتضحي من اجل بقائها حاكمة في المجتمع.

الم تسمع بالذنوب التي تديل الاعداء(4) أي الذنوب التي يؤدي حصولها في الأمة إلى تسلّط اشرارها واعدائها عليها ثم يدعون فلا يستجاب لهم فيكون زوال هؤلاء المتسلطين الاشرار بزوال تلك الذنوب وتطهير المجتمع منها.

وصلاح المجتمع وتغييره إنما يكون على يد علمائه فهم قادته وهداته ومرشدوه إلى الصواب والامناء على شريعة الله سبحانه والقيمون على تطبيقها لانهم ورثة الانبياء (عليهم السلام) وامتداد الأئمة (عليهم السلام) واليهم مفزع العباد بعد المعصومين (عليهم السلام) فلا تستطيع الامة لوحدها ان تلتمس الطريق إلى الله سبحانه من دون الادلاّء على طاعته، ومن هنا كان اصلاح المجتمع بصلاح الحوزة الشريفة وتحركها نحوه واحتضانه والشعور بهمومه وآماله وطموحاته والتفاعل معها بجدّية وعدم التقصير وان لا تأخذهم في الله لومة لائم. وقد جربنا التأثير الفعال والسريع لتحرك الحوزة نحو المجتمع وايصال صوتها اليه عبر القنوات المتاحة ولا سيما منبر صلاة الجمعة(5)، واذا كان ذلك من مسؤولية المرجعية فكيف يتسنى لها وحدها ذلك فلا بد من وجود حوزة صالحة واعية من ورائها تكون عينها التي تبصر ولسانها الذي ينطق ويدها التي تبطش وقلبها الذي ينبض بالحركة والحياة.

كما ان فساد المجتمع والعياذ بالله إنما هو بفساد علمائه الذي يمكن تصوره على شكلين:

الاول: التقصير في اداء المسؤوليات من ارشاد الامة وتوجيهها والامر بالمعروف والنهي عن المنكر الذي هو الضامن لسلامة الامة من الانحراف (كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ) (6) (وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ) (7) وقد انّبَ الله سبحانه العلماء على هذا التقصير بقوله (لَوْلا يَنْهَاهُمُ الرَّبَّانِيُّونَ وَالأَحْبَارُ عَنْ قَوْلِهِمُ الأِثْمَ وَأَكْلِهِمُ السُّحْتَ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَصْنَعُونَ) (8) وقد حذر القرآن الكريم من خطر ترك هذه الفريضة المهمة في مواضع عديدة نفرد لها بحثاً خاصاً ان شاء الله تعالى.

الثاني: انحراف رجال الدين المتصدين للمجتمع وتغير نواياهم واهدافهم من ربانية مخلصة إلى دنيوية محضة وحب الدنيا رأس كل خطيئة وباب المفاسد والشرور فيستشري الطمع والاثرة والحسد والبغضاء والخلاف والقطيعة والكيد والمكر وتنشأ هوَّة بعيدة بينهم وبين الامة فتضلّ الامة بضلالهم وقد قيل (اذا فسد العالِم فسد العالَم) وهذه هي الطامة الكبرى حين ينعدم الاخلاص فتنفصم العروة الوثقى وهي حبل الامداد والتوفيق الالهي. وقد اكد الائمة على اجتناب مثل هؤلاء ونبذهم وعزلهم فعن الامام الصادق (عليه السلام) (اذا رأيتم العالم محبّاً لدنياكم فاتهموه على دينكم، فان كل محب لشيء يحوط ما احب).

والنتيجة: انك اذا رأيت مجتمعاً صالحاً فاعلم ان من ورائه علماء صالحين واعين متحركين مخلصين وان رأيت مجتمعاً فاسداً فاعلم ان سبب ذلك خلّو علمائهم من واحدة أو اكثر من هذه الصفات أي الاخلاص والصلاح والوعي والعمل، بل هم ليسوا علماء حقيقة فان علامة العلماء خشية الله سبحانه (إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ) (9) ومن ثمرات ذلك التصدي للمسؤوليات الملقاة على عاتقهم باخلاص ففي الحديث: (الفقيه حق الفقيه من لم يقنط الناس من رحمة الله، ولم يؤمنهم من عذابه، ولم يرخّص لهم في معاصي الله) فلا يكفي في تكامل شخصية قائد الأمة الاكتفاء بدقة المعلومة واستقصاء المسائل العلمية وإن كان هذا عظيماً. وللمزيد راجع بحث (الفقه والفقيه في الكتاب والسنة)(10).

فكم من الصفات المذكورة تهتم بتربيتها الحوزة الشريفة في ظل نظامها الحالي، استطيع ان اقول ان فيها تقصيراً كبيراً من عدة جهات فهي تهتم باعطاء حشد من المعلومات النظرية الخاوية من الحس الروحي الذي يشدُّ إلى الله سبحانه ومن الحس الاجتماعي الذي اعني به كيفية التعامل مع الواقع المعاش ورفعه إلى مستوى التطبيق الكامل للشريعة لا الهبوط بالشريعة إلى مستوى الواقع وتكييفها وفق متطلباته.

وكل ذلك ناشئ من عدم وضوح وغفلة عن الهدف الحقيقي وكما نعلم فان الهدف هو الذي يرسم الطريق ويحدد معالمه لذا اهتمت الاحاديث الشريفة على خلوص النية وصلاحها وانها اساس العمل وانما الاعمال بالنيات فهدف طالب العمل ليس علمياً فقط بل هي رسالة عملية تكون امتداداً لرسالة الانبياء والائمة (عليهم السلام) فلا بد ان يؤهل الحوزوي لحمل هذه الامانة وادائها باحسن صورة لذا كان من الواجب ان تشمل التربية الحوزوية ثلاثة اتجاهات:

الأول: الاتجاه العلمي: ونعني به تزويد الطالب بكل العلوم المكونة لشخصيته العلمية وبالعمق والتدقيق بحسب ارقى ما وصل اليه الفن فيما يتصل بوظيفته التي ترتقي حتى تصل إلى القدرة على استنباط الحكم الشرعي من مصادره التفصيلية وهي ملكة الاجتهاد وكذا لتهيئة اساتذة اكفاء قادرين على ايصال المعلومات في مفردات المنهج الدراسي بشكل دقيق وجيد.

الثاني: الاتجاه الاخلاقي: فلا بد من تهذيب النفس والسعي إلى تكميلها بالفضائل وتطهيرها من الرذائل وتوطيد الصلة بالله تعالى ومراقبته في كل صغيرة وكبيرة ويكون ذلك قبل التصدي لاية مسؤولية اجتماعية لان المنصب والجاه والامتيازات الاخرى التي يتمتع بها علماء الدين من اقوى فخوخ الشيطان واصعب شراكه ولا قيمة لاي عمل مهما كان عظيماً في نفسه اذا لم يكن مخلصاً لله سبحانه ومقبولاً لديه ولنا في رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) اسوة حسنة فقد جاهد نفسه وتعبد لله ردحاً طويلاً برعاية الله سبحانه حتى بُعث بالنبوة ففي الحديث عن الصادق (عليه السلام) (ان الله عز وجل ادب نبيَّه فأحسن ادبه فلما اكمل له الادب قال: انك لعلى خلق عظيم، ثم فوض اليه امر الدين والامة ليسوس عباده، فقال عز وجل: (وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا)(11) وان رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) كان مسدّداً موفَّقاً مؤيداً بروح القدس، لا يزلُّ ولا يُخطئ في شيء مما يسوس به الخلق)(12) وقال (عليه السلام) في حديث آخر فما فوض الله رسول (صلى الله عليه وآله وسلم) فقد فوضه الينا(13).

واعلم ان الخروج إلى المجتمع قبل تحصيل السيطرة على النفس الامارة بالسوء والاخذ بعنانها وبما يتضمنه هذا الظهور من مزالق كحب الجاه والتعالي على الاخرين والعجب والرياء والكبر والحسد والمكر سيجعل الانسان فريسة سهلة للشيطان وللنفس الامارة بالسوء وعندئذٍ يخسر المبطلون وان صوّر له انه يعمل لله سبحانه وسيقع اجره عليه تعالى بل ربما منَّ على الله نبارك وتعالى باعماله (قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالأَخْسَرِينَ أَعْمَالاً، الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعـــاً) (14).

الثالث: الاتجاه الاجتماعي والحركي: فلا بد من خلق الوعي لدى الحوزة بمشاكل الأمة والتحديات التي تواجهها والمؤمرات والدسائس التي تعصف به تحت شتى العناوين واسلوب مواجهتها وتحصين الامة من الوقوع فيها وتنبيهه إلى اعدائه الحقيقين والتحرك نحو المجتمع لا الانعزال عنه وارشاده وتوجيهه باستغلال كل القنوات المتاحة لذلك كالكتب والمنبر الحسيني والخطب والمحاضرات والندوات واللقاءات.

واستطيع القول باسف ان النقص والتقصير حاصلان في جميع هذه الاتجاهات: اما الثاني والثالث فليسا من مفردات المنهج الدراسي المتداول واما الاول فلا نبخس علمائنا حقهم اذ نقول ان الرقي والازدهار العلمي تواصل على ايدي المحققين بما يرفع رؤوسهم ويجعلهم في القمة لكن ذلك لا يعني عدم وجود ثغرات ونقائص تحتاج إلى اصلاح.

وليست الحاجة إلى التطوير والاصلاح مقتصرة على هذه الجوانب بل لها موارد اخرى.

ولا شك ان هذه الاشارات العابرة لا تكفي لبيان مواضع الداء الذي هو الخطوة الاهم لتحقيق العلاج وتشخيص الدواء فنحتاج مزيداً من الايضاح وسيكون الكلام مصنَّفا في عدة جهات:

 

الجهة الاولى

المواد العلمية ومناهج الدراسة

 

أولاً: في مناهج الدراسة المتداولة ويلاحظ فيها عدة نقاط:

أ- قِدَم المناهج الدراسية حيث تتضمن كثيراً من الافكار البالية التي كُتِبت لتعالج قضايا في وقتها لم يعد لها وجود بعد ان نضجت العلوم وتقدمت، لاحظ كمثال بعض المطالب في كتاب المعالم والكفاية ومناقشات الرسائل مع الاخباريين وشرح الباب الحادي عشر.

ب- عدم استساغة الصياغة واسلوب العرض ككتاب الكفاية الذي تضيع افكاره بسبب التركيز على فك رموزه وعبارته الغامضة.

جـ- ان مطالبها غير مرتبة ترتيباً فنياً دقيقاً تنتشر فيه المطالب وتتوزع على ابواب غير مناسبة لها أو لا يتوقع وجودها فيها، قارن كمثال ترتيب كتاب أصول الفقه للمظفر (رحمه الله) مع غيره ويزيدها تشويشاً كثرة الاستطرادات المطولة التي ينافي وجودها البحث العلمي الرصين ويجب ادراج كل بحث في محله.

د- انها غير متدرجة في مستوى عرض المعلومات بحسب مراحل الدراسة وسببه واضح فان مؤلفيها لم يكونوا ضمن لجنة لوضع المناهج الدراسية بل ألفوا كتبهم لغاية البحث العلمي ولمناقشة نظرائهم من المحققين أو من يفترضونه كذلك ولم يكونوا ينظرون إلى ان الذي امامهم هو طالب في مرحلة علمية معينة يريد تلقي ذلك العلم، فيدرس الطالب بادئ ذي بدء في الفقه الرسالة العملية وهي خلاصة آخر ما توصل اليه الفكر الاستدلالي ويقرأ في أصول المظفر التي هي أقل من الكفاية اراء اعمق وادق من الكفاية لانها تمثل آراء المحققين بعد الآخوند الذين تقدموا بالعلم خطوات عظيمة كالنائيني والاصفهاني والعراقي.

وبسبب عدم التدرج العلمي فان كثيراً من المطالب يصطدم بها الطالب لاول مرة حين مرورها عليه في البحث الخارج الذي يمثل ارقى ما وصل اليه التفكير ولم يكن قد اخذ ولو فكرة بسيطة عنها.

هـ- دخول مطالب علمية زائدة على اصل العلم وكان الداعي لها بعض مراحل الترف الفكري واظهار المقدرة الشخصية في اتجاه معين ثم اصبحت من مسائل ذلك العلم وعلى كل اللاحقين عرضها ومناقشتها وتوسيعها مما يزيد المشكلة كدخول بحوث فلسفية وكلامية كثيرة في علم الاصول(15) والمفروض مناقشتها في كتب مستقلة واستثمار نتائجها في هذا العلم أو غيره كما هو شأن العلاقة بين العلوم حيث لا يناقش في علم تفاصيل علم آخر وانما يستفاد من نتائجه كمبادئ تصورية أو تصديقية في العلم الآخر كما توصلنا بالرياضيات إلى نتائج فقهية واصولية مهمة لكن لا حاجة إلى اقحام التفاصيل الرياضية في هذين العلمين بل يبقى لكل علم مجاله الخاص به.

وتعالج هذه المشاكل بتاليف مناهج دراسية تحت اشراف اساتذة اكفاء لهم خبرة وممارسة في التدريس وقدرة على مراعاة التسلسل الفكري للطالب ويكون كل منهج على ثلاث مراحل وبثلاثة مستويات: ابتدائي ومتوسط وعالي، ويراعى فيه اسلوب صياغة معاصرة وحذف للبحوث الزائدة ورفده باساسيات المطالب العالية وتكون معلوماتها مترتبة ترتيباً فنياً، ويمكن ان تكون الحلقات الثلاث (دروس في علم الاصول) نموذجاً لهذه التجربة يحذو حذوها الفضلاء والاساتذة في بقية العلوم خصوصا الفقه والفلسفة والعقائد والنحو.

و- إهمال دروس اساسية في تكوين شخصية العالم الديني العلمية والاجتماعية كالتاريخ والعقائد والرجال والفلسفة وعلوم القرآن والحديث ولا أظن ان احدا يناقش في اهمية هذه العلوم فالعقيدة الراسخة هي راس مال المسلم واساس حياته وما عُبد الله بشيء كالمعرفة به واول الدين معرفته وهي أصول الدين والفقه الذي ندرسه فرعه وقد عاش رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) في مكة ثلاث عشرة سنة كان جل همه ارساء العقائد الحقة بالله وانبيائه ورسله واليوم الآخر ولم تتكثف التشريعات إلا في المدينة بعد الفراغ من تكوين المسلم العقائدي الراسخ فجاء التطبيق والامتثال بيسر وسهولة وما احوجنا اليوم إلى ترميم هذا البناء وتشييد ما تداعى منه ورد الشبهات الموجهة الينا من كل جهة.

واما التاريخ فله الاثر البالغ في تعزيز الايمان بكثير من العقائد المرتبطة بتلك الاحداث المهمة في صدر الاسلام وما بعده كما ان الالمام بالتاريخ يعطينا المواعظ والعبر ويؤمننا من المزالق التي يسقط بها غيرنا وتقدم لنا الدروس النافعة والسير الخالدة للتأسي بها ولا حاجة أزيد من هذا لبيان اهمية الدروس الاخرى ومدخليتها في تكميل الشخصية العلمية للطالب الحوزوي. فينبغي اعادتها بالصيغ المناسبة وبحسب المراحل الدراسية وتوجد كتب تصلح كمناهج دراسية حديثة وقد اطلعتُ على جهود مشكورة لجماعة المدرسين في الحوزة العلمية الشريفة في قم المقدسة في هذا المجال.

ثانياُ: الجانب الاخلاقي: وهو جانب مهم اولته الشريعة كل اهتمام. بل جاء في الحديث (إنما بعثت لاتمم مكارم الاخلاق) وقد سمي العمل على تطهير النفس من ادرانها وتهذيبها وتحليلتها بالفضائل بـ(الجهاد الاكبر) في النصوص الشريفة، وهو واجب عيني ان كان طالب العلوم الاخرى -بما فيها الفقه- كفائياً، وكان السلف يقرن العلم بالعمل تبعاً للحديث الشريف (العلم مقرون إلى العمل فمن علم عمل ومن عمل علم والعلم يهتف بالعمل فإن اجابه وإلاّ ارتحل عنه)(16) وفي حديث آخر (العلماء رجلان: رجل عالم أخذ بعلمه فهو ناجٍ، وعالم تارك لعلمه فهو هالك وإن اشد اهل النار ندامة وحسرة رجل دعا عبداً إلى الله فاستجاب له وقبل منه فاطاع الله فادخله الله الجنة وادخل الداعي النار بتركه علمه واتباعه الهوى وطول الامل، اما اتباع الهوى فيصد عن الحق وطول الامل ينسي الآخرة). والعلم لا يسوى شيئاً بلا عمل وتطبيق بل يكون وبالا على صاحبه وحجة عليه وحجاباً على قلبه، وما هذه المفاسد التي تحصل كالخلاف والبغضاء وتبادل الاتهامات والتمزق إلا نتيجة النفس الامارة بالسوء وعدم الامساك بقيادها، والا لو كان الجميع مخلصين لله سبحانه وهدفهم واحد هو رضا الله سبحانه. لتآخوا ولتحابوا ولشكر بعضهم بعضاً على معاونته إياه في هذا الطريق. اترى لو ان جميع انبياء الله سبحانه -وهم مئة واربعة وعشرون الفاً- جمعوا في مكان واحد وزمان واحد ماذا ستكون العلاقة بينهم؟ هل الشجار والخلاف؟ طبعاً لا لانهم مخلصون ومتآخون فيه فما اختلافنا اذن الا من اجل دنيا زائلة أو عناوين زائفة كحب الجاه أو حفنة من الاموال تذهب لذتها وتبقى تبعتها، وقد يتدخل الشيطان بمكره فيوهم كل طرف انه على الحق ويصور له من واهمته مبررات مشروعة يقنع بها نفسه ويسير وراءها ولا يزداد عن الحق إلا بعداً. ولو انصف الناس من نفسه ونظر بعينين مفتوحتين لا بعين واحدة هي عين اهوائه لرأى الحق واضحاً.

وتجد اهم شرط بيّنه المعصومون في العالم الواجب اتباعه انه المطيع لامر مولاه وصائن لنفسه عن الهوى، والا كيف يهدي غيره ويصلح غيره وهو بعد لم يحققهما في نفسه (أَفَمَنْ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ أَحَقُّ أَنْ يُتَّبَعَ أَمَّنْ لا يَهِدِّي إِلا أَنْ يُهْدَى فَمَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُون) (17).

وينبغي الالتفات إلى ان الشخص كلما تعاظمت مسؤليته وجب ان تكون درجة تكامله بمقدارها وامامة الامة مرتبة سامية تفوق النبوة حسب ما يستفاد من الاية الشريفة (وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَاماً)(18) وفي الحديث ان الله تعالى اتخذ ابراهيم عبداً ثم نبياً ثم رسولاً ثم ابتلاهُ بعدة ابتلاءات فاتمهن وحينئذ قال له اني جاعلك للناس إماماً. والعلماء هم أئمة بالحمل الشايع أي انهم متصدون لمسؤلية الإمام. وفي الحديث عن الصادق (عليه السلام) عن ابيه (عليه السلام) قال: إن الإمامة لا تصلح إلا لرجل فيه ثلاثة خصال: ورع يحجزه عن المحارم وحلم يملك به غضبه، وحسن الخلافة على من وُلِّي حتى يكون له كالوالد الرحيم)(19)  وعلم الاخلاق كغيره من العلوم -ان لم يكن اولى- باحتياجه إلى المعلم العارف بامراض النفس ومسالك انحرافها وعلاج كل منها ويعرف العلامات والاختبارات لتشخيص الداء فيصف الدواء لكل أحد بما يناسبه من غير افراط ولا تفريط. وكان العلماء السابقون لا يستنكفون من الحضور في دروس الاخلاقيين الناجحين رغم سمو مرتبتهم العلمية فقد كان للشيخ الانصاري العظيم مرب خاصٍ وكان المجتهدون يحضرون دروس الشيخ جعفر الشوشتري والشيخ حسين قلي الهمداني قدس الله اسرارهم جميعاً للوعظ والارشاد واحياء القلوب وتهذيب النفوس وتكميلها. وكانوا يراقبون انفسهم ولا يسيرون وراء شهواتهم ومطامعهم ، وسير العلماء طافحة بالشواهد على ذلك فالشيخ الانصاري رغم وصية استاذه صاحب الجواهر بالرجوع إليه الا انه رفض قائلاً انه كان معي ايام التلمذة من هو اعلم مني وهو سعيد العلماء فراسله وطلب منه التصدي للمرجعية لكن الاخير اخبره ان ذلك كان ايام الدراسة اما بعد انفصاله عن النجف وبقاء الشيخ فيها فان التفوق العلمي اصبح للشيخ وعندئذ قبل الانصاري العظيم المرجعية بعد ان لاذ بضريح امير المؤمنين (عليه السلام) متوسلاً إلى الله ان يسدده ويؤيده ويعصمه(20).

وكان المرحوم الشيخ زين العابدين المازندراني يقترض ليساعد الناس وعندما دنت منه الوفاة كان جلُّ همه انه كيف سيجيب اذا ساله الامام صاحب العصر (عليه السلام) انك لماذا لم تستخدم الجاه الذي اعطيناك اياه لتقترض وتقضي المزيد من حوائج الناس(21).

اما زهدهم وتقواهم وورعهم وتواضعهم وصفاء نفوسهم وطيبة قلوبهم ونقاء سريرتهم وحبهم للناس وقوة ايمانهم وشدتهم في امر الله سبحانه وشجاعتهم في تطبيق احكام الله سبحانه وعدم سكوتهم عن الباطل فالروايات والقصص المحكية عنها تملأ مجلدات كثيرة(22)، وقبل هذا كله سيرة اهل البيت (عليه السلام) الذين هم سادة السادة وقادة القادة.

ثالثاً: في الوعي الاجتماعي: ومن الواضح ضعف الوعي الاجتماعي والحركي لدى الخط المشهور من العلماء، ومن يسير فيه فانه تكال له التهم رغم اليقين بان الاسلام ليس مقتصراً على العبادات الفردية وتنظيم علاقة الفرد بخالقه بل هو نظام اجتماعي متكامل لا يبلغ منتهى غايته إلا بتطبيقه في جميع شؤون الحياة والعلماء هم القيمون على الشريعة الحاملون لرسالتها الساعون لتطبيقها بشكل كامل فانها كلٌ متكامل لا تتحقق اغراضه كامله الا بالتطبيق الشامل خصوصاً وان الاحكام الاجتماعية (أو ما تسمى بالمعاملات) اضعاف احكام العبادات ومراجعة بسيطة لكتاب فقهي كشرح اللمعة تجد ان جزئين منه في العبادات وثمانية في المعاملات.

فلا ينبغي للفقيه ان يفهم دوره كمفتي ينتظر من يسأله عن مشكلة ما فيعطيه حلها أو يكتب رسالة عملية قلَّ من يفهمها بل يجب عليه ان يعرف انه قائد تنتظر منه الأمة الكثير وهي تلتف حوله وتتفانى في حبه بمقدار ما يؤدي من هذا الدور لا من الدور الأول مهما كان ثقله وعليه ان يتحرك نحو المجتمع ولا ينتظر ان يتحرك المجتمع اليه ويقصده وربما استدل لذلك بقوله تعالى: (لِيَنْفِرُوا كَافَّةً فَلَوْلا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ)(23) فهم الذين يبدأون قومهم بالانذار وتبليغ الرسالة ويصف امير المؤمنين (عليه السلام) رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) بانه (طبيب دوار بطبه) وليس يجلس في بيته ينتظر مجيئ المرضى المصابين بالرذائل الخلقية والمعاصي والبعد عن الله تبارك وتعالى وشريعته المباركة.

ان المجتمع قد اعطانا كل ما عنده من الجاه والمال والتقديس والتفاني في الخدمة فيجب ان نعطيه كل ما عندنا وان كنا نأخذ أكثر من حقِّنا ونعطي الآخرين أقل من حقّهم فنحن مصداق واضح للمطففين الذين اذا اكتالوا على الناس يستوفون واذا كالوهم أو وزنوهم يخسرون فويل لنا اذن واولئك ... ...) وفي الرواية ان الامام الحسين (عليه السلام) كان يحج إلى بيت الله الحرام بعيداً عن الطريق العام الذي يسلكه الناس فقيل له في ذلك قال(عليه السلام): اخشى ان أأخذ من رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) اكثر مما اعطيه، باعتبار ان سلوكه الطريق العام سيؤدي إلى التفاف الناس حوله فهذا يقبل يديه وذاك يمسح بثيابه وآخر يأخذ ماء وضوئه لانه ابن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) فيخشى الامام (عليه السلام) ان يكون عطاؤه للامة اقل من هذا التكريم الذي يحظى به منها.

ان العلماء هم حراس الأمة وبتعبير الحديث (امناء الرسل وحفاظ الشريعة) فبقدر ما يكونوا يقظين تكون الامة في امان واذا ناموا احتوشتها اللصوص وعاثوا فيها فساداً وسرقوا منها الاهم من المال وهو دينها وعقيدتها وشرفها وعزتها وجعلوا اعزة اهلها اذلة.

ويمكن ان يستفاد من عدة كتب في هذا المجال لعل اهمها كتاب (في ظلال القرآن) حتى تنتخب منه مقاطع مناسبة كما يمكن ان يستفاد من درس التاريخ حيث تعرض المواقف والعبر والدروس المستفادة من سير المعصومين (عليهم السلام) في تربيتهم للأمة وتنظيم شؤونها وعلاقتهم مع الحكام والاساليب المختلفة التي سلكوها في هذه المجالات ومن مصادر ذلك (تاريخ الغيبة الصغرى والكبرى وسيرة الأئمة الاثنى عشر) ومن المناسب جعل كتابنا (دور الأئمة في الحياة الاسلامية) منهجاً مقرراً مع مراعاة بعض المصادر الأخرى مما ذكرنا وغيرها.

كما ان من الضروري اضافة درس بعنوان (شبهات وردود) يتكفل بالدفاع عن الاسلام والمذهب ضد ما يوجه اليه من اتهامات وشبهات واباطيل وتحصين الامة ضدها وتمكينها من الادوات التي تدافع بها عن عقيدتها فان الدعوات الضالة لا تنتشر الا في مواطن الجهل وحملات التشكيك لا تجد لها مكاناً الا في العقول الفارغة.

رابعاً: ومن المؤسف حقاً غياب القرآن الكريم عن الدروس الحوزوية فقد نُظمت بشكل لا يحتاج فيه الطالب إلى القرآن الكريم من أول تحصيله إلى نهايته ولا يمر به ولا سيما في الفقه والأصول وربما يبلغ مرتبة عالية في العلم وهو لا يحفظ مقداراً معتداً به من القرآن الكريم بشكل مضبوط مما ادى إلى اهماله وقلة الاهتمام به وقد تمر الايام والاسابيع ولا تجد طالب العلم يمسك المصحف الشريف ليتلو آياته ويتدبر فيها وهذه مصيبة عظيمة للحوزة والمجتمع فان الأمة لا تكون بخير الا اذا تمسكت بقرآنها واهتدت بهديه واستضاءت بنوره(24) وهو حبل الله الممدود إلى عباده لكنه عاد غريباً في المجتمع لا يُتلى الا في مجالس التعزية وعلى القبور من غير ان يُنصِت اليه أحد.

فتقع المسؤولية على الحوزة أولاً لاخراج القرآن من عزلته واعادته إلى الحياة إماماً وهادياً ورائداً للتغيير في النفس والمجتمع، وتجد تفاصيل ذلك في محاضرات كتبناها لهذا الغرض والقيت وطبعت بعنوان (شكوى القرآن).

خامساً: الاستفادة من العلوم العصرية كالرياضيات والفيزياء والكيمياء والفلك والطب في الاستنباط الفقهي، فان العلوم ترتبط ببعضها ارتباطاً وثيقاً بحيث يتطلب التخصص في علمٍ ما الاحاطة -بما يناسب- بمجموعة من العلوم الأخرى تؤخذ فيه على نحو المبادئ التصورية أو التصديقية.

وعلم الفقه احد صغريات هذه القاعدة فلا بد ان يحتاج الفقيه لكي يبدع في اختصاصه إلى الالمام علوم عديدة.

ولم تكن هذه الفكرة غائبة عن اذهان الاجيال المتقدمة من فقهائنا حيث كان أحدهم يأخذ قسطاً وافراً من تلك العلوم وقد يكون بارعاً فيها كالشيخ البهائي والخواجة نصير الدين الطوسي والشهيد الثاني الذي اودع كتابه (شرح اللمعة الدمشقية) افكاراً ونظريات في مختلف العلوم تجدها مبثوثة فيه طي المسائل الفقهية، وينقل عن المجدد الشيرازي انه أنشِأت برعايته في سامراء مدارس تُدرَّس فيها علوم الرياضيات والاجتماع والطب واللغات الحية واستعين في تدريسها بخريجي جامعات معروفة في العالم(25).

لكن العجب لا ينقضي من عزوف الاجيال الحاضرة عن ذلك برغم ازدياد الحاجة اليها، فكيف يتسنى للفقيه ان يستنبط الحكم في أي مسألة وهو لا يحيط علماً بموضوعها وقد قالوا (ان فهم السؤال نصف الجواب) فلا غرو ان تجدهم برغم العمق والتدقيق والابداع الذي وصلوا اليه واوصلوا به علمي الفقه والأصول إلى القمة السامقة، الا انهم لم يكونوا بالمستوى المطلوب في تلك الجوانب العلمية المكتنفة للمسألة، ولعل عذرهم واحد أو أكثر من الأمور التالية وكلها قابلة للمناقشة:

1- قصور الانسان عن استيعاب كل ذلك خصوصاً بعد ان تعقدت العلوم وتوسعت وتفرعت، ولكن ما لا يدرك كله لا يترك كله، ونحن لا نريد الا معرفة مواضع الحاجة وما هو دخيل في الاستنباط.

2- الاكتفاء بالتحصيل الاكاديمي للطالب -واغلب الطلبة اليوم هم من خريجي الجامعات والمعاهد الفنية- لكن هذا وان كان صحيحاً في الجملة الا انه ليس متوفراً دائماً وما توفر منه أي ما تلقاه الطالب في دراسته الجامعية لم يعرض بلحاظ العلاقة مع علم الفقه وانما بشكل عام وصرف فلا يستفيد منه الطالب الحوزوي بشكل واضح الا ان توضع له مناهج تبين له نقاط الارتباط بين الفقه وتلك العلوم كما فعلناه في كتاب (الرياضيات للفقيه) وكتاب (القول الفصل) الذي وظف الكيمياء لخدمة الاستنباط الفقهي.

3- امكان تحويل ذلك إلى لجان علمية متخصصة وهو ما لا غنى عنه لكن تلك اللجان التي يفترض انها اكاديمية ليس لها نصيب وافر من التحصيل الحوزوي لا تعرف ما هو دخيل في ملاك الحكم الشرعي وانما تبقى الكلمة الأخيرة والقول الفصل بيد الفقيه نفسه فلا بد من توفر الحد الادنى من تلك العلوم لديه.

وليست فائدة التزاوج بين الفقه والعلوم الأخرى منحصرة بفهم موضوع المسألة من كل جوانبه بل له ثمرة أخرى وهو ما يسمونه بتأسيس الأصل في المسألة حيث يصار اليه في غياب الدليل التعبدي الشرعي لان هذه النتائج العلمية -اذا حصل الاطمئنان بها- يمكن ان تكون دليلاً امارياً مقدماً على الأصول العملية عند الشك في الحكم بسبب غياب الدليل أو تعارضه أو إجماله وكم من مسألة حسم النزاع فيها بفضل النتائج العلمية الدقيقة كمسألة ان شهر رمضان كامل لا ينقص ابداً(26).

وتبقى هناك فوائد أخرى:

أ- انه يمكن بواسطة العلوم الحديثة اكتشاف الكثير من اسرار التشريع وحكمه ومصالحه مما يساعد على تثبيت الايمان في نفوس شريحة معتدٍ بها في المجتمع وهي تلك التي تؤمن بالنتائج العلمية، وقد كتب مجموعة من الكتاب والمفكرين في (الاسلام والطب الحديث) أو (التكامل في الاسلام) أو (الهيئة والاسلام) وغيرها.

ب- امكان تحصيل نتائج ومعلومات فقهية لا يستطيع الفقيه المجرد من هذه العلوم تحصيلها والتوصل اليها ويمكن الاطلاع على عدد منها توصلنا اليها بالعمليات الرياضية في كتاب (الرياضيات للفقيه) الذي فتحنا به باب هذه النهضة العلمية المباركة ونأمل ان يأتي اليوم الذي نرى فيه كتاباً ناضجاً بعنوان (الفيزياء للفقيه)، (الطب للفقيه)، الفلك للفقيه)، (الكيمياء للفقيه) ونحوها.

جـ- ان العالم الديني الذي يملك هذه الادوات المتعددة من العلوم يكون تأثيره في المجتمع أكبر وفهمه للواقع المعاش أوسع ورؤيته انضج كما ان تلقي الناس منه واقبالهم عليه يكون أفضل حينما يعلمون شهادته العلمية أو يرون من تطعيم احاديثه الدينية بافكار ونظريات علمية وهو سر نجاح عدد من الخطباء المرموقين.

د- انه وان كان من الصحيح في الجملة ان الفقيه غير مسؤول عن تشخيص الموضوعات وتطبيق الاحكام على صغرياتها الا انه قد يكون من الضروري تدخله في ذلك من جهة اهمية المسألة وضرورة وحدة القرار فيها وهذا يحتاج إلى المام واسع بالعلوم التي تشخص الموضوعات وبالاوضاع الاقتصادية والاجتماعية والسياسية والبيئية للمجتمع ففي مسألة الدخان التي حكم بها المجدد الشيرازي (قدس سره) وقطع يد الانكليز من التصرف في شؤون ايران كان يمكنه ان يذكر الفتوى بشكل عام كما هو شأن المسائل الفقهية بأن يقول: اذا كان كذا فالحكم كذا والا فلا، ويترك امر التطبيق على الصغريات بيد المكلفين حسب فهمهم واهوائهم فتحصل فوضى وتشتت ويذوب الغرض المهم لذا تدخل بنفسه لتحديد الصغرى وجزم بحرمة الدخان.

ويلاحظ هنا ان المناهج المقررة لهذه الدروس يتوخى فيها أمران:

1- الاطلاع على اساسيات العلم ومعلوماته العامة التي تشكل ثقافة علمية.

2- استقصاء المسائل الفقهية المرتبطة بذلك العلم وبيان الحيثيات العلمية لتلك المسألة.

ويمكن ان تبدأ على شكل محاضرات تنضج باستمرار حتى تصبح كتاباً منهجياً.

وتصنف الدروس العلمية على مستويين:

الأول: ما يعطى بشكل متكامل نسبياً كالرياضيات واللغات الاجنبية حيث تستمر سنتين أو أكثر.

الثاني: ما يعطى على نحو الثقافة العامة مع تطبيقات فقهية لذلك العلم كالفلك والجغرافية والطب والفيزياء وغيرها مما هو مثبت في المنهج الدراسي.

وبعض هذه الدروس يستحق ان يكون سنوياً وبعضها نصف السنوي تبعاً لقوة وشيجته بالفقه وكثرة تطبيقاته، ويقوم بتدريس هذه العلوم اساتذة متخصصون من داخل الحوزة العلمية ومن خارجها وان كان الأول أولى لانه أعلم بمواضع الحاجة و(أهل الدار ادرى بالذي فيه).

ويمكن للدروس نصف السنوية ان تعطى باحدى صيغتين اما بعدد قليل من المحاضرات في الاسبوع كواحدة أو اثنتين ويستمر سنة كاملة أو بعدد أكبر كثلاثة أو اربعة اسبوعياً ويستمر نصف سنة والصيغة الثانية أولى لتقليل عدد المواد الدراسية على الطالب ولانه المناسب مع وضع المدرسين الحوزويين.

سادساً: الاهتمام بالادب العربي وعقد الندوات والمباريات الادبية وتكريم الادباء الواعين المتميزين والاعتناء بهم وصقل المواهب الأدبية، فان القرآن نزل بلسان عربي مبين، والسنة الشريفة القيت كذلك فلا يتوصل إلى فهمهما واستيعاب ما فيهما من اسرار ونكات الا من كان له ذوق ادبي رفيع وسليقة مستقيمة وقد جاء في الحديث (لا يكون الرجل منكم فقيهاً حتى يعرف معاريض كلامنا)(27)، وقد كان كثير من علمائنا على مستوى رفيع في نظم الشعر وتذوقه ولهم اساليب بلاغية راقية ولكن مما يؤسف له كساد سوق الادب في مجتمع اليوم بمن فيهم الحوزة الشريفة فلا تجد متذوقاً له ومهتماً به وقلة من يتعاطونه نظماً.

ويجب ان يكون الشعر هادفاً وخادماً للاغراض الحقيقية ويتحقق ذلك بتحديد محاور النظم للشعراء بحيث لا يتجاوزونها ويعقد لهم منبر اسبوعي يعرضون فيه نتاجاتهم أو تخصص الجلسة لواحد من الشعراء الكبار ليقدم نماذج من شعره وبين هذا وهذا يقوم الحضور أو لجنة مختصة بتوجيه النقد البناء لكي تتضح القابلية وتتكامل.

سابعاً: إنشاء الفقه المتخصص:

لم يعد التخصص في مجموع العلم كافياً للابداع فيه بكل فروعه لتشعب هذه الفروع واتساعها عرضاً وعمقاً لذلك نشأت التخصصات المتعددة في العلم الواحد فلا يكفي الطبيب ان يتخرج من كلية الطب وانما عليه ان يختص باحد فروعه ويتعمق فيه وقد يتطلب الأمر التخصص بشعبة من شعب هذا الفرع ففي كلية الهندسة -مثلاً- اقسام هي المدنية والمعمارية والكهربائية والميكانيكية وهكذا، وفي المدنية نفسها فروع: هندسة الطرق والجسور وهندسة المطارات وهندسة السدود وهندسة المنشآت الخرسانية والحديدية وهكذا. وفي الطب يُنقل ان احداً سأل طبيباً عن اختصاصه فقال في الانف، فسأله في أي المنخرين.

والفقه كبقية العلوم لا بد من التخصص في احد فروعه والتركيز عليه ليحصل الابداع والتطور والا فانه سيبقى على ما هو عليه لذلك ترانا نجتر مسائل مضى عليها قرون ولم نستطع اغناء الفقه بمسائل مبتكرة الا في حدود ضيقة وهذه الفكرة وإن املتها الحاجة الا انها مستقاة ايضاً من سيرة المعصومين (عليهم السلام) فيروي بشر بن سليمان الذي شَرّفه الامام الهادي (عليه السلام) بشراء نرجس ام الامام المهدي (عليه السلام) يقول: (كان مولانا ابو الحسن الهادي (عليه السلام) فقهني في علم الرقيق فاجتنبت بذلك الشبهات حتى كملت معرفتي فيه وأحسنت الفرق بين الحلال والحرام)(28) فمن الضروري ان نعمل لاجل اليوم الذي نجد فيه (الفقه السياسي) و(الفقه الاقتصادي) و(الفقه الجنائي) و(الفقه الاجتماعي) إلى جنب (الفقه العبادي) ويندرج ضمن هذا المجال ما انجزه سيدنا الاستاذ (قدس سره) من (فقه العشائر) و(فقه الفضاء)، وستكون المرجعية عندئذ بيد مجموعة من العلماء المتخصصين وللمزيد راجع بحثنا (الاجتهاد بين التجزي والاختصاص).

فان قلت: يلزم على هذا التزام المجتهد بما لا يقتنع به لو افاده المختص وهو لا يرى صحة دليله.

قلنا: إن هذا ناشئ من عدم وضوح المساحة التي يتحرك فيها المجتهد أي اختصاصه وجوابه باختصار ان الاحكام على نوعين: عامة وفردية:

والأولى: هي مورد اعمال الولاية واصدار القرار العام ودليلها وهو حفظ النظام حاكم على كل الادلة الأخرى فيجب على المجتهد الالتزام به ولو خالف فتواه لحكومة ذلك الدليل على دليله المستند إلى القواعد الاصولية المتعارفة(29).

اما الثانية: فلكل الالتزام به بحسب ما يتوصل اليه اجتهاده.

ثامناً: تعليم مبادئ اللغات الحية كالفارسية والانكليزية فانها ضرورية لكي يقوم العالم الديني بوظيفته التبليغية أحسن قيام وينقل عن المرحوم البلاغي صاحب تفسير (آلاء الرحمن) انه كان يجيد الفارسية والانكليزية والعبرية حيث تعلم الاخيرة من يهود سامراء حيث هاجر اليها مع استاذه الشيخ محمد تقي الشيرازي، لكي يطلع على ثقافتهم ويرد عليها ويدافع عن الاسلام.

ومن المؤسف ان يحرم الانسان من تراث امة وتبقى امامه كتاباً مغلقاً لا لشيء الا لانه لا يعرف مفتاح كنوزها وهي اللغة.

وقد علمت ان هذه الفكرة ليست جديدة فقد اسس المجدد الشيرازي في سامراء مدارس لتعليم اللغات الحية باشراف اساتذة جامعيين.

 

الجهة الثانية

 النظام الاداري

 

تفتقر الحوزة إلى هيئة تشرف على ادارة شؤونها المختلفة وتتمثل بعدة اتجاهات:

الاتجاه الأول: مواعيد الدراسة والعطل:

فلا توجد في الحوزة مواعيد محددة لبدء الدراسة وانتهائها ولا لالتحاق الطلبة بدروسهم بل المسألة مفتوحة على مدار السنة فيلتحق الطالب متى شاء بالدرس سواء كان الاستاذ في أول الكتاب أو آخره وقد ينتظر مدة طويلة بلا درس حتى يتسنى له الحصول على الدرس المناسب، فلا بد من تحديد مواعيد الدراسة والعطل على طول العام وموعد افتتاح العام الدراسي ويكون قبول الطلبة بفترة مناسبة قبل افتتاح العام الدراسي لتنظيم دروسهم، هذا بالنسبة للمرحلة الأولى، ويستمر النظام لبقية المراحل التي تتوزع على عدد من السنين بحسب المناهج المقررة وتحدد مرحلة الطالب باشراف لجنة معينة وتُقِّيم مستواه.

الاتجاه الثاني: الامتحانات وتقييم الطلبة:

 لا تطبق الحوزة نظاماً لمعرفة مستويات الطلبة ودرجة استيعابهم للدروس وقابلياتهم على التدريس وكان الطالب ووقته الثمين هو الضحية.

والاعتبارات المتبعة كلها مغلوطة أو ناقصة، فالمفروض وجود لجنة لتقييم الطلبة باجراء المقابلات الشخصية معهم والامتحانات الموزعة على طول العام الدراسي ولا أقل امتحانين في نصف السنة ونهايتها حيث تظهر لها عدة منافع:

1- تقييم الطلبة ومعرفة مستوياتهم واكتشاف قابلياتهم.

2- تقييم الاساتذة لمنهجهم ومدى انتفاع الطلبة به.

3- انها فرصة للمراجعة فان التحدي يخلق فرصة لزيادة الهمة واستفراغ الوسع والامتحان يمثل تحدياً واضحاً.

4- تكريم المتفوقين وتشجيعهم وحث غيرهم على بذل المزيد من الجهد كما ورد في الحديث (عاقب المسيئ بمكافأة المحسن).

ولا بد ان تكون أسئلة الامتحانات بشكل ينمي روح الفهم والتدقيق لدى الطالب وليس لاستكشاف قدرة حافظته على (الدرخ).

ويلاحظ في التقييم النهائي للطالب عدة عوامل: درجاته في الامتحانات، مشاركته في الدرس، التزامه بالحضور، نشاطه وتحضيره اليومي.

وتستحدث مراتب وشهادات علمية لتحديد مستويات الطلبة ومؤهلاتهم راجع كتاب (جامعة الصدر الدينية : الهوية والانجازات).

الاتجاه الثالث: مدراء المدارس أو ما يسمون بالمتولين:

هو منصب مهم لانهم الطريق والمفتاح لاصلاح وتطوير الحوزة الشريفة وأول خطوة في هذا المجال: هي تغيير الاسم من المتداول الآن وهو عنوان (متولي) إلى مدير مدرسة ليشعره هذا الاسم بكل ما يتضمنه من مسؤوليات، اما عنوان متولي فيلحقه بمتولي المساجد والاوقاف العامة التي لا تزيد مسؤوليته عن رعاية نفس الوقف والحفاظ عليه ولا شك في ان تغيير العنوان ليس مجرد تغيير لفظي وانما يحمل في طياته هذه المعاني ومن المؤسف حقاً ان يكون للمدرسة الابتدائية مدير ومعاونون وادارة ولا يكون لمدارس الحوزة مثل ذلك وهي اخطر واهم مؤسسة في المجتمع لانها المسؤولة عن تخريج القادة له والمسؤولين الحقيقيين فيه.

فالمتولي أو مدير المدرسة هو الشخص الذي يستطيع تطبيق كل أو بعض هذه الافكار في مدرسته وهو الذي يتولى الاشراف على شؤون الطلبة ورعايتهم وتوجيههم علمياً ودينياً واجتماعياً ويقوم بتوفير الاجواء اللازمة للنشاط العلمي، ولا تقتصر مهمته -كما هو الموجود الآن- على تصليح جهاز عاطل أو ترميم خراب، فينبغي ان يكون متولي المدرسة فاضلاً ورعاً واعياً مخلصاً لله سبحانه واسع الصدر بسعة مسؤولياته فإن (آلة الرئاسة سعة الصدر) ليقوم بهذه المهمة خير قيام واذا استطعنا توفير مدراء للمدارس بهذا الشكل صلح حال المدارس وصلح حال الحوزة تبعاً لها ويُعيَّن لكل متولي شخص يساعده في القيام بامور البناية وخدماتها اذ لا ننتظر من المتولي -وهو  بهذه الفضيلة- ان يشغل نفسه بهذه الأمور.

ويكون على مدير المدرسة القيام بالمهمات الآتية:

1- توفير الخدمات واسباب الراحة والتفرغ لطلب العلم.

2- رعاية بناية المدرسة وصيانتها، واذا بدأ التفكير بانشاء مدرسة جديدة فلا بد ان يراعي في تصميم البناية الظروف الصحية والنفسية والاجتماعية والبيئية للطلبة.

3- تهيئة الكتب والمصادر النافعة للطلبة بجميع المستويات.

4- توفير وسائل الايضاح والاجهزة التي تعين الطلبة على البحث والدراسة، ولعل أهمهما اليوم جهاز الكومبيوتر بما يسهل ويختصر من الجهود في البحث إلى حد بعيد ويغني عن مكتبة كاملة وكذا اشرطة التسجيل لدروس بعض الاساتذة الاكفاء.

5- الاشراف على الطلبة علمياً وتوجيههم وتحديد ما يحتاجونه من الدروس لكل بحسب ما يناسبه وتنبيههم إلى المدرسين النافعين في مختلف الدروس ومتابعة التزامهم بالدوام.

6- تقييم الطلبة ومعرفة وزن كل منهم لما يترتب عليه من آثار مالية وغيرها مما سيأتي.

7- احتضان الطلبة وشمولهم بالرعاية الأبوية فـ(كلكم راعٍ وكلكم مسؤول عن رعيته) وطلبة المدرسة رعية مديرها.

8- تنفيذ وقفية المدرسة إن كان لها وقفية خاصة.

9- إقامة صلاة الجماعة واحياء المناسبات والشعائر الدينية.

10- انشاء مطعم يهيئ وجبات الطعام الرئيسية للطلبة مجاناً وباسعار رمزية ليوفر على الطلبة الوقت الذي يمضونه في إعداد الطعام.

11- العمل على نشر الحب والاخاء بين الطلبة والاتحاد بينهم ونبذ الفرقة وعدم السماح لاهل المطامع وملحقي الفتن بالتفريق بينهم.

الاتجاه الرابع: النظام المالي:

تشكو الحوزة من سوء توزيع الأموال وعدم مراعاة الاستحقاق فكم من طالبٍ مجدٍّ متفرغ للتحصيل ونافع للحوزة لا ينال حتى ما يسدُّ رمقه لانه لا يتملّق ولا ينافق وآخر تارك للدرس لكنه يعرف كيف يستدر الأموال فيعيش في رفاهية ودعة.

فيمكن علاج ذلك بإيكال امر توزيع الرواتب والمساعدات والمنح إلى مدراء المدارس ويفترض انهم من الفضلاء الواعين ويعطون كل ذي حقٍ حقه ويقوم مدير كل مدرسة بتوزيع الأموال وباشرافه يمنح المساعادات.

هذا بالنسبة لمصاريف نفس الطلبة اما المصاريف الأخرى فتوكل إلى لجنة من الثقات الورعين الفضلاء ذوي البصائر في مصالح المجتمع، ويمكن التفكير بمشاريع اقتصادية لاستثمار الأموال وتوفير فرص العمل لابناء المجتمع وبدلاً من ان يكون الفقراء مستهلكين يكونون مستثمرين ومنتجين والتفكير في مشاريع خدمية وإسكانية متنوعة.

الاتجاه الخامس: انتقاء الطلبة:

إن الطلبة المراد قبولهم في الحوزة يجب اختبارهم وعدم الموافقة الا على من كانت له حصيلة ثقافية ودينية وعلمية وافية وشخصية مؤثرة وينبغي ان يكون من حملة الشهادات الاكاديمية خصوصاً العلمية لأمور:

1- ان حامل الشهادة خصوصاً الراقية كالهندسة والطب والصيدلة والعلوم يكون تأثيره في المجتمع أكبر لما يكنُّ له الناس من تقدير واكبار واحترام، وهذا مجرب فان الكلمة التي تصدر من عالم أو خطيب يحمل شهادة اكاديمية تكون لها قيمة وفاعلية اكبر عند الناس.

2- يكون متفهماً للواقع المعاش وظروف المجتمع وما يجري فيه بحكم اختلاطه بالمجتمع واندماجه بشرائح متعددة منه واطلاعه الواسع على تفاصيله.

3- انه يمتلك ذهنية معمقة صقلتها العلوم المختلفة التي درسها.

4- يكون مطلعاً على عدد كبير من العلوم العصرية وبمستويات معتدٍ بها وقد تقدمت أهمية العلوم العصرية ومدخليتها في الاستنباط الفقهي.

5- انه يكون منهجياً منظماً وذا نضج وخبرة.

وكما يتم انتقاء الطلبة ابتداءاً فكذلك يجب احاطة الطلبة المتفوقين والكفاءات العلمية من طلبة الحوزة برعاية خاصة وتوفير كل ما يسهل لهم التفرغ للبحث والتحصيل فانهم خلاصة الحوزة ومعقد آمالها وهم الهدف من كل هذه الجهود والأموال المصروفة على الحوزة.

الاتجاه السادس: الهيئات التدريسية:

لا توجد في الحوزة ضوابط لتعيين المدرسين وانما تخضع المسألة لامور وعناوين اثباتية ظاهرية قد لا تكون مطابقة للواقع والثبوت، ومن الصحيح ما يُقال ان المدرس الناجح هو الذي يفرض نفسه على الساحة بما يمتلكه من قابليات و مؤهلات وطرق في التدريس الا ان هذا ليس صحيحاً دائماً فكثيراً ما يخضع الطلبة لتأثير العناوين والشهرة الفارغة والدعاية أو المكانة الاجتماعية وغيرها مما لا ربط له بالواقع العلمي وتكون النتيجة ضياع الطالب وضعف مستواه ويكون قد مر عليه وقت طويل لا يستطيع معه اعادة تلقي نفس المواد على يد اساتذة آخرين.

فيجب ان يكون تعيين المدرسين خاضعاً لضوابط علمية واخلاقية وشخصية معينة شرحناها وذكرنا محلها من سلم مراحل الدراسة الحوزوية في كتاب (جامعة الصدر الدينية : الهوية والانجازات) وتقدم لهم ادارة المدرسة مواعيد التحصيل الدراسي والعطل خلال السنة ليوزع عليها المنهج المقرر وبحسب عدد المحاضرات الاسبوعية وهو ما نسميه بالخطة الدراسية حيث يكون كل مدرس مسؤولاً عن تقديمها في بداية العام الدراسي وعن تنفيذها خلال العام.

وتتضمن الخطة ارشادات وتوجيهات تنظم العلاقة بين المدرس والادارة من جهة وبينه وبين الطلبة من جهة أخرى.

ويُقرر درس في المرحلة المناسبة بعنوان (طرق التدريس ومواصفات المدرس الناجح) حيث يستفاد من الجهود الاكاديمية والخبرات الشخصية في اعداد المنهج المقررة لهذا الدرس لكي تقنن الجهود وتنظم وفق معايير علمية بدل الفوضى والتشتت والارتجالية، وقد اعدَّ احد فضلاء طلبة جامعة الصدر كتاباً لملئ هذا الفراغ.

الاتجاه السابع: الاتصال بالجامعات والحوزات والمعاهد العلمية الأخرى لتبادل الكتب والنشرات والاصدارات الجديدة وهذه مسؤولية كبيرة وواسعة وتحتاج وحدها إلى عدد كبير من الفضلاء المثقفين بالثقافة العصرية ويجيدون لغة الخطاب مع اساتذة وطلاب الجامعات لذا ينبغي التفكير في (مؤسسة الوحدة بين الحوزة والجامعة) لافشال مخططات الذين يحاولون التفريق بينهما فتخسر كلٌ منهما خسارة عظيمة بهذا التباعد والافتراق.

الاتجاه الثامن: دعوة شخصيات فكرية وادبية وعلمية واجتماعية لالقاء المحاضرات في مختلف حقول المعرفة وعقد الندوات لتبادل الاراء في المحاور التي تهم المجتمع سواء كانت سياسية أو اقتصادية أو اجتماعية أو علمية وغيرها.

 

الجهة الثالثة

 قنوات الاتصال بالمجتمع

 

يمكن للحوزة ان تنفتح على المجتمع بعدة طرق منها ما هو معمول به كطبع الكتب وإجابة الاستفتاءات وارسال الوكلاء إلى مختلف المدن، وتُعرض هنا عدة ملاحظات:

الأولى: ينبغي اختيار الوكلاء وفق معايير علمية وثقافية واخلاقية معينة ولا يكون المعيار هو مقدار ما يجلب من المال فان الوكيل يمثل الأصيل فلا بد ان تكون الصورة التي يعكسها عن الحوزة مشرقة وان يكون اباً رحيماً للمنطقة التي هو فيها يهدي ضالهم ويعين فقيرهم ويقضي حاجة محتاجهم ويتفقدهم ولا يضيع أحدٌ منهم بحضرته، وقد لوحظ بالتجربة ان مدينة أو قرية تكون صالحة ببركات وآثار العالم الديني الذي فيها.

وينبغي ان يكون الوكيل متصلاً باستمرار بمركز الحوزة العلمية والمرجعية لمتابعة أي جديد أو لمواصلة الدرس والتحصيل وسيتضح من مجموع الكلام ان الوكيل يكون مسؤولاً عن عدة أمور:

1- الارشاد والتوجيه وتبليغ الاحكام والوعظ عن طريق الخطب والندوات والمحاضرات وأقل ما يجزيه خطبة أو محاضرة اسبوعياً ولتكن يوم الجمعة تطبيقاً لرغبة الامام (عليه السلام): (احب ان يفرغ الرجل نفسه كل جمعة ساعة ليتفقه في الدين) والزام المكلفين بنحو من الانحاء بحضور هذه المحاضرة الاسبوعية في المساجد يوم الجمعة ببيان أو فتوى يشير إلى أهمية التفقه في الدين ولو بهذا المقدار وليتضمن البيان قولـه (عليه السلام): (ليت السياط على رؤوس اصحابي حتى يتفقهوا في الدين) ونظائره.

2- ابلاغ صوت الحوزة الشريفة وارائها في مختلف القضايا ونشر الاستفتاءات.

3- فتح الدورات الدراسية في العلوم الاساسية كالفقه والعقائد واللغة ويكفي لتحقيق ذلك توفير مجاميع الكاسيتات لمدرسي الحوزة وعليه اجابة الاشكالات وتوضيح الأمور الغامضة.

4- انتقاء الكفاءات العلمية وارسالها إلى النجف لمواصلة الدراسة.

5- قضاء حوائج المؤمنين ودعم المشاريع الخيرية وحل مشاكل الناس.

6- توفير الكتب المفيدة ومتابعة الاصدارات الجديدة.

7- ممارسة القضاء لفض الخصومات وحل النزاعات ولما كُنا نشترط الاجتهاد المطلق أو ما يقاربه في القاضي فلا يجوز التصدي الا لمن يحمل شهادة من الحوزة الشريفة تجوز له ذلك وبدونها له احد حلين:

أ- حل الخصومات بالصلح المستند إلى بيان الحكم الشرعي وبعد معرفته.

ب- النظر في القضية بمعنى تثبيت دعوى المدعي وسائر تفاصيل الدعوى وافادات الشهود وكل ما له دخل في الحكم الشرعي ويرسلها إلى لجنة مركزية من العلماء والفضلاء في النجف تنظر في القضايا وتبُت في الاحكام.

كل ذلك لتخفيف زخم المراجعين عن مركز الحوزة ولكيلا نحرم الفوائد المعنوية والدينية والاجتماعية من وجود دور القضاء الحوزوي في المدن المختلفة.

8- ربط الأمة بالمرجعية ودفعها نحوها واظهار ولائها وتكثيف اتصالها به وإظهار الالتحام الكامل بها ولا اقل من استغلال المناسبات الدينية وايام الجمع لذلك وبذلك تؤدي الأمة عدة أمور:

أ- تعزيز التلاحم بين القيادة والقاعدة فانها كالروح والبدن ولا يحصل التكامل الا بانضمامهما.

ب- نقل صورة واقعية عن المجتمع ومعاناته ومشاكله وهمومه مما قد لا يوصلها الوكلاء عمداً أو غفلة أو تسامحاً.

جـ- ممارسة الأمة لدورها في الشهادة والقيمومة على المرجعية والقيادة ما دامت غير معصومة وقد رأينا بعض الوكلاء الواعين يقدم إلى النجف في المناسبات الدينية أو عند وفاة عالم كبير بوفدٍ له هيبته ولا يترك الناس يأتون اشتاتاً وامامه لافتة تعرف بالوفد وربما كان لهم خطيب أو شاعر يعبر لهم عن عواطفه وولائه الهادف ويقابله المرجع أو المتحدث باسمه فيبادله المشاعر الجياشة.

وتوجد افكار مرتبطة بهذا النشاط مذكورة في كتاب (شكوى المسجد).

الثانية: لا ينبغي التوقف عند حدود ما يرد الحوزة من استفتاءات ومشاكل بل يجب ان تبادر الحوزة فتكتب استفتاءاً وتجيبه وتنشره لمعالجة اية مشكلة اجتماعية أو ظاهرة منحرفة أو ضلالة يراد الحذر منها أو شخص فاسد يخشى من فتنته. وبذلك تكون هذه الاستفتاءات الحية الوسيلة المعبرة عن رأي الحوزة في مختلف قضايا المجتمع وعلى الطلبة والوكلاء نشرها وتوزيعها لتصل إلى أبعد نقطة، وبنفس الوقت تؤدي إلى شد المجتمع إلى مرجعيته الرشيدة وخلق حركة دينية وحيوية في المجتمع باعتباره يتوقع الجديد في كل آن.

الثالثة: الكتاب: وهو عنصر فعال في تثقيف الأمة وزيادة وعيها ولا بد للحوزة الا تكتب ما تشتهي وتريد بحيث يكون بعض نتاجها ممجوجاً لا نفع فيه بل عليها ان تحدد الهدف اولاً ومن ثم تصرف جهودها في ما يحتاجه المجتمع وسد الثغرات الثقافية والفكرية ودفع الشبهات وترسيخ المعارف الحقة وتربية المجتمع وهدايته.

ويستفاد في هذا المجال من نتاج الحوزات الأخرى بطبعها ونشرها فان فيها إغناء للمكتبة الإسلامية.

الرابعة: الكاسيت: وهو اداة نافعة لإيصال صوت الحوزة إلى المجتمع وسريع الانتشار وسهل التلقي والاستفادة ويمكن استخدامه كقناة لايصال رأي الحوزة في مختلف القضايا الاجتماعية والدينية والثقافية وغيرها.

كما يستفاد من الكاسيت لتسجيل محاضرات الاساتذة الاكفاء في شرح وتوضيح المناهج الدراسية الاساسية وتوفرها للطلبة أو لمن لا يتسنى له متابعة الدراسة في النجف.

الخامسة: المجلات والنشرات الدورية: على مستوى الثقافة العامة أو تكون متخصصة في حقول العلم والمعرفة الحيوية بالنسبة للامة وإذا كان من الصعب تحصيل الإجازة الرسمية لها فيمكن استغلال بعض المجلات المجازة التي هي قريبة الصلة بالحوزة.

السادسة: إلقاء المحاضرات والخطب واستغلال صلوات الجماعة لذلك خصوصاً ظهر يوم الجمعة -على فرض تعذر إقامة صلاة الجمعة- وعقد الجلسات والندوات واحياء المناسبات الدينية وإقامة مجالس الفرح والمآتم ومجالس التعزية في ذكريات المعصومين(عليهم السلام). واستغلال ذلك لبيان الاحكام الشرعية والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والوعظ والارشاد واحياء القلوب على ان تكون هذه المسؤوليات من صلب واجبات الوكلاء والتزاماتهم أمام الحوزة واقل ما يجزي مرة واحدة اسبوعياً كما قلنا.

السابعة: واوسع الابواب واشدها تأثيراً في النفوس هو (المنبر الحسيني) الذي يستمد قدسيته ومكانته من صاحب المناسبة، وقد فقدت المرجعية هذه القناة المهمة حين تخلت عنه وتركته بيد متطفلين همهم تحصيل الأموال واستدرار الدموع ولو بالكذب المهين لكرامة أهل البيت (عليهم السلام) وعلو منزلتهم.

وفقد المنبر هو الآخر اهميته وهيبته في المجتمع بسبب هذه النظرة له وعدم توفير غطاء من الحوزة له، فاذا كسبنا المنبر الحسيني استطعنا تسخير هذه القناة لاسماع صوت المرجعية وقطع الطريق امام المرتزقة والجهلة، وشجعنا ذوي الكفاءات في هذا المجال على السير فيه باطمئنان لانه سيرى الضمانات التي توفرها له المرجعية بدلاً من القلق على مستقبله والحرص على تحصيل المجالس لتوفير المال أو الاكثار منها على حساب مستوى العطاء الفكري والاخلاقي.

كما ان المنبر حينئذ سيمتلك قوة في التأثير يستمدها من السلطة الروحية للمرجعية، ومن القابليات العلمية التي تتصدى له.

وان خطباء المنبر ليستطيعون اكثر من اية وسيلة اخرى على شد الناس إلى مرجعيتهم والالتفاف حولها وطاعتها كما تستطيع العكس من ذلك هز سمعة المرجعية والتشكيك فيها والقدح منها وتنفير الناس عنها وتوجد شواهد تاريخية على ذلك، وبالمقابل يذكر التاريخ الحديث كيف ساهم الخطباء في دعم الحركات الجهادية للمرجعية كالسيد الحبوبي في جهاد الانكليز أو السياسية والاجتماعية كالشيخ محمد حسين كاشف الغطاء (قدس سره) والسيد محسن الحكيم (قدس سره).

وتحصل هذه الرعاية من لدن الحوزة بانشاء درس لتعليم فن الخطابة ومقوماته ومؤهلات الخطيب وكيفية اعداد الخطب والمحاور التي ينبغي ان يدور الحديث عنها، ثم تعقد جلسات اسبوعية يرتقي الطلبة المنبر فيها المنبر ليتعلموا ويتدربوا ولتكون فرصة لتوجيههم وبيان نقاط القوة والضعف فيهم ويزود الخطيب الناجح بشهادة اعتراف وتأييد من قبل الحوزة العلمية وتقدم له الضمانات المالية كبقية طلبة الحوزة كما تقدم له الدعم المعنوي بالدعوة اليه والترويج لاسمه وتوجيه الوكلاء إلى التزامهم والتعامل معهم.

الثامنة: السعي لدى الجهات الرسمية لفتح فروع للحوزة الشريفة داخل الجامعات لتدريس العلوم الاسلامية وتكون باشراف الحوزة لكن تخضع لضوابط الجامعة وهذا يوفر عدة نتائج:

1- اختراق الجامعات التي تمثل اوسع قاعدة للشباب المثقف وايصال صوت الاسلام اليها.

2- تربية الشباب الجامعي وتوجيههم بعد ان تحولت الجامعات من معاهد علمية إلى دور للفساد وهتك القيم والاخلاق.

3- توفير فرصة للحوزويين لنيل الشهادات الرسمية والتمتع بامتيازاتها.

 

الجهة الرابعة

 الدراسة الدينية للنساء

 

إن المرأة عنصر فعال في بناء المجتمع فهو نصفه عدداً وإن كان كله بالاهمية التربوية لانه المربي المباشر للأسرة التي هي نواة المجتمع ولقد صدق الشاعر اذ قال:

  الأم مدرسة اذا اعددتها

                  اعددت شعباً طيب الاعراق

وقد ادى جهل الأم وضعف تربيتها إلى انحراف ابناء المجتمع وضياعهم ووقوعهم بايدي غير كفوءة لذا يجب التفكير في احتواء هذا العنصر ورعايته واعطائه العناية الكافية من التربية والوعي خصوصاً وان الكثير منهن الآن متعلمات مما يسهل مهمة التوجيه والتعليم لكن يجب مراعاة الشروط الدينية والتقاليد الاجتماعية في هذا المجال.

ويمكن تصور السعي في هذا المجال على مراحل:

الأولى: ان يتولى الطلبة تربية وتعليم ازواجهم واخواتهم وبناتهم وتثقيفهن وتدريسهن الكتب الاساسية (رسالة عملية، دروس في علم المنطق، عقائد الامامية، الاخلاق، مختصر التفسير)، ثم الترقي إلى المستوى التالي في هذه العلوم لتتكون بذلك نواة الهيئة التدريسية الأولى.

الثانية: تسجيل كاسيتات لدروس اساتذة اكفاء في منطق المظفر وقطر الندى والشرائع وتوفيرها لخريجات المرحلة الأولى وبعد الانتهاء من الدراسة تجرى لهن امتحانات وفي ضوئها يُعطين شهادات صادرة من احد الفضلاء تثبت كفائتهن وقدرتهن على تدريس المناهج المقررة للمرحلة الأولى.

الثالثة: بعد تهيئة الكادر التدريسي تشكل الهيئة الادارية للجامعة النسوية ولتكن باسم (جامعة الزهراء I للعلوم الدينية) ويكون عملها باحدى صيغتين:

1- ان تفرغ احدى المدارس الدينية أو تؤجر بناية مستقلة لهن ويتم قبول الطالبات وفق المعايير العلمية والاخلاقية والاجتماعية والشخصية التي ذكرناها أو غيرها وتجرى لهن مقابلة من قبل الهيئة الادارية وتجري دراستهن وفق النظام الجديد للدراسة الحوزوية.

2- اذا لم يمكن تطبيق الصيغة الأولى فتبقى الدراسة خارجية -عبر الكاسيتات- ويخصص يوم -الخميس مثلاً- في نفس المدرسة تنعقد فيه الهيئة الادارية والتدريسية وتراجع فيه الطالبات للاجابة على اية مسألة أو شرح مطلب غامض أو حل مشكلة أو ايصال استفتاء أو تلقي اقتراح أو النظر في الشؤون الاخرى وتبادل الاراء لتطوير التجربة.

كما تحدد المناهج المقررة للمراحل الدراسية وليست بالضرورة كمنهج الذكور لاختلاف الاغراض المطلوبة من الطرفين والمسؤوليات الملقاة على عاتقهما، حيث تقوم مجموعة من الفضلاء والكتّاب باعداد مناهج في الاختصاصات المطلوبة منهن وبما يناسب مستوياتهن.

وتحدد مواعيد الامتحانات وكيفيتها من قبل الهيئة الادارية.

الرابعة: بعد تخرج الدفعة الأولى من الطالبات يمكن الاعتماد عليهن في نقل التجربة إلى مناطقهن، كما تناط بهن مسؤوليات عديدة:

1- التصدي لاحياء الشعائر الدينية كالمآتم الحسينية وحفلات المواليد والزفاف وتكريسه للهداية والتوجيه ومعالجة قضايا المرأة.

2- عقد الجلسات والندوات.

3- ايضاح الاحكام ونشرها وتعليمها.

4- ايصال صوت الحوزة وآرائها في مختلف القضايا.

وغيرهن من المسؤوليات التي ظهرت مما سبق.

الفصل الثاني

 

جامعة الصدر الدينية

بين النظرية والتطبيق

 

الحمد لله كما هو أهله وصلى الله على نبيه وآله وسلم تسليماً كثيراً.

شعرت المرجعية الرشيدة بوجود عدة نقائص في النظام المتداول في الحوزة العلمية الشريفة وبقصور عن مواكبة تحديات العصور واستيعاب ثقافاته فمن تلك النقائص التي مر ذكرها مفصلاً ونلخصها بنقاط:

1- عدم وجود بداية واضحة للعام الدراسي ولا نهاية كذلك، فالزمان مفتوح لكل طالب في ان يلتحق متى شاء بحلقات الدروس الموجودة، وقد يكون قد فاته الكثير من المادة ولا يتمكن من تداركها فيحصل ارباك وخلل في مسيرة تحصيله العلمي.

2- عدم خضوع الطالب لنظام دقيق في التقييم لغياب آلياته كالامتحانات ونحوها فلا تعرف مستويات الطلبة ولا كفاءاتهم حيث يستوي الجميع في التلقي من الاستاذ اللهم الا من خلال بعض المناقشات التي تحصل.

3- لا يوجد نظام اداري لضبط تحصيل الطلبة وسلوكهم والتزامهم وتنظيم دروسهم وانما المسألة متروكة للطالب والمدرس في ان يفعلوا ما يشاءون وفق امزجتهم، ولعدم وجود مثل هذه الادارة فلا توجد جهة يمكن ان ترعى الطالب - خصوصا المبتدئ – لتنظم له الدروس وترعاه وتحلّ مشاكله.

4- عدم وضع طرق صحيحة للتدريس يسير عليها المدرسون ولا خطة سنوية لتنظيم منهجهم في تدريس المادة.

5- غياب دروس اساسية لها اهمية كبيرة في تكوين شخصية طالب العلوم الدينية الذي سيكون في يوم ما مصلحاً اجتماعياً وهادياً وقائداً للأمة، كالأخلاق، والتفسير، والتاريخ، وعلوم القرآن، والحكمة، والعقائد، والوعي الاجتماعي.

6- اعتماد المصادر القديمة التي تفتقر الى المنهجية الفنية واحتوائها على مطالب لم تعد ذات قيمة، وتعقيد عباراتها فينشغل بحل رموزها الطالب والأستاذ اكثر من انشغالهم في فهم المادة العلمية.

7- عدم الاستفادة من العلوم العصرية في المنهج الدراسي رغم وجود عدة ثمرات في تدريسها كالاطلاع على اسرار التشريع، وتنقيح موضوع الحكم الشرعي، وفهم الروايات بشكل دقيق في بعض الموارد وتساعد احياناً في تحديد الملاك الأهم عند التزاحم كما انها قد يستفاد منها احياناً في الاستنباط الفقهي نفسه(30) مما لا يمكن تحصيله بدونها.

8- عدم وجود آلية ناضجة لتدرج الطالب في تحصيل علوم تهيئ ذهنيته لتقبل المطالب بشكل جيد لان المناهج الدراسية لم تؤخذ في وضعها هذا الامر وانما هي مؤلفات لاصحابها ثم جعلت مناهج دراسية.

9- الزام الطلبة جميعاً بالسير على منهج واحد من دون مراعاة لقابلياتهم ولرغبتهم في التخصص في حقل علمي دون آخر وعدم مراعاة حاجة الأمة والرسالة الى مثل هذا التخصص .

10- عدم وجود ضوابط دقيقة لقبول الطلبة من حيث استعدادهم الذهني وسمعتهم الاجتماعية وتوزيعهم الجغرافي وثقافتهم العامة لهذا تجد التباين الواسع بين مستويات الطلبة وتغلغل الكثير من العناصر الفاسدة والضالة والمندسة.

11- تصدي كل من هبّ ودبّ للتدريس لعدم وجود رادع، لا ذاتي ولا خارجي ولا جهة مشرفة تقيم الاساتذة وتوجه الطلبة للحضور عندهم.

12- ضعف النشاط الاجتماعي للحوزة سواء على مستوى التبليغ او التلاقح مع الجامعات او الحوار مع الحضارات او الديانات والتيارات الثقافية والفكرية الأخرى.

13- عدم التعرف على قدرات الطلبة العلمية والاجتماعية والفكرية مما ادى الى تصدي من ليسوا بأهل للمسؤوليات مهمة كالوكالة عن المرجعية الشريفة او ارتقاء المنبر الحسيني او إمامة الجمعة والجماعة.

وبقي السؤال الأهم انه كيف يمكن إصلاح كل نقاط الخلل هذه فإن العوائق كثيرة ليس اهمها المانع الخارجي أي الاعداء المتربصين بالحوزة المراقبين لتحركاتها وتوجهاتها، وانما هناك مصاعب اخرى:

1- عدم وجود ادارة مركزية للحوزة تستطيع فرض قراراتها، فان المرجعية متعددة ، والطالب يستطيع ان يمنح ولاءه لمن شاء ومتى شاء فاذا شعر ان مرجعية ما  لا  توافق  أهواءه ومصالحه او تريد منه التزامات معينة فرّ منها لتحتضنه أخرى وترفع عنه تلك القيود وينال الحظوة لديها.

2- التوجس من القيام بأي مشروع جديد خشية الفشل مما يضر بسمعة صاحب المشروع ومنزلته ونكون حسب تعبير احد المراجع (قدس سره) كالغراب الذي حاول تقليد مشية الطاووس فلم يفلح فاراد الرجوع الى مشيته الاولى فوجد نفسه قد نسيها فقيل عنه (ضيَّع المشيتين).

3- عدم الشعور بالحاجة أصلاً الى التغيير خصوصا وان النظام المتداول قد ادى الغرض – من وجهة نظرهم – خلال القرون الماضية واستوفى حاجة المجتمع وانجب فقهاء وعلماء ومفكرين ولم يلتفتوا الى إنّ هذه النتائج وإن كانت صحيحة وجزاهم الله خير الجزاء على جهدهم وجهادهم الا انها نتائج بسيطة مقابل ما يصرف على هذا الكيان المقدس ومقارنة بما يمكن ان ينتج لو أصلحت بعض جوانب الخلل.

4- عدم وجود الكفاءات العلمية الكافية التي تستطيع تنفيذ هذه الاصلاحات وتحويلها من حيز النظرية الى التطبيق بتأليف المناهج واتباع الاساليب المقترحة للاصلاح والقيام بالمسؤوليات المتعددة.

لهذه الاسباب وغيرها فشلت دعوات اصلاحية كثيرة حاولت مرجعيات متعددة ان تقوم بها لكن رسوخ الحالة الحوزوية التقليدية ودفاع المتحجرين عنها اجهضها ولم يعُد بمقدور حتى المرجعيات المهمة ان تُحدث ثورة اصلاحية في الحوزة، من هنا كان العلاج الانسب هو الاصلاح التدريجي، بمعنى: اتخاذ مدرسة نموذجية تطبق فيها الاصلاحات ويُقبل فيها طلبة بمواصفات خاصة وتدار بادارة كفوءة وتوفر فيها امتيازات اضافية وتوضع لها مناهج دراسية متكاملة ولو عن طريق تأليف كتب جديدة او تبديل كتب دراسية متعارفة وبعد نضجها وتكاملها تتوسع الى مدرسة أخرى وهكذا حتى تشمل تدريجياً أغلب مدارس الحوزة الشريفة من دون ان تثير غضب وحساسية الآخرين، وحملت هذه المدرسة النموذجية اسم (جامعة الصدر الدينية) وفاءاً لصاحب الفكرة الأصلية وهو الشهيد الصدر الأول (قدس سره) ولمن نفذ الفكرة وأسس الجامعة وهو الشهيد الصدر الثاني (قدس سره) عام 1417 ، وقد ارخ افتتاحها المرحوم الشيخ عبد الامير الحسناوي بعدة ابيات قال فيها:

 

 

هذه جامعة دينية

 

 

شادها الصدر معز المؤمنين

 

حجة الاسلام رمز للتقى

 

 

آية الله منار المتقين

 

شادها للعلم والتقوى معاً

 

 

فغدت تزهو بإيمان ودين

 

فيه قامت ومن افضاله

 

 

قد سمت جامع للدارسين

 

ولسان الدين ارخ (هاتف

 

 

ادخلوها بسلام آمنين)
1417

 

 

لكن المشروع بقي في مكانه ولم يكن بمستوى الطموح حتى كان يوم الثلاثاء 21 صفر 1419 حيث استدعاني سيدنا الاستاذ الصدر (قدس سره) وقال لي: ان جامعة الصدر لا يستطيع أحد ان يتقدم بها غيرك وقد كانت تحوطها قبل الآن الكثير من المشاكل وقد زالت الآن فاستجبت لرغبته وتسلمت إدارة الجامعة على بركة الله تعالى طالباً التسديد منه جلّت وعظمت قدرته.

وقد سعيت بمؤازرة الطلبة والاساتذة الذين لم يبخلوا عليّ بالنصيحة واستفدت من افكارهم النيرة فحققنا في الجامعة من الاعمال ما لا يوجد في غيرها من مدارس الحوزة على عدة محاور:

الأول: الإداري : فللجامعة عميد يرعاها ويدبّر امورها وله معاونون:

أحدهم لشؤون المدرسين والمنهج الدراسي: ومهامه اختيار المدرسين الكفوئين وتزويدهم بالخطة السنوية للدراسة ومتابعة التزامهم بها وقضاء حوائجهم وتوفير امتيازاتهم وتقييم المناهج الدراسية لتغييرها او استحداث غيرها بحسب ما تمليه المصلحة والتجربة.

ومعاون شؤون الطلبة: يستمع لمشاكلهم واقتراحاتهم ويقضي حوائجهم ويوفر السكن والرواتب والمساعدات لهم ويتابع التزامهم بالتحصيل الدراسي ويتخذ الإجراءات المناسبة بحق غير الملتزم بالنظام الداخلي للجامعة، ومن طريف انجازات الجامعة بهذا الصدد إنشاء صندوق المظالم والمقترحات، الذي يحق للطلبة وضع مظالمهم وانتقاداتهم ومقترحاتهم تجاه الادارة والاساتذة او او أي جهة اخرى من دون ذكر اسم الكاتب اذ ربما يمنعهم عن البوح بها الخجل ونحوه، ويفتح الصندوق اسبوعيا لينظر فيما فيه وتتخذ الاجراءات المناسبة.

ومعاون لشؤون البناية: حيث يتولى رعاية لناية الجامعة وصيانتها وتوفير مستلزمات الدراسة فيها، ويحافظ على وقفيتها إن كانت فيها وقفية خاصة.

ومعاون للوثائق والمستندات: يحتفظ بالاضابير الشخصية للطلبة والحاق كل الوثائق المتعلقة بهم من تكريم او انذار وشهادات تقييمهم خلال مراحل الدراسة والوثائق والبيانات الخاصة بالجامعة ككل.

ومعاون للشؤون المالية: يتولى تعيين الرواتب للاساتذة والطلبة والموظفين بحسب ضوابط الجامعة، وتقديم القروض للمحتاجين وتنفيذ اوامر المساعدات واستقطاع الديون وضبط سجلات الاموال الواردة والمصروفة.

وكل من هؤلاء يرتبط بالعميد مباشرة يطلعه اسبوعياً على تفاصيل عمله.

الثاني: قبول الطلبة: وضعت شروط لقبول الطلبة بأن يكون حاصلاً على شهادة جامعية ولا يتجاوز عمره (28) سنة ومعروف بحسن السيرة والسلوك بشهادة وكلاء المرجعية الشريفة، وتُجرى له مقابلة يشرف عليها العميد نفسه لاختبار ثقافته وافكاره وأهدافه، وتلاحظ عوامل أخرى في القبول كالتوزيع الجغرافي والنشاط الاجتماعي، وليس لعدد الطلبة المقبولين حد ثابت وإنماتحدده الحاجة والامكانيات المتوفرة والظروف المحيطة.

الثالث: التقييم والامتحانات: يجري للطالب امتحانان شهريان في كل فصل وامتحان نهائي في آخر الفصل حيث تقسم السنة الى فصلين وتتوزع درجة الطالب النهائية على الامتحان النهائي والشهريين وسعيه ومشاركته اليومية في الدروس، ويوجد امتحان للدورالثاني وهو للطلبة الذين لم يحالفهم النجاح في الدور الاول، وقد يُرقّن قيد الطالب من الجامعة اذا لم ينجح بنصف الدروس على الأقل، ويُكرّم الطلبة المتفوقون بجوائز مالية وعينية مناسبة.

الرابع: مراحل الدراسة والشهادات العلمية: قسمت الدراسة الى ثمان مراحل يتأهل الطالب بعدها لحضور البحث الخارج وتتألف الجامعة من ثلاث كليات مترتبة طولاً حيث تؤدي كل منها الى الاخرى لتكمل دورها وبنفس الوقت تمنح المتخرج فيها شهادة في الاختصاص المعين.

الأولى: كلية (التوجيه الديني والاصلاح الاجتماعي) ويؤهل المتخرج فيها لإمامة الجماعة والجمعة والوكالة عن المرجعية الدينية والتصدي للمنبر الحسيني والوعظ والارشاد، وتمثل المراحل الثلاث الأولى للدراسة.

الثانية: كلية (إعداد المدرسين) وتُهيّئ المدرسين الحوزويين لكتب المقدمات والسطوح الابتدائية والمتوسطة وتُمنح الشهادة باجتياز المرحلة السادسة.

الثالثة: كلية (الاجتهاد المقيد) وتمثلها المرحلتان السابعة والثامنة حيث يؤمل بنهايتها ظهور ملكة الاجتهاد بمرتبة من المراتب عند الطلبة النابهين المجدين بإذن الله سبحانه وتمنح هذه الكلية شهادة (الاجتهاد المقيد) في ضمن اقوال محتملي الاعلمية.

وقد بينا تفاصيله وشرائطه وثمراته في بحث مستقل بنفس العنوان، لكن لغموض العنوان وتهافته البدوي نبيّن حاصل فكرته فنقول:

ان الطلبة الذين يصلون الى مستوى عالٍ من الفضيلة تقرب من الاجتهاد وبذلك يملكون المقدرة على النظر في استدلالات اساتذتهم وتقييمها ومعرفة الاقوى منها (بدليل جعلهم اهل الخبرة الذين يحدّدون الاعلم) فيقرر هؤلاء باتاحة الفرصة لهم ان ينظروا في كل مسألة صاحب الدليل الأقوى من بين محتملي الأعلمية فيأخذون به ولا يتقيدون برأي فقيه واحد فهو نحو من انحاء الاجتهاد والنظر في الادلة لكن لا مباشرة وانما في حدود استدلالات محتملي الاعلمية لذا سميناه (اجتهاداُ مقيداً) مقابل الاجتهاد المطلق الذي يستنبط الحكم فيه من مصادره الاصلية اما المقيد فباعتبار عدم وصولهم درجة الاجتهاد المطلق الذي يؤهلهم لاستقلال النظر في الادلة مباشرة واستنباط الاحكام.

إن إتمام هذه المراحل الثمان بتفوق مع التوفيق الالهي  كاف لنمو الملكة الاجتهادية وصقلها عند من حباه الله بها بعد استيعابه لهذا المنهج المتكامل وعند اساتذة اكفاء وبعد اعطاءه فرصة سنتين خلال المرحلتين الأخيرتين للحضور في بحث الخارج عند المراجع العظام، نعم، هو يحتاج المزيد من الحضور للانضاج والصقل وزيادة الخبرة، فإن الاجتهاد كسائر الملكات النفسية عنوان كلي مشكك له مراتب عديدة من القوة والضعف ويزداد رسوخاً بالتجربة المستمرة والتمرين المتواصل.

ويلاحظ هنا ان أيّاً من الشهادات الثلاث لا تمنح لمجرد اجتياز المراحل المعينة بل لابد من الاختبارت الشخصية المباشرة لان المسألة تتوقف على مهارات وقابليات شخصية إضافة الى المستوى العلمي المطلوب.

الخامس: مفردات الدراسة:

قد ضم المنهج الدراسي مناهج حديثة كحلقات الشهيد الصدر الاول في الاصول وبداية الحكمة ونهايتها للسيد الطباطبائي والعقائد والالهيات للسبحاني ومصباح اليزدي، كما اضيف للمنهج مفردات غيبها النظام المتعارف في الحوزة كعلوم القرآن وتفسيره وعلم الرجال والقواعد الفقهية والتاريخ والاخلاق وعلم الحديث والفكر الاسلامي وبعض العلوم العصرية كالرياضيات.

السادس: مواعيد الدراسة ومدتها:

مدة الدراسة ثمان سنين حيث تستغرق كل مرحلة سنة هجرية تقويمية تبدأ في العشر الاواخر من محرم وتنتهي في نهاية شهر ذي الحجة ويكون شهر رمضان والعشرتان الاولى والثانية من محرم عطلة إضافة الى ايام وفيات المعصومين F وبعض المناسبات الدينية المهمة والخميس والجمعة من كل اسبوع.

يستمر تقديم طلبات الانتماء خلال شهري ذي القعدة وذي الحجة حيث تعلن في نهايتها اسماء الذين ستجرى مقابلتهم خلال النصف الأول من محرم الحرام.

السابع: النشاط الثقافي والاجتماعي والانساني: انكمش نشاط الحوزة الفكري والاجتماعي خلال السنين المتأخرة بحيث لم يعد يوجد في النجف عدد الاصابع ممن يكتب في هذه القضايا فتولت الجامعة رعاية الاقلام الفتية وتوجيهها وإنضاجها حتى برز عدد من الكتاب ساهموا مع عميد الجامعة في اصدار العشرات من الكتب التي ساهمت في رصد وتشخيص الامراض والظواهر الاجتماعية المنحرفة ومعالجتها باسلوب مقنع يمزج الحكم الشرعي بالموعظة والنصيحة وبالدراسة والتحليل للاسباب والنتائج، فكان لهذه الاصدارات الأثر الكبير في إصلاح المجتمع ورفده بالوعي الديني وسد الفراغ في المجتمع.

ومن النشاطات الانسانية، تأسيس صندوق (الزواج رحمة) الذي يقدّم تسهيلات مالية على نحو القرض والمساعدة لتشجيع الزواج وقد ذُكرت تعليمات الصندوق في كتاب (الزواج والمشكلة الجنسية).

 

وسنفرد كتاباً مستقلاً بعنوان (جامعة الصدر الدينية : الهوية والانجازات) نتناول فيه بعض الانجازات التي تحققت والافكار التي تبلورت باذن الله تعالى.

 


 


(1)  باب الاثنين حديث 12.

(2) الرعد/11.

(3) يونس : 98.

(4) راجع وسائل الشيعة.

(5) راجع كتاب (ثمار الخطابة بين منبر الجمعة والمنبر الحسيني).

(6) آل عمران : 110.

(7) آل عمران : 104.

(8) المائدة : 63.

(9) فاطر : 28.

(10) تجد ملخصه في كتاب (شكوى القرآن).

(11)  الحشر : 7.

(12) اصول الكافي : كتاب الحجة، باب 51، حديث 5.

(13) الحديث 11 من نفس الباب.

(14)  الكهف : 103-104.

(15) كمناقشة مبحث (الامر بين الامرين) مدة اشهر في علم الاصول وهو مبحث كلامي صرف.

(16) اصول الكافي : كتاب فضل العلم، باب استعمال العلم، حديث2.

(17)