شكوى المسجد

ملحق بحوارية فقهية لسماحة آية الله

الشيخ محمد اليعقوبي

 

 

 

إلى الذي أدميت يده في بناء مسجد

وإلى الذي دمعت عينه على أرض مسجد

وإلى الذي سقط شهيداً دفاعاً عن . . . مسجد

نهدي هذا الجهد المتواضع . . . والقليل

أمام عطائهم الكبير . . .

 

 

المقدمة

الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على خير خلقه محمد وعلى آله الطيبين الطاهرين،(( إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكًا . .)) (1) فأبى الله سبحانه إلا أن يكون المسجد هو أول بيت وضع للناس، وهذا يُشعر بمكانة وقيمومة المسجد في حياة البشر أجمع فضلاً عن مكانته وقيمومته في حياة المسلمين، والذي يعتبر بالنسبة لهم القلب الذي منح ويمنح لهم الحياة الخالدة في ظل طاعة الله سبحانه وتعالى، فكان المسجد في التبليغ الإسلامي بمثابة الرأس من الجسد والوتر من القوس، إذ أن المساجد بانية الإسلام وصانعة أجياله المخلصة والمضحية في سبيل الله على طول سنيّه الألف والأربعمائة.

هذا فضلاً عمّا يمنحه وجود المسجد ومنظره من إحساس بالانتماء إلى الدين الحنيف إذ أنك ((سواء كنت في قرية صغيرة خافية في بطن الريف أو مستكنة خلف كثبان الرمل في الصحراء أو راقدة في لحف الجبل، أو كنت في عاصمة كبيرة متنامية الأرجاء متدفقة الحركة عامرة بالعمائر السامقة فإن المساجد . . . تضيف إلى المنظر عنصراً من الجلال والجمال الروحي لا يتأتى له بدونها. فهي تزيل الوحشة عن تواضع مباني القرية وصغرها وتنفي الجمود عن غرور مباني العواصم، وتضفي على مقطع الافق في القرية والمدينة توازناً يروح النفس ولمسه من جمال روحي هادئ رقيق))(2).

لكن هذه المساجد تعيش هذه الايام محنة التعطيل والتضييع وعدم الريادة وفقر التوظيف وبهذه المحنة التي يعيشها المسجد فحري به أن يرفع ضدنا شكوى إلى الله سبحانه ورسوله ((صلى الله عليه وآله)), وليست هي الشكوى الوحيدة فالقرآن والعترة الطاهرة هما الاخران يشتكيان معه لما لاقوا على ايدينا.

ولأجل هذا انبرى احد ابناء الحوزة وهو الشيخ محمد اليعقوبي ((ادامه الله)) لينبه منتسبي الحوزة وجميع افراد المجتمع ليعدوا العدة من الأن لئلا يكونوا هم المشكوون إلى الله سبحانه وتعالى, حيث قال في مقدمة كتابه (شكوى القرآن) : ((وقد اخترت أن ابدأ من الحديث الشريف المروي في الكافي والخصال عن إبي عبد الله ((عليه السلام)) قال : ((ثلاثة يشكون إلى الله عز وجل مسجد خراب لا يصلي فيه أهله وعالم بين الجهال ومصحف معلق قد وقع عليه الغبار لا يقرأ فيه))، وأوضح مصاديق العالم هم أهل البيت ((عليهم السلام)) وخصوصاً الامام الفعلي القائم بالامر ((أرواحنا له الفداء)) فالثلاثة الذين يشكون هم القرآن والعترة والمسجد, ويدل عليه ما ورد في حديث آخر عن النبي ((صلى الله عليه وآله)) قال : ((يجيئ يوم القيامة ثلاثة يشكون : المصحف والمسجد والعترة, يقول المصحف : يا رب حرفوني ومزقوني, ويقول المسجد : يا رب عطلوني وضيعوني , وتقول العترة : يا رب قتلونا وطردونا وشردونا, فأجثو للركبتين في الخصومة, فيقول الله عز وجل لي : انا اولى بذلك منك)).

وسنستفيد من هذا الحديث من أمرين :

الاول : إن اسس بناء الامة المسلمة ومقومات كيان المجتمع المسلم هي هذه الاركان الثلاثة، لذا تم التركيز عليها, والحديث على هذا الأساس يكون بمعنى حديث الثقلين المشهور ((أني تارك فيكم الثقلين كتاب الله وعترتي أهل بيتي ما أن تمسكتم بهما لن تضلوا بعدي ابداً وقد نبأني اللطيف الخبير انهما لن يفترقا حتى يردا علي الحوض يوم القيامة))(3) والثقلان هما اثنان من هذه الثلاثة اما الثالث فهو المسجد وهو المحل الذي يمارس الثقلان من خلاله دورهما في المجتمع ويرتبطان في اجوائه المقدسة بالأمة.

الثاني : ((الاشعار بأن الامة ستعرض عن هذه الثلاثة وستخلفها وراء ظهورها, لذلك اخبر ((صلى الله عليه وآله)) عن الشكوى كحقيقة واقعة وهو((صلى الله عليه وآله)) يحذر الامة من هذا التضييع ويبالغ في العقوبة عليه حتى كان الله تبارك وتعالى هو الخصم المطالب بحقها وهو الحكم العدل، ومادامت هذه الثلاثة هي اسس كيان المسلمين فتضييعها يعني زوال هذا الكيان وفناءَه, لذا كان لزاماً علينا أن نفرد كل واحد منها ببحث خاص لبيان اثره في حياة الامة وعظيم خسارتها بالاعراض عنه واساليب تفعيل دوره في حياة المسلمين))(4).

وكخطوة اولى انجز سماحة الشيخ اليعقوبي ((ادامه الله)) كتاب (شكوى القرآن) وكان هذا الكتاب الذي بين يديك هو الشكوى الثانية (شكوى المسجد) وعسى الله أن يمن على احدنا مستقبلاً لانجاز التنبيه الثالث وهو (شكوى العترة) أو (شكوى الحجة ((عجل الله فرجه الشريف))).

وفي هذا الكتاب نريد أن نسلط الضوء عبر دراسة بسيطة وموسعة نسبياً على أهمية المساجد ووظائفها وآثارها ووظائف العاملين على إيجادها واستمرارها وتفعيل دورها لا براء ذممنا من تلك الشكوى إنشاء الله، وتقع هذه الدراسة في مقدمة وستة فصول وخاتمة، فالفصل الاول منها يبحث في بيان معنى المسجد في اللغة والاصطلاح أما الفصل الثاني فيحمل عنوان (المسجد في حياة المسلمين) ويبحث عن التشريعات الاجتماعية في الإسلام وحاجتها إلى المسجد, كما يبحث عن دور المسجد في صدر الإسلام والعصور المتأخرة, أما الفصل الثالث فيبحث عن أهم الفوائد الدينية والاجتماعية للمسجد, بينما اخذ الفصل الرابع على عاتقه بيان تكاليفنا تجاه المساجد مما قد ورد في القرآن الكريم والسنة الشريفة، أما الفصل الخامس فكشف عن علاقة المسجد بالحوزة العلمية والمرجعية الشيعية وختم بكلام عن دور المعمم في المجتمع ومسؤوليات أئمة الجوامع, وإكمالاً للبحث عني الفصل السادس ببيان أهمية الأحكام الفقهية الواردة في الرسالة العملية وتمت فيها أيضاً الإجابة عن عدد من الأسئلة الإبتلائية المهمة المتعلقة بالمساجد، واختتم الكتاب بجمع أربعين حديثاً حول فضل المساجد وآدابها إكمالاً للفائدة ونيلاً لثواب جمع الأربعين حديثاً الواردة عن المعصومين ((عليهم السلام)).

ونأمل أن نكون بهذا الجهد القليل أمام عظمة الله سبحانه وتعالى ونعَمه قد أضفنا شيئاً جديداً ولو على سبيل ترتيب الأفكار إلى المكتبة الإسلامية الشيعية، نقدمه بين يدي محمد وآل محمد ((عليهم الصلاة والسلام))، راجين من الله سبحانه وتعالى أن ينفع به إخواننا المؤمنين العاملين في سبيل نيل رضاه سبحانه، ويكون في مصاف غيره من الأفكار المطروحة في الساحة الإسلامية والتي هي سببّ في حفظ رونق الإسلام من التشتت والضياع ببركة محمد وآله الطاهرين . . .

والحمد لله ربّ العالمين . .

13صفر الخير 1422

 

الفصل الأول

المسجد لغة واصطلاحا

المسجد لغةً واصطلاحاً

المسجد لغةً

مسجد : مصدر ميمي على وزن مَفْعل أو مَفْعَل كـ. . . . مَرْبد ومَشْهَد, والمسجد اسم مكان وهو محل السجود، وأصله من الفعل الثلاثي سَجَدَ.

وذكر صاحب مصطلحات الفقه : (مسجد : مصدر واسم لزمان السجدة ومكانها، ويعمُّ الأخير مكانها من الأرض ومكانها مع بدن الساجد)(5). ومما سبق يمكن أن نلحظ لفظة المسجد بلحاظين :

الأول : يقال مسجد ويراد به المكان أو المحل الذي يسجد عليه من الأرض كما هو واضح.

الثاني : ويراد بها محال السجود، أي مواضع السجود من بدن المصلي فيقال : هذا مسجد ومساجد.

وجاء في مجمع البحرين : (المسجد فتحاً وكسراً (مَسْجَد ومَسْجد) بيت الصلاة)(6).

وفي لسان العرب : (المَسْجد والمَسْجَد الذي يسجد فيه, وفي الصحاح واحد المساجد، وقال الزَحاج كل موضع يتعبد فيه فهو مسجد)(7).

وعن ابن العربي قال : ((مسجد ـــ يفتح الجيم محراب البيوت ومصلى الجماعات، مسجد بكسر الجيم والمساجد جمعها، والمساجد أيضاً الآراب التي يسجد عليها، والآراب السبعة مساجد)(8).

المسجد اصطلاحاً

أما في الاصطلاح الشرعي والمتشرعي فالمسجد : (هو المكان الخاص للصلاة والعبادة بصورة عامة والمسجد به عنوان اعتباري اخترعه الشارع المقدس أو أمضاه)(9).

ويعرفه الشيخ محمد حسن ـــ كما هو معروف ــــ مكان انعقاد الجماعة وهو من أفضل أماكن المصلي(10).

وما جاء في الراغب : (المسجد موضع الصلاة اعتباراً بالسجود. وقيل المساجد مواضع السجود، الجبهة، والأنف، والكفان والركبتان والرجلان)(11).

ومن ذلك يظهر أن أهل اللغة والاصطلاح يتفقون على أنّ كلمة المسجد بفتح جيمها وكسرها يدلان على مكان السجود أو على مواضع السجود السبعة من بدن المصلي الساجد.

ولا نطيل المقام في إشباع البحث بأمور لغوية وصرفية نخرج بها عن الهدف. وفيما أشرنا له الكفاية في بيان أصل الكلمة لغة واستعمالها اصطلاحاً.

الفصل الثاني

المسجد

في حياة المسلمين

مقدمة

سعت جميع الديانات السماوية وغيرها من الاعتقادات والأيديولوجيات وعلماء الاجتماع إلى بناء المجتمع الصالح، وكان هذا الهدف لبعض هذه الاتجاهات هو الهدف الأسمى من وجودها، لكنهم جميعاً اختلفوا فيما بينهم بطريقة اختيار أسلوب الوصول إلى ذلك الهدف رغم أن الجميع يرون أن الأسرة هي اللبنة والنواة الأساسية في المجتمع، لكنّ رؤاهم اختلفت في كيفية التعامل مع تلك اللبنة والنواة، فأهمل المعسكر الشرقي (بقيادة الشيوعية) الأسرة وحمل المجتمع فوق جميع المؤسسات التنظيمية المجتمعية، فذوبت الأسرة للوصول إلى مجتمع متكامل، وكانت النتيجة بأقل من مائة عام انهيار تلك السياسة وانهيار مجتمعها بالكامل، أما (الرأسمالية) فحملت الأفراد فوق رقبة المجتمع والأسرة فحطمتهما لأجل تلبية رغبات وشهوات افراد محدودين محاولة منها للوصول إلى تلبية رغبات جميع الأفراد وبالتالي تلبية رغبة المجتمع وبنائه وأنى لهم ذلك!!, إذ كانت النتيجة تكالباً وجرياً وراء رغبات النفس الأمارة بالسوء, وبالتالي شيوع الجريمة حتى أفادت إحصائية أمريكية باحتواء سجون أمريكا كل ستة ملايين مجرم في ست سنوات فقط.

أما الإسلام بتشريعاته الفذة ونظرياته التي حفظت للفرد حقه وللأسرة مكانتها وللمجتمع حقه فهو مؤهل لأن يصل بالمجتمع إلى الذروة وكان من بين هذه التشريعات واللبن الاجتماعية التي شرعت وأسست في الإسلام للوصول إلى بناء المجتمع الصالح هو : المسجد، فهو مكان تنفيذ الكثير من العبادات والطقوس والمناسبات التي لوحظ فيها الجانب الاجتماعي أو التجمعي والجمعي هذا من ناحية, ومن ناحية أخرى فللمسجد الريادة في توجيه وقيادة المسلمين وتوعيتهم وهدايتهم . . الخ، وستأتي الإشارة إلى كل فقرة مما ذكرنا كل في المكان المناسب.

التشريعات الاجتماعية في الإسلام

تتجلى مكانة المسجد في حياة المسلمين للقارئ عند معرفة أسلوب التشريع الإسلامي للعبادات وكذلك عند معرفة أساليب التبليغ والدعوة الإسلاميين، فقد ركز الإسلام ـــ في تشريعاته وأساليب هدايته للناس ـــ على الاجتماع أشد التركيز، قال الله سبحانه وتعالى :} وَلْتَكُن مِّنكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ{ (12)، فهذه هي أهم فريضة في الإسلام، ألا وهي الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فالأسلوب الأنفع فيها والذي فيه الفلاح كما عبر القرآن هو الأسلوب الجماعي } وَلْتَكُن مِّنكُمْ أُمَّةٌ{ (13)، ويمكن القول في الصدد أن السلوك الجمعي له أثر فعال في خلق ظرف موضوعي لتحقق ما مطلوب من ذلك التشريع بأقصر الطرق، لذلك فالأمر بالمعروف الجماعي له قوة في التأثير على المقابل أكثر من الأسلوب الفردي، قال الله تعالى في كتابه العزيز :} إِذْ أَرْسَلْنَا إِلَيْهِمُ اثْنَيْنِ فَكَذَّبُوهُمَا فَعَزَّزْنَا بِثَالِثٍ{ (14)، وما ذلك إلا لإحداث تيار عام في المجتمع بتكثير الآمرين بالمعروف والناهين عن المنكر أو إقامة الحجة أو غيرها من وجود الحكمة المحتملة. كما نلاحظ للسلوك الجمعي أثر في الصلاة نفسها، فلنأخذ مثلاً صلاة الجماعة لنرى وجداناً ما تخلقه الجماعة في الفرد من إقبال نحو الصلاة وانشداد إليها فيؤديها بصورة أفضل من ناحية الخشوع وحضور القلب مما لو أداها فرادى، ومن آثار السلوك الجمعي في صلاة الجماعة أيضاً ما نلاحظه من التأثر بالغير، فنرى ذلك مراراً وذلك عندما يسجد أحد المصلين بعد الصلاة شكراً فنجد المصلي الآخر يميل إلى السجود تأثراً به وما هذا إلا لانشداد المصلي إلى الجماعة وذوبانه فيها لأن الاشتراك الزماني والمكاني بين المسلمين له نفع كبير فيحصل بسببه اشتراك أو تجاوب قلبي أو نفسي في التكامل. ومن الأمثلة على ذلك أيضاً : أن الفرد قد يسمع شخصاً يقول لا إله إلا الله، فيميل نفسياً جداً أن يقول : لا إله إلا الله(15). وتصبح الجماعة كالفرد الواحد خاصة عند توافق حركاتها ووحدة مشاعرها وذلك كما في الأدعية عقب الصلوات، ومن هذا نجد التأكيد الكبير من الرسول((صلى الله عليه وآله)) والأئمة ((عليهم السلام)) على حضور الجماعة، فعن أبي عبد الله((عليه السلام)) عن آبائه ((عليهم السلام)) قال : اشترط رسول الله((صلى الله عليه وآله)) على جيران المسجد شهود الصلاة، وقال : ((لينتهين أقوام لا يشهدون الصلاة أو لآمرنّ مؤذناً يؤذن ثم يقيم ثم آمر رجلاً من أهل بيتي وهو علي ((عليه السلام)) فليحرقنّ على أقوام بيوتهم بحزم الحطب لأنهم لا يأتون إلى الصلاة))(16) وعن أبي جعفر ((عليه السلام)) أنه قال : ((لا صلاة لمن لا يشهد الصلاة من جيران المسجد إلا مريض أو مشغول)) (17)وعن زرارة والفضيل قالا : قلنا له أي الإمام الصادق ((عليه السلام)) : الصلاة في جماعة فريضة هي؟ فقال : ((الصلاة فريضة وليس الاجتماع بمفروض في الصلوات كلها. ولكنها سنة من تركها رغبةً عنها وعن جماعة المؤمنين من غير علة فلا صلاة له))(18) , ومن مجموع هذا نفهم أن مراد الشارع من الاجتماع لا يظهر لكل أحد فلم يذكر سبب الحث عليه دائماً في الأحاديث، فجاء الأمر به مجرداً عن السبب، لأن الشارع أعرف بمصلحة المكلف من نفسه، ونحن إذ عرفنا السلوك الجمعي وبعض آثاره على إيصال العبادة إلى المستوى المطلوب منها ربما يكون أحد الاطروحات لفهم سبب الحث على الاجتماع في التشريعات الإسلامية بهذا الكم الهائل والشديد, أي إن صفة الاجتماع(19) مأخوذة في الإسلام وفي تشريعاته وفي جميع ما يمكن أن يؤدي بهذه الصفة من النواميس والأحكام بحسب ما يليق بكل منها من أنواع الاجتماع أولاً وبحسب ما يمكن فيه من الأمر والحث الموصل إلى الغرض ثانياً، لذا ترى أن الشارع المقدس شرّع الاجتماع في الجهاد مثلاً إلى الحد الذي يكفي لنجاح الدفاع، وشرع وجوب الصوم ولازمه اجتماع الناس زماناً, وشرع وجوب الحج ولازمة اجتماع الناس زماناً ومكاناً، فكان (احتشاد الناس المحرمين في المسجد الحرام للطواف أو في الموقفين أو في منى أو غيرها لأداء فرائض الحج وواجباته، يعطي صورة واضحة عن احتشاد الناس في المحشر يوم القيامة, حين يقوم الناس لرب العالمين، للحساب والثواب والعقاب)(20) وما كان ذلك ليتأتى لولا صفة الاجتماع هذه إذ (إن الفرد إذا تذكر آخرته لم يبقَ بينه وبين الرغبة في الطاعة والارتداع عن المعصية أي عائق)(21). وأي هدف أسمي من هذا فهو غاية خلق الإنسان} وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلا لِيَعْبُدُونِ{ (22),((فما أعظم الحكم الإسلامي, وما أكبر نداء الإسلام الذي يستطيع أن يجمع هذه الآلاف . . في كل عام, وما أعظم الاخوة التي تشد بعضهم إلى بعض، بالرغم من تباعد البلدان وتشتت اللغات، إنها أخوة الهدف والعمل والعقيدة وهي أقوى الأخوّات وأرسخها في منطق الإنسانية والتاريخ))(23) .

فرأيت أن الإسلام اجتماعي في جميع شؤونه وتشريعاته وسيلةً أو هدفاً، قال تعالى في كتابه العزيز :} يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اصْبِرُواْ وَصَابِرُواْ وَرَابِطُواْ وَاتَّقُواْ اللّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ{ (24)، والمصابرة هي التصبر وتحمل الأذى جماعةً باعتماد صبر البعض على صبر آخرين فيتقوى الحال ويشتد الوصف ويتضاعف تأثيره بفعل الاجتماع، وهذا أثر محسوس في تأثير الفرد إذا اعتبرت شخصيته في حال الانفراد، وفي حال الاجتماع والتعاون بإيصال القوى بعضها ببعض، أما قوله (رابطوا) فهو أعم معنى من المصابرة وهي إيجاد الجماعة، والارتباط بين أقوالهم وأفعالهم في جميع شؤونهم أعم من حال الشدة وحال الرخاء(25).

أما إقامة الصلاة جماعة في المسجد فهي بما فيها من وجوب المتابعة تعطي معاني عديدة أهمها اشتراك المصلي في الاتجاه نحو الهدف المعنوي الحق، وكذلك تعطي معنى الالتزام بتنفيذ التعاليم والأحكام الصادرة من ذلك الإمام، أو تعطي معنى مشاركة المصلين وتعاونهم لما يستهدفه الإمام(26). فنجد أن الإسلام قرر لمجتمعه دستوراً اجتماعياً يقيه من دبيب الاختلاف المؤدي إلى الفساد والانحلال، فقد قال تعالى :} وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلاَ تَتَّبِعُواْ السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَن سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُم بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ{ (27).

ونظرة عامة إلى باقي تشريعات الإسلام التي أكدت على ضرورة الاجتماع نجد أن العامل المشترك لمكان أداء تلك التشريعات هو المسجد، فالصلوات اليومية وصلاة الجماعة وصلاة الآيات والعيدين وحتى الطواف وصلاته وأغلب مناسك الحج كالوقوف في عرفة والمزدلفة ورمي الجمرات في منى، وكل هذه المواقف داخلة في الحرم المكي، على ما ذكر في (ما وراء الفقه)(28)، بل حتى الجهاد فهو وإن كان ميدانه وساحته خارج المسجد إلا أن انعقاد راياته وتهيئة جيوشه كان مكانها المسجد (( على ما سيأتي إن شاء الله تعالى)) فالمسجد إذن هو المرتكز والأساس لظاهرة الاجتماع في الإسلام، لذا فإن كل غاية وهدف من غايات وأهداف الاجتماع في الإسلام، قد كان للمسجد مشاركة فيها.

مكانة المسجد في حياة المسلمين الأوائل

ولأجل أن تتحقق غايات وأهداف الإسلام والتي أخذ فيها الاجتماع بنظر الاعتبار(كما بيّنا)، فكان لابد أن يكون المسجد ـــ أو قلْ مكان الاجتماع ـــ هو هَمُّ مسلمي الصدر الأول وهَمُّ الرسول ((صلى الله عليه وآله)) في بداية الدُعوة الإسلامية بُعّيْدٍ الهجرة، وذلك عند تحقق الظروف الموضوعية لبنائه، لأنه سيكون الوسيلة النافعة في التبليغ ونشر الدعوة، وكذلك سيكون مقر القيادة المتمثلة بالرسول((صلى الله وعليه وآله))، قال ابن هشام في سيرته ما نصه : (قال ابن إسحاق : فأقام رسول الله ((صلى الله عليه وآله)) بقباء، في بني عمرو بن عوف، يوم الاثنين ويوم الثلاثاء ويوم الاربعاء ويوم الخميس، وأسس مسجده . . . ثم اخرجه الله من بين أظهرهم يوم الجمعة . . . فأدركت رسول الله((صلى الله عليه وآله)) الجمعة في بني سالم بن عوف، فصلاها في المسجد الذي في بطن الوادي، وادي رانوناء، فكانت أول جمعة صلاها بالمدينة . . .)(29), وذكر السيد العاملي في سيرة المصطفى : (وقيل مكث أربع عشرة ليلة ولعله الأقرب إلى الاعتبار وركب ناقته وحشد المسلون حوله عن يمينه وشماله بالسلاح وأدركته الجمعة في بني سالم بن . . . إلى أن قال : وأراده بنو سالم بن عوف على الإقامة عندهم في العدد والعدة والمتعة، فقال : خلوا سبيلها فأنها مأمورة لناقته وجعل كلما مر بحي من أحياء الأنصار يدعونه للإقامة عندهم في العدد والعدة والمتعة فيجيئهم بمثل ذلك حتى بركت على باب مسجده وهو يومئذ مربد(30) ليتيمين وهما سهل وسهيل ابنا عمرو في حجر معاذ بن عفراء فجعل الناس يكلمون رسول الله ((صلى الله عليه وآله)) في النزول عليهم فأحتمل أبو أيوب رحله فوضعه في بيته فقال رسول الله ((صلى الله عليه وآله)) المرء مع رحله ونزل عليه وسأل عن المربد فأخبره معاذ بخبره وقال سأرضي صاحبيه فأتخذه مسجداً، فأمر أن يبني مسجدا وكان في موضعه قبور للمشركين فأمر النبي((صلى الله عليه وآله)) بها فنبشت عظامها وألقيت وبني المسجد في موضعها، وعمل فيه رسول الله((صلى الله عليه وآله)) والمهاجرون والأنصار وقال قائلهم :

لئن قعدنا والنبي يعمل لذاك منا العمل المضلل

قال ابن هشام في سيرته : وارتجز علي ابن أبي طالب ((عليه السلام)) يومئذ :

لا يستوي من يعمر المساجدا يدأب فيها قائماً وقاعدا

ومن يرى عن الغبار حائدا

فأخذها عمار بن ياسر فجعل يرتجز بها فلما أكثر ظن رجل من أصحاب رسول الله ((صلى الله عليه وآله)) أنه إنما يعرض به . . . فقال : قد سمعت ما تقول منذ اليوم يا ابن سمية والله إني لأراني سأعرض هذه العصا لأنفك وفي يده عصا، فغضب رسول الله((صلى الله عليه وآله))، ثم قال : ((ما لهم ولعمار يدعوهم إلى الجنة ويدعونه إلى النار، إن عمار جلدة ما بين عيني وأنفي . . .))(31).

ومن الجدير بالذكر أن نعلم أنه على الرغم من ظروف الهجرة التي مر بها الرسول((صلى الله عليه وآله)) ومطاردة المشركين له والجهد الذي يبذله والألم والأخطار اللذان يحفان به وكونه على سفر، إلا إن ذلك كله لم يمنع من تفكيره في بناء وتأسيس مقومات وجود الحياة الإسلامية الجديدة بعد الهجرة ألا وهو المسجد لتدار دفة القيادة من خلف لبناته وجذوع النخل فيه، قال ابن إسحاق : فأقام رسول الله ((صلى الله عليه وآله)) بالمدينة إذ قدمها شهر ربيع الأول إلى صفر من السنة الداخلة، حتى بنى فيها مسجده ومساكنه، واستجمع له إسلام هذا الحي من الأنصار، فلم يبق دار من دور الأنصار إلا أسلم أهلها . . .)(32).

انتشار الدعوة الإسلامية

ومن ثم بدأ الرسول الأعظم((صلى الله عليه وآله)) بالدعوة إلى الله والإسلام خارج حدود المدينة وكانت دعوته من خلف تلك الأحجار المباركة لمسجد المدينة المنورة، وكان((صلى الله عليه وآله)) يقيم الجمعة والجماعة فيه، وكان يجتمع إليه المسلمون في ذلك المسجد, وبهذا الاجتماع قويت عرى الإسلام وانتشر في كل ارجاء المعمورة، حتى بلغ الخافقين، ولعل هذا الاجتماع في ذلك المسجد والمساجد الأخرى التي تلته زمانا كان علة لظهور وانتشار الإسلام، حيث ورد في علل الشرائع وعيون الأخبار عن محمد بن علي بن الحسين بإسناده عن الفضل بن شاذان عن الرضا ((عليه السلام)), قال : (( إنما جعلت الجماعة لئلا يكون الإخلاص والتوحيد والإسلام والعبادة لله إلا ظاهرا مكشوفا مشهودا، لأن في إظهاره حجة على أهل الشرق والغرب لله وحده، وليكون المنافق والمستخف مؤدياً لما أقر به يظهر الإسلام والمراقبة، وليكون شهادات الناس بالإسلام بعضهم لبعض جائزة ممكنة، مع ما فيه من المساعدة على البر والتقوى والزجر عن كثير من معاصي الله عز وجل))(33) وهذه الجماعة التي أشار إليها الإمام الرضا ((عليه السلام)) لم تتحقق قبل الهجرة إلى المدينة، بل كان أول تحققها بعد الهجرة عندما سنحت أول فرصة لها، ومكان تجمع هذه الجماعة بلا شك هو المسجد، كما أن كلام الإمام الرضا ((عليه السلام)) منطبق على أي تجمع في أي مسجد وفي كل الأزمان، وستأتي الإشارة إلى باقي مضامين الحديث في فقرات قادمة أو فصول لاحقه إن شاء الله تعالى.

المسجد مقر القيادة والتبليغ ومنطلق الجيوش

في عصر صدر الإسلام

بعد أن عرفنا أن الرسول((صلى الله عليه وآله)) كان يقضي الكثير من وقته في مسجده بالمدينة المنورة. فلا بد أن يكون المسجد عندئذ مكان أغلب القرارات والمشاورات التي كانت تحصل بين الرسول ((صلى الله عليه وآله)) والمسلمين والتي كان لها الأثر في إرساء دعائم الإسلام، فكان المسلمون يهرعون فيما يعتريهم من أمور إلى رسول الله في المسجد سواء للفصل بين خصوماتهم أو حل مشاكلهم أو إبلاغه بما يُشَكّل خطراً على الإسلام سواء من المنافقين داخل المدينة أو من الأعداء خارجها من مشركين ويهود، وكان رسول الله ((صلى الله عليه وآله)) يقيم الجماعة في المسجد فكان يستغل هذا الجمع لإبلاغ المسلمين أمراً ما أو يأمرهم بأمر ما.

فمنها : ما ذكره الطبري في تاريخ الأمم والملوك(34) : (( بعث رسول الله ((صلى الله عليه وآله)) جيش الأمراء فقال عليكم زيد بن حارثة فإن أصيب فجعفر بن أبي طالب فإن أصيب جعفر فعبد الله بن رواحة . . . إلى أن قال : فانطلقوا. فلبثوا ما شاء الله ثم أن رسول الله ((صلى الله عليه وآله)) صعد المنبر وأمر فنودي الصلاة جامعة, فاجتمع الناس إلى رسول الله ((صلى الله عليه وآله)) فقال : باب خير باب خير أخبركم عن جيشكم هذا الغازي أنهم انطلقوا فلقوا العدد فقتل زيدٌ شهيداً واستغفر له ثم أخذ اللواء جعفر فشد على القوم حتى قتل شهيداً فشهد له بالشهادة واستغفر له ثم أخذ اللواء عبد الله بن رواحة . . .))(35).

ومنها : ما قاله الطبري أيضاً : ((عن الفضل بن عباس قال جاءني رسول الله ((صلى الله عليه وآله)) فخرجت إليه فوجدته موعوكاً قد عصب رأسه فقال : خذ بيدي يا فضل. فأخذت بيده حتى جلس على المنبر ثم قال : ناد في الناس فاجتمعوا إليه فقال : أما بعد أيها الناس فإني أحمد إليكم الله الذي لا إله إلا هو وأنه قد دنا مني حقوق من بين أظهركم فمن كنت جلدت له ظهراً فهذا ظهري . . .))(36).

ومنها : أن الرسول ((صلى الله عليه وآله)) لما أمر الناس بالتهيؤ لغزو الروم دعا أسامة بن زيد فقال سر إلى موضع مقتل أبيك فأوطئهم الخيل فقد وليتك هذا الجيش ثم عقد لأسامة اللواء بيده ثم قال : أغز باسم الله، فتكلم قوم وقالوا يستعمل هذا الغلام على المهاجرين الأوليين, فغضب رسول الله((صلى الله عليه وآله)) غضباً شديداً فخرج وقد عصب على رأسه عصابة فصعد المنبر فحمد الله وأثنى عليه ثم قال : أما بعد، أيها الناس فما مقالة بلغتني عن غضبكم في تأميري أسامة ولئن طعنتم في إمارة أسامة فلقد طعنتم في إمارة أبيه من قبله وأيم والله أن كان للإمارة لخليقاً وأن ابنه من بعده لخليق للإمارة ثم نزل فدخل بيته))(37).

إذن ففي هذه الموارد الثلاثة المذكورة في التاريخ ما يدلل على أن المسجد أداة لتبليغ المسلمين بكل أمر هام، حتى لو استلزم الأمر أن ينادي عليهم للتجمع في المسجد في غير أوقات الصلاة كما في الأخبار المتقدمة. وفي نفس الصدد ما فعله أمير المؤمنين ((عليه السلام)) وقد ورد عن جماعة, منهم ابو الفضيل(38) قال : جمع علي الناس في الرحبة يعني رحبة مسجد الكوفة فقال : انشد الله كل من سمع رسول الله ((صلى الله عليه وآله)) يقول يوم غدير خم ما سمع لما قام. فقام ناس كثير فشهدوا حين أخذ بيده فقال للناس : أتعلمون أني أولى الناس بالمؤمنين من أنفسهم؟ قالوا نعم يا رسول الله. قال : من كنت مولاه فعلي مولاه اللهم والي من والاه وعاد من عاداه))(39)، وهكذا رأى أمير المؤمنين ((عليه السلام)) أن المكان الأنفع لإيصال أمر الولاية إلى الناس وإفهامه إياهم وتثبيته والأشهاد عليه هو المسجد, والشواهد كثيرة على ذلك وقد غصت بها الكتب التاريخية ولا تخفى على المتتبع, نذكر منها تيمناً بذكر محمد وآل محمد ((عليهم الصلاة والسلام)) ما نقل عن أبي سعيد الخدري : إشتكى الناس علياً فقام رسول الله((صلى الله عليه وآله)) فينا خطيباً (أي في المسجد) فسمعته يقول : ((ايها الناس لا تشكون علياً فو الله انه لأخشن في ذات الله أو في سبيل الله من أن يشكى))(40). أما ما يخص أمر تجييش الجيوش وتهيئتها وعقد راياتها في المسجد فهو مما يحفل به التاريخ ايضاً.

فمنها : أن الرسول ((صلى الله عليه وآله)) بعث عيناً(41) له لمعرفة أخبار المشركين قبل غزوة أحد، وعندما جاءه بخبره وأنهم ثلاثة آلاف قال له : (( لا تذكر من شأنهم حرفاً حسبنا الله ونعم الوكيل اللهم بك أحول وبك أصول))(42) وباتت وجوه الأوس والخزرج سعد بن معاذ وأسيد بن حضير وسعد بن عبادة ليلة الجمعة وعليهم السلاح في المسجد بباب رسول الله ((صلى الله عليه وآله)) حتى أصبحوا خوفاً من تبييت المشركين, وحرست المدينة تلك الليلة, فلما كان الصباح صعد النبي ((صلى الله عليه وآله)) المنبر وقال : رأيت البارحة في منامي أني دخلت يدي في درع حصينة ورأيت بقراً تذبح ورأيت في ذباب سيفي ثلماً وأني أردفت كبشاً, وأولتها : أما الدرع الحصينة فالمدينة وأما البقر فناس من أصحابي يقتلون وأما الثلم فرجل من أهل بيتي يقتل, وأما الكبش فكبش الكتيبة يقتله الله فإن رأيتم أن تقيموا بالمدينة وتدعوهم حيث نزلوا فإن أقاموا أقاموا بشّر مقام وإن دخلوا علينا قاتلناهم فيها فأنا أعلم بها منهم))(43)، وهكذا فقد عبأ الرسول ((صلى الله عليه وآله)) في هذه الخطبة المسلمين معنوياً وأخبرهم بأن احتمال النصر كبير وعلى كلا الاحتمالين الخروج أو الانتظار, وكان كل ذلك في المسجد.

ومنها : ما سبق غزوة حمراء الأسد, حيث أنصرف رسول الله ((صلى الله عليه وآله)) من صلاة الصبح أمر بلالاً أن ينادي في الناس أن رسول الله ((صلى الله عليه وآله)) يأمركم بطلب عدوكم . . .))(44).

ومنها : ((ما أخرجه ابن أبي حاتم وإبن مردويه في الدر المنثور عن جابر بن عبد الله ((رضي الله عنه)) قال : نزلت هذه الآية على رسول الله ((صلى الله عليه وآله)) وهو في المسجد :} إِنَّ اللّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُم بِأَنَّ لَهُمُ الجَنَّةَ{ (45) فكبر الناس في المسجد فأقبل رجل من الأنصار ثانياً طرفي ردائه على عاتقه فقال : يا رسول الله أنزلت هذه الآية؟

فقال : نعم، فقال الأنصاري : بيع ربيح لا نقيل ولا نستقيل))(46).

ومنها : ما ورد من خطب أمير المؤمنين ((عليه السلام)) في الحث على الجهاد أو في أمره لأتباعه بالخروج إلى أعدائهم أو استنهاضه لهم وما مكان إطلاق تلك الخطب إلا المسجد، ونذكر منها : ((أما بعد : فإن الجهاد باب من أبواب الجنة، فتحه الله لخاصة أوليائه، وهو لباس التقوى، ودرع الله الحصينة، وجنته الوثيقة، فمن تركه رغبة عنه ألبسه الله ثوب الذلّ . . . وهذا أخو غامد قد وردت خيله الأنبار، وقد قتل حسان بن حسان البكري، وأزال خيلكم عن مسالحها. ولقد بلغني أن الرجل منهم كان يدخل على المرأة المسلمة، والأخرى المعاهدة، فينتزع حجلها و . . .))(47) ومنها نعرف أن أمير المؤمنين((عليه السلام)) يستغل تجمعهم في المسجد ويستنهضهم لقتال الأعداء، وبهذا القدر الكفاية في بيان مكانه المسجد في حياة المسلمين في صدر الإسلام.

المسجد في عصر الدولتين الأموية والعباسية

لسنا بصدد البحث عن المسجد تاريخياً عبر العصور لأن ذلك يحتاج إلى دراسة موسعة، كما أن نفس البحث التاريخي عن كل ما يتعلق بالمساجد ليس من أهداف هذا الكتاب، وإنما يمكن لنا بنظره شمولية على تاريخ المساجد في عصر الدولتين الأموية والعباسية أن نعرف أنها توسعت وتطورت من ناحية العمران والعدد إلا إن دورها الريادي في حياة المسلمين في تلك الفترة لم يكن كما.كان في عصر صدر الإسلام وحتى العام الهجري الأربعين ـــ عام استشهاد أمير المؤمنين ((عليه السلام)) ـــ وهذا له عدة أسباب, منها :

1ـــ انتقال الخلافة الدنيوية بعد استشهاد أمير المؤمنين ((عليه السلام)) إلى معاوية بن أبي سفيان وهو غني عن التعريف بانحرافه عن الإسلام, فمن الطبيعي أن لا يساهم في تركيز دور المسجد في حياة المسلمين، وجرى على سيرته تلك من تبعه من حكام بني أمية وبني العباس.

2 ـــ كانت دفة الحكم تدار من قصور بني أمية وبني العباس المترفة فحصل استغناء منهم عن المسجد.

3 ـــ اغلب أوقات الحكام والولاة تقضى في السهر والمجون حتى عندما يجلسون لقضاء أمور الدولة، لذا تراهم يجلسون في غير المسجد لعدم جرأتهم عليه، بل أن همة أجرئهم دون ذلك بكثير.

4 ـــ سوء الظن الحاصل عند الناس بالحكام ساهم في انحسار دور المسجد في حياة المسلمين لأن الغالب كون أئمة المساجد والقيمين عليها من قبل الحكام والولاة المنحرفين.

ومن هذا نعرف أن مسألة كون المسجد وسيلة ارتباط الإنسان بقيادته قد انتهت في هذين العصرين. أما من ناحية وظائف المسجد الأخرى فإن ذلك كله لم يمنع الناس من تقديس المسجد واحترامه وحضور الصلاة فيه فرادى أو حتى جماعة في ظل ظروف التقية المكثفة التي كان يعيشها قادة المسلمين الحقيقيون وأشياعهم واتباعهم، ولكنهم عرفوا كيف يميزو ما يطرح في المسجد من أخطاء، فمثلاً عرف المسلمون في بداية العصر الأموي أن الصلاة في المسجد مستحبة, لكن سبّ أمير المؤمنين ((عليه السلام)) على المنبر في المسجد خطأ وهو غير مقبول عندهم وعلّموا ذلك للأجيال اللاحقة(48). ولم يخل الذي حضر منهم في المسجد أن يصيب إحدى الخصال الثمان التي سيأتي ذكرها في الفصل الثالث، بل ومن ناحية أخرى نرى ارتباط المسلمين بالمسجد قد بلغ أوجه وذلك من الناحية العلمّية والدراسية وخاصة في الفترة ما بين نهاية العصر الأموي وبداية العصر العباسي وهي فترة ضعف الدولتين، كما أنها فترة إمامة الإمامين الباقر والصادق((عليهما السلام))، فقد روى المجلسي في بحاره أن الإمام الباقر ((عليه السلام)) كان جالساً في المسجد النبوي فجلس إليه أبو حنيفة ليسأله عن مسائل(49). وروى المفيد في الأرشاد : أن ابن أبي العوجاء وابن طالوت في نفر من الزنادقة كانوا مجتمعين في الموسم بالمسجد الحرام وأبو عبد الله جعفر بن محمد ((عليه السلام)) فيه إذ ذاك يفتي الناس ويفسر لهم القرآن ويجيب عن المسائل بالحجج والبينات(50)، وكذلك اختص فريق من فقهاء الشيعة بمساجد يدرّسون فيها طلبتهم، مثل جعفر بن بشير الوشاء، وهو من زهاد الشيعة وعبادهم وله مسجد بالكوفة ومات رحمهُ الله سنة ثمانية ومائتين وقد روى عن الثقاة ورووا عنه(51). وكذلك أبان بن تغلب الحريري الذي قال له الإمام الباقر ((عليه السلام)) : (( أجلس في مسجد المدينة وأَفت الناس، فإني أحب أن يرى في شيعتي مثلك))(52)، وكذلك معاذ بن مسلم الفراء النحوي الذي قال له الإمام الصادق((عليه السلام)) : ((بلغني أنك تقعد في الجامع فتفتي الناس، قال : قلت : نعم كنت أقعد فيجيء الرجل فيسألني عن الشيء، فإذا علمته بالخلاف لكم أخبرته بما يقولون، ويجيء الرجل أعرفه بحبكم ومودتكم فأخبره بما جاء عنكم، ويجيء الرجل لا أعرفه فأقول جاء عن فلان كذا، فأدخل قولكم فيما بين ذلك فقال لي ـــ اصنع كذا ـــ ))(53) وقد اشتهر في تلك الفترة نظام الحلق في التدريس أي الحلقات في المصطلح المعاصر، على أنها كانت معروفة من أيام الرسول((صلى الله عليه وآله وسلم)) الذي قال : ( إذا مررتم برياض الجنة فارتعوا، فقالوا يا رسول الله وما رياض الجنة؟ قال : حلق الذكر، فأن لله تعالى سيارات من الملائكة يطلبون حلق الذكر، فإذا أتوا عليهم حفوا بهم))(54)، وقد استمر نظام الحلقات هذا في الجوامع حتى عصر الإسماعيلية الذين كانوا يتبعونه في مساجدهم، فقد روى المقريزي ((أن أول مسجد أسس بالقاهرة كان في سنة 359هـ في عهد المعّز لدين الله، وفي سنة 378هـ سأل العزيز بالله ابن كلس في صلة رزق الفقهاء، فأطلق لهم ما يكفي كل واحد منهم، وأمر لهم بشراء دار وبنائها فبنيت بجانب الجامع، فإذا كان يوم الجمعة حضروا إلى الجامع وتحلقوا(55) فيه بعد الصلاة إلى أن تصلي العصر))(56)، وما زال نظام الحلقات في التدريس معمولاً به إلى زماننا هذا في الحوزة العلمية في النجف الأشرف. وسيأتي في فصل قادم إن شاء الله, الحديث عن علاقة الحوزة العلمية بالمساجد من ناحية الدراسة ومن نواح أخر.

وقد كان للإمامين الباقر والصادق ((عليهما السلام)) اليد الطولى في بث العلوم بمختلف أنواعها فأخذ يتناقل كلماتهم الركبان فلا تكاد تخلو من ذكرهم حلقة دراسية في أي جامع من جوامع الدولة الإسلامية فضلاً عن مكة والمدينة والكوفة، ومما يؤكد ذلك قول الوشاء : دخلت مسجد الكوفة فوجدت تسعمائة شيخ كل يقول حدثني جعفر بن محمد ((عليه السلام))، وهذا يعني أن كل هؤلاء التسعمائة قد استقَوا علومهم من الإمام الصادق ((عليه السلام))، فمن هذا نعرف إلى أي مدى كان المسجد يمثل مصدر النور في حياة المسلمين سيما لو عرفنا أن هؤلاء التسعمائة هم جملة الفكر الإسلامي الحضاري في مختلف حقول العلم والمعرفة بما فيها العلوم الطبيعية كالطب والفلك والكيمياء، والذي اصبح فيما بعد أساس الحضارة الغربية بعد مرور المسلمين بفترة السبات بعد غزو المغول لبغداد وسقوط الدولة العباسية بيد التتار عام 656 هــ ، لكن الحوزة العلمية في النجف الأشرف في ذلك الحين كانت قد تأسست ترفل بالعلماء الأعلام، وذلك في القرن الرابع الهجري وما تلاه, فمن الكليني والكشي ثم الطوسي والنجاشي إلى الطبرسي صاحب معجم البيان وبعدهم جاء المحقق الحلي والعلامة، لكنهم كلهم لم يكونوا بالصفة التي يقودون الحياة الإسلامية من خلالها نظراً لظروف التقية المكثفة وانشغالهم بتأسيس معالم المذهب التي كادت أن تندثر بعد وقوع الغيبة الكبرى في القرن الثالث الهجري، ونعم ما فعلوا ولله الحمد، إذ لولا جهودهم لاختلط الحابل بالنابل وما هذا إلا بتوفيق لله سبحانه وتعالى طبعاً. المهم في المسألة أن الحياة الاجتماعية في تلك الفترة كانت متراجعة عما يراد منها أن تكون عليه، ومن الطبيعي أن يكون المسجد في حينها قد أسدل دونه الستار وغاب عن مسرح الحياة نوعاً ما لعدم وجود القيادة التي توظفه لأداء دوره المطلوب منه واستمر الوضع هكذا إلى أن نشطت الحوزة من الناحية الاجتماعية شيئاً فشيئاً ووضعت نظريات الإسلام في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر موضع التطبيق, فكان المسجد عندها جاهزاً ليكون وسيلة تنفيذ تلك النظريات وهكذا كان، وسيأتي بيان ذلك مفصلاً في الفصل الخامس من هذا الكتاب إن شاء الله تعالى.

الفصل الثالث

الفوائد الدينية والاجتماعية

للحضور في المساجد

الفوائد الدينية والاجتماعية(57) للحضور في المساجد

مقدمة

قال الصدوق في باب الثمانية من كتابه(الخصال) : حدثنا أبي رضي الله عنه قال : حدثنا سعد بن عبد الله عن يعقوب بن يزيد بن محمد بن أبي عمير عن إبراهيم بن عبد الحميد عن سعد الاسكاف عن زياد بن عيسى عن أبي الجارود عن الأصبع بن نباته عن أمير المؤمنين ((عليه السلام)) قال : كان يقول : ((من اختلف إلى المساجد أصاب إحدى الثمان أخاً مستفاداً في الله أو علماً مستظرفاً أو آية محكمة أو رحمة منتظرة أو كلمة ترده عن ردى أو يسمع كلمة تدله على هدى أو يترك ذنباً خشيةً أو حياءً))(58)، ونقل الصدوق أيضاً حديثاً آخر بلفظ مقارب عن الحسن بن علي ((عليه السلام)) عن الرسول الاكرم ((صلى الله عليه وآله))، ومنهما نفهم بصورة عامة الفوائد المترتبة على الحضور في المساجد وهي كما ترى في الحديث فردية في قسم منها وجماعية في القسم الآخر, ويمكن الدخول تفصيلياً في كلا القسمين كل على حدة :

الفوائد الفردية

يفهم من الحديث المتقدم أن المكثر في حضوره إلى المسجد لابد أن يصيب إحدى الخصال الثمان المذكورة على أقل تقدير وقد يصيب أثنين أو أكثر أو جميعها,وطبعاً فان هذه الخصال تنعكس أولاً وبالذات على نفس الفرد المؤمن ثم هي بالتالي تكون ثابتة الفائدة للمجتمع لان المجتمع متقوم بأفراده, لكن هناك خصال – سواء استفيدت من الحديث أو من غيره كما سيأتي- يلحظ فيها الفائدة الجماعية أكثر من الفائدة الفردية فنؤجل ذكرها إلى الفقرة القادمة إن شاء الله تعالى.

وعود على بدء نقول أن الفوائد الفردية يمكن حصرها بعدة جوانب :

اولاً : الجانب الاخلاقي والروحي :

الحضور إلى المساجد باعتباره إطاعة للأمر الإلهي الذي يحث على الحضور في المساجد ـــ كما سيأتي في فصول قادمة جملة من الآثار الدالة على ذلك ـــ فهو قد وفّر فرصة للعبد المؤمن في التقرب إلى الله سبحانه والتدرج في مدارج الكمال والرقي الروحيين, لذلك فالحضور في المساجد فرصة من فرص تهذيب النفس بغض النظر عن الفوائد الاخرى المتحصلة والتي سيأتي ذكرها, قال أمير المؤمنين ((عليه السلام)) : ((الجلسة في الجامع خير لي من الجلسة في الجنة، لأن الجنة فيها رضى نفسي والجامع فيه رضا ربي))(59). وعن عثمان بن مظعون انه قال لرسول الله ((صلى الله عليه وآله)) : اني اردت أن اترهب. قال : لا تفعل يا عثمان فإن ترهب امتي القعود في المساجد انتظار الصلاة بعد الصلاة(60). والمعروف أن كون الجلوس في المسجد فيه رضى الله لأجل أن الله أمر بالحضور فيه بغض النظر عن سبب هذا الأمر وعلته، فالحضور الذي يكسب الروح الرقي والكمال هو الحضور تنفيذاً للأمر الإلهي فحسب بغض النظر عن الغايات الأخروية والاجتماعية الأخرى فضلاً عن الغايات الدنيوية(61)، ويشير إلى ذلك أيضاً حديث الخصال المتقدم بقوله ((عليه السلام)) ((أو رحمة منتظرة)) وعليه كانت المساجد ذات تأثير وضعي أو موضوعي في زيادة التقرب المعنوي إلى الله تعالى والخشوع له والتضرع إليه(62).

وفي المحاسن للبرقي عن أبي عبد الله ((عليه السلام)) قال : ((من اقام في مسجد بعد صلاته انتظاراً للصلاة فهو ضيف الله وحق على الله أن يكرم ضيفه))(63).

ثانيا ً: الجانب التربوي

يمثل مسجد المنطقة النواة الاجتماعية الثانية بعد الأسرة، فعلى علماء التربية أن يضعوه في حساباتهم عندما يقننون القوانين العصرية في التربية المستوحاة من القرآن وكلام المعصومين ((عليهم السلام)), وتزداد أهميته بعد أن نعرف تراجع كثير من الأسر ـــ باعتبارها النواة الاجتماعية الأولى وعلى عاتقها تقع مسؤولية تربية الفرد ـــ عن الدور المرسوم لها من قبل الشرع المقدس، وقد أشار إلى جملة من هذا التراجع الشيخ الفلسفي في كتبه(64)، كما أن هناك بعض الجرعات التربوية المعمقة تعجز عن إعطائها الأسر الاعتيادية لأبنائهاٍٍٍ، فيضطلع بها المسجد الذي مازال يركزّ في نفوس مرتادية حب الله والتجرد عن الدنيا ونبذ العادات السيئة كالكلام الفاحش والتنابز بالألقاب والمزاح الفاحش والتغلب على الأمراض النفسية كالبخل والحرص والغرور والغضب والتكبر والعجب والرياء وحب النفس(65), والتحلي بالأخلاق الفاضلة كالأثره والصبر والحلم والشجاعة والكرم والعطف واللين والتسامح والتواضع وحب الخير للآخرين وغيرها من الأمور وبهذا تكتمل شخصية الفرد المؤمن فنراه بعدئذ يختط لحياته خطاً مغايراً للذي بدأها به وينعكس ذلك واضحاً منه على علاقاته الاجتماعية وعلى أسرته، بل نراه يرجع إلى أسرته التي لم تعطه ما أعطاه المسجد فيفيض عليها مما رزقه الله من فيوضاته في المسجد, وقد رأينا ذلك واضحاً عند الكثير من إخواننا المؤمنين الذين حضروا إلى المسجد بعد تأسيس صلاة الجمعة في العراق(66) والذين حملوا المشعل التربوي من المساجد وادخلوه الى بيوتهم وإلى اخوانهم وزوجاتهم وأمهاتهم وآبائهم, والى ذلك أشار حديث الخصال المتقدم بقوله ((عليه السلام)) : أو كلمة ترده عن ردى أو يسمع كلمة تدله على هدى، فالحمد لله على جميع نعمه وجزيل إحسانه.

ثالثاً : الجانب العلمي والثقافي

وينقسم الكلام في مسألة استزادة الفرد المؤمن في حضوره في المسجد علمياً وثقافياً إلى عدة محاور :

المحور الأول : الاستفادة من الدروس الفقهية وما يتخللها من مواعظ أخلاقية أو التفاتات ثقافية ودينية لمحاربة البدع والحركات المضللة كحركة الوهابية.

المحور الثاني : الاستفادة من الاستفتاءات المطبوعة أو المستنسخة والتي يتبادلها مرتادو المسجد، أو طرح أسئلة واستفتاءات لإمام المسجد(67) فيجيب على قسم منها ويؤجل القسم الآخر الى حين رجوعه من النجف الاشرف، ويشير إلى ذلك حديث الخصال في مقدمة الفصل بقوله (أو آية محكمة ).

المحور الثالث : الاستفادة من الأخوة المؤمنين باستعارة بعض الكتب والمجلات والكاسيتات التي تثقف الفرد المؤمن وتعلمه أمور دينه سواء كانت في أصول الدين(68) أو فروعه أو كتب التاريخ وسيرة الرسول ((صلى الله عليه وآله)) وسير أهل البيت ((عليهم السلام))، ويشير إلى ذلك حديث الخصال في مقدمة الفصل بقوله (أو علما مستظرفا) وكل هذه المحاور مما له أثر في إعداد شخصية المؤمن الرسالي الذي يعي مسؤوليته التي خلقه الله من أجلها، لا مجرد أنه جاء ليأكل وينام وينكح،} إِنْ هُمْ إِلاّ كَالأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلاً . .{ (69)

رابعاً : الجانب الانتمائي والارتباطي

حيث أن عدم انتمائية الفرد تعني عصاميته وغروره وعدم خضوعه لجهة معينة، أما شعوره بأنه منتمي إلى وجود وكيان أكبر منه وأقوى منه وهو الله سبحانه وتعالى متمثلاً بالدين الإسلامي ومذهب أهل البيت فهذه غاية يجب أن يسعى لها كل أحد، والمسجد عندئذ هو حلقة الربط في انتمائه هذا، لأنه في زمان الغيبة الكبرى أصبح من خالف هواه وأطاع أمر مولاه من الفقهاء(70) هو الذي أمر الإمام الحسن العسكري ((عليه السلام)) بوجوب تقليده والرجوع له في كل صغيرة وكبيرة، وهذا الفقيه أو المرجع له وكلاء منتشرون في المسجد.

وعليه فقد وفر لنا المسجد جانب ارتباطنا بحوزتنا وانتمائنا لها(71).

الفوائد الجماعية

وهي الفوائد المتحصلة من الحضور الجماعي في المسجد أو حتى الفوائد الفردية بجوانبها الأربعة المتقدمة لو وظفها الفرد في خدمة أسرته ومجتمعه فستصبح بالنتيجة فائدة جماعية من فوائد الحضور في المساجد، فمثلاً علم أهله ومجتمعه ما تعلمه من أخلاق تهذبت روحه بها، أو ربى أبناءَه بالأسس التربوية التي تعلمها في المسجد أو نقل لهم ما استعاره من أخوته المصلين من كتب ومجلات واستفتاءات أو ربطهم بحوزتهم وبمقلدهم فهو بهذا حصل على الفائدة الفردية من جهة وحولها إلى فائدة اجتماعية أو جماعية من جهة أخرى.

أما الفوائد الاجتماعية والجماعية البحتة أو المباشرة فهي :

أولا : تقوية الأواصر الأخوية الإيمانية بين أفراد المجتمع عند حضورهم في المساجد، وإحساسهم بقوة الإسلام، ووحدة صف المسلمين ويوحى بهذا صلاة الجماعة أو الجمعة وكذا الآيات والعيدين والطواف وصلاة الطواف جماعة والتي هي من أبرز مظاهر الوحدة وقوة الإسلام والمسلمين. وتدلل على اهتمام الإسلام وتشريعاته بنظام الكيان الموحد والروح الجماعية.

ثانياً : الترابط الاجتماعي بين المسلمين من خلال تعرف بعضهم على بعض، ويشير إلى ذلك حديث الخصال في مقدمة الفصل، وذلك بقوله ((عليه السلام)) : ((أخا مستفادا في الله))(72)، وبالتالي التزاور فيما بينهم والتوصل إلى حل المشاكل والقضايا التي تهم منطقتهم ومجتمعهم كمساعدة الفقراء والمحتاجين، وإنجاز المشاريع الخيرية ذات المصلحة العامة خاصة في القرى والأرياف كالطرق والأنهار وغيرها.

ثالثاً : حصول الاستقرار والسكون في نفس الإنسان المؤمن عند لقائه بإخوانه في المسجد، ويدل على ذلك قول الإمام الصادق ((عليه السلام)) : ((أن المؤمن ليسكن إلى المؤمن كما يسكن الضمآن إلى الماء البارد))(73).

رابعاً : مهمة الامر بالمعروف والنهي عن المنكر والتي أشار إليها الإمام أمير المؤمنين ((عليه السلام)) بقوله ((أو كلمةً ترده عن ردى أو يسمع كلمةً تدله على هدى))(74)، فهي من الأمور المتحصلة عند الحضور إلى المسجد ولعل المسجد أوضح مصداق لتطبيق هذه المهمة، أو من المفروض أنهم جاءوا لطلب رضا الله فهم لا يخافون في الله لومة لائم.

خامساً : يعتبر المسجد المشخص الأول لما موجود في المجتمع من سلبيات لأنه ملتقى كل الطبقات وإليه ترد جميع أنواع السلبيات والمشاكل، وبذلك فالتوجيهات بخصوص هذه المشاكل تصدر منه، لذا فالمجتمع ميدان لتطبيق ما يأمر به المسجد(75).

سادساً : إطلاع المسلمين على القضايا المعاصرة التي تهمهم خاصة تلك التي تهدد كيان الإسلام ووحدته، لذا فالمسجد يربي المجتمع للاهتمام بأمور المسلمين وقد ورد في الحديث : ((مَن أصبح ولم يهتم بأمور المسلمين فليس بمسلم))(76).

سابعاً : المسجد يزرع روح الأخوة الحقيقية والمسؤولية المشتركة فيما يتعرض له الإسلام من تحديات داخلية وخارجية، وهو بهذا يمثل دعوةً للتقريب بين المذاهب الإسلامية، قال أحد العلماء(77) : تربط الأمة الإسلامية ثلاث أواصر : إله واحد، وكتاب واحد، وقبلة واحدة ـــ ولا يخلو من هذه الثلاثة مسجد ـــ يَفدُ إليها المسلمون من أقطار الأرض كل عام ليعبدوا هذا الإله الواحد بتلك الشريعة الواحدة، على أرض واحدة، هي أرض الوطن الروحي، وهكذا تجسدت وحدة العقيدة ووحدة الشريعة، ووحدة الوطن الأعلى ليذكر المسلمون أنهم وإن تفرقت أقطارهم واختلفت أنسابهم وألسنتهم وألوانهم، تجمعهم جامعة الدين والله والوطن، وإنه إذا جَدَ الجَد وجب أن يضحي كل فريق منهم بمصالحه الخاصة في سبيل المصلحة المشتركة(78).

ثامناً : يمثل المسجد جهة إعلامية مرعبة لأعداء الإسلام، وذلك لأنه المبرز لنقاط القوة في الدين الإسلامي والتي تميزه عن باقي الأديان والاعتقادات والأيديولوجيات وهذه النقاط متمثلة بالأسلوب الاجتماعي في التشريع والدعوة وكما قلنا فيما سبق فإن مكان تنفيذ هذه الأساليب هو المسجد، هذا من ناحية, ومن ناحية أخرى فهو جهة إعلامية مهمة في تحسين سمعة الدين الإسلامي وترغيب أفراد باقي الأديان للدخول فيه.

تاسعاً : المسجد وسيلة مهمة لتقليل الفوارق الطبقية الاجتماعية والاقتصادية بين أفراد المجتمع ولعل أوضح مصداق من المساجد في تطبيق هذه الفائدة هو المسجد الحرام وذلك أثناء مراسيم الحج حيث اللباس الواحد والحركة الواحدة.

عاشراً : ونختم الفوائد الاجتماعية للمساجد بفائدة كبيرة ومهمة ومؤثرة في نشر الوعي والإيمان داخل صفوف المجتمع، ألا وهي إحياء الشعائر الدينية كذكرى استشهاد أبي عبد الله الحسين ((عليه السلام)) وكذلك مناسبات وفيات وولادات المعصومين ((عليهم السلام)) وكذلك المناسبات الإسلامية الأخرى كالبعثة النبوية والإسراء والمعراج وليالي القدر في شهر رمضان وغيرها. والكل قد لمس بنفسه ما لهذه المناسبات وإقامتها في المسجد من أثر طيب عليه، وما تركته من ذكريات مؤنسة في حياته، وما أعطته إياه من دروس وعبر(79)، وقال تعالى : } ذَلِكَ وَمَن يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِن تَقْوَى الْقُلُوبِ{ (80).

المسجد راية

اصبح المسجد بعد الذي عرفناه عنه في فوائده الفردية والجماعية بمثابة الثغر الذي فيه ينظم المسلمون صفوفهم ويقوون إيمانهم ضد اعدائهم حتى أن المرابطة في الآية الكريمة} يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اصْبِرُواْ وَصَابِرُواْ وَرَابِطُواْ وَاتَّقُواْ اللّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ{ (81) والتي هي أوضح مصاديقها ساحة القتال فُسَّرت في حديث عن الرسول ((صلى الله عليه وآله)) بالمسجد فقد جاء في وصيته ((صلى الله عليه وآله)) لابي ذر : يا ابا ذر إن الله يعطيك ما دمت جالساً في المسجد بكل نفس تتنفس فيه درجة في الجنة وتصلي عليك الملائكة ويكتب لك بكل نفس تنفست فيه عشر حسنات ويمحو عنك عشر سيئات، يا ابا ذر اتعلم في أي شيء نزلت هذه الآية} اصْبِرُواْ وَصَابِرُواْ وَرَابِطُواْ وَاتَّقُواْ اللّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ{ (82)، قلت : لا، قال : في انتظار الصلاة خلف الصلاة، يا ابا ذر اسباغ الوضوء على المكاره من الكفارات وكثرة (الاختلاف إلى المساجد) انتظار الصلاة بعد الصلاة فذلكم الرباط، يا ابا ذر كل جلوس في المسجد لغو الا ثلاثة قراءة مُصلًّ أو ذاكر الله تعالى أو مسائل في علم(83).

لقد أدرك أعداء الدين والإسلام ومنذ زمان بعيد هذه الفوائد الدينية والاجتماعية للمسجد وعرفوا من خلالها بأن المسجد بالنسبة للدين الإسلامي بمثابة الراية إلى الجيش فحاولوا بشتى الوسائل الإيقاع بتلك الراية لينهار الجيش كله وحاولوا ذلك بشتى الوسائل الخبيثة المتاحة لهم، فكانت محاولاتهم تلك وردّها من قبل الخلّص من المسلمين سجالاً على مر التاريخ :} كُلَّمَا أَوْقَدُواْ نَارًا لِّلْحَرْبِ أَطْفَأَهَا اللّهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الأَرْضِ فَسَادًا وَاللّهُ لاَ يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ{ (84)، وكانت محاولاتهم تلك على محورين:

الأول : من ناحية هدم أبنية الجوامع والسعي في خرابها على شكل هجوم عدواني مباشر أو تحت ذرائع أخرى واهية غير متسمة ظاهراً بالعدوانية، ومن ذلك ما فعله الحجاج الثقفي عندما رمى الكعبة المشرفة بالمنجنيق وهدمها خدمة لأغراض وأهداف الأمويين ومحاولاتهم في إطفاء نور الله سبحانه} وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّن مَّنَعَ مَسَاجِدَ اللّهِ أَن يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ{ (85).

والثاني : محاولة تفريغ الجامع من دوره الحقيقي عن طريق عرقلة كل الفوائد المتقدمة الذكر، بمنع الآذان مرة ومنع الصلاة أخرى أو مضايقة الأفراد البارزين المرتادين لتلك الجوامع أو محاربة الأفكار المؤثرة في المجتمع والتي يبثها المسجد عن طريق إذكاء نقائضها وبث الإشاعات ضدها ومحاولة إخماد أثرها، ومن ذلك ما فعله الصهاينة ضد المصلين في المسجد حيث قتلوهم داخله، وذلك ضمن سلسلة أحداث ثورة الحجارة القائمة في الأرض الإسلامية المحتلة منذ أكثر من اثنتي عشرة سنة.

لكن المسلمين (أعزهم الله) وعلى طول التاريخ وبفضل الله سبحانه وتعالى وبتقديمهم التضحيات تلو التضحيات قد أبقوا الراية مرفوعة إلى اعنان السماء حاملةً على ساريتها كل تعاليم الإسلام وأهدافه لئلا تغوص في وحل الشرك والمادية والفرعونية.

خاتمة : في صلاة الجماعة

وبعد كل ذلك فلا نستغرب إذن أن ترد من الرسول ((صلى الله عليه وآله)) والأئمة المعصومين ((عليهم السلام)) أحاديث كثيرة تحث على الحضور في المساجد، ولعل المظهر الأوضح في هذا الحضور هو أداء صلاة الجماعة وربما كانت أهم مراسيم الحضور في المساجد وانفعها وتحت ظلها تتم كل المراسيم الأخرى المتقدمة، قال أمير المؤمنين ((عليه السلام)) : ((من سمع النداء فلم يجب من غير علة فلا صلاة له))(86) وقال أبو عبد الله ((عليه السلام)) : ((أما يستحيي الرجل منكم أن تكون له جارية فيبيعها فتقول : لم يكن يحضر الصلاة))(87) وعن أبي عبد الله ((عليه السلام)) أيضاً قال : ((همّ رسول الله ((صلى الله عليه وآله)) بإحراق قوم في منازلهم كانوا يصلون في منازلهم ولا يصلون جماعة، فأتاه رجل أعمى فقال : يا رسول الله أنا ضرير البصر وربما أسمع النداء ولا أجد من يقودني إلى الجماعة والصلاة معك، فقال له النبي((صلى الله عليه وآله)) شدّ من منزلك إلى المسجد حبلاً واحضر الجماعة))(88)، وقال الصادق ((عليه السلام)) : ((منَ صلى الغداة والعشاء الآخرة في جماعة فهو في ذمة الله عزّ وجلّ، ومن ظَلمَه فإنما يظلم الله، ومن حَقّره فإنما يحقّر الله عزّ وجلّ))(89)، وقال أيضاً ((عليه السلام)) عن آبائه ((عليهم السلام)) قال رسول الله ((صلى الله عليه وآله)) : ((مَن صلى المغرب والعشاء والآخرة وصلاة الغداة في المسجد في جماعة فكأنما أحيا الليل كله))(90)، وعن جميل بن صالح أنه سأل أبا عبد الله ((عليه السلام)) أيهما أفضل؟ يصلي الرجل لنفسه في أول الوقت أو يؤخر قليلاً ويصلي بأهل مسجده إذا كان إمامهم؟ قال : يؤخر ويصلي بأهل مسجده إذا كان الإمام )(91).

الفصل الرابع

تكاليفنا تجاه المساجد

من القرآن والسنة الشريفة

مقدمة

يبدو أن منزلة المسجد في الإسلام ــــ بعد ما سمعته مما تقدم في الفصول الثلاثة ـــ

أصبحت واضحة، وقد ورد في القرآن الكريم والسنة الشريفة من النصوص ما يدل على عظم منزلة المسجد، قال تعالى :} وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا{ (92). } قُلْ أَمَرَ رَبِّي بِالْقِسْطِ وَأَقِيمُواْ وُجُوهَكُمْ عِندَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ كَمَا بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ{ (93),} يَا بَنِي آدَمَ خُذُواْ زِينَتَكُمْ عِندَ كُلِّ مَسْجِد{ (94),} إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكًا وَهُدًى لِّلْعَالَمِينَ{ (95).

أما السنة الشريفة فقد روي عن أبي جعفر ((عليه السلام)) قال : قال رسول الله ((صلى الله عليه وآله)) لجبرائيل ((عليه السلام)) : يا جبرائيل أي البقاع أحب إلى الله عزّ وجلّ؟ قال : المساجد وأحب أهلها إلى الله أولهم دخولاً وأخرهم خروجاً منها))(96)، وروي عن الإمام موسى بن جعفر ((عليه السلام)) عن آبائه ((عليهم السلام)) عن أمير المؤمنين ((عليه السلام)) قال : ((أن الله إذا أراد أن يصيب أهل الأرض بعذاب قال : لولا الذين يتحاّبون بحلالي، ويعمرون مساجدي، ويستغفرون بالأسحار، لأنزلت عذابي))(97).

وما جاء في المقنع قال ((أن في التوراة مكتوباً أن بيوتي في الأرض المساجد لمن تطهر في بيته ثم زارني وحق على المزور أن يكرم الزائر))(98)، ومن هذا كله والذي تقدمه نعرف علو منزلة المسجد في الإسلام وعظم الفوائد التي يقدمها، وفي هذا الفصل نتعرف على تكاليفنا تجاه هذا الصرح العظيم حتى يستمر عطاؤه لنا وإلا فسوف ينحسر دوره ويضيع وقد تم استيحاؤها من القرآن الكريم والسنة الشريفة. ومن هذه التكاليف(99).

أولاً : إعمار المساجد

قال تعالى :} إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللّهِ مَنْ آمَنَ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَأَقَامَ الصَّلاَةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَلَمْ يَخْشَ إِلاَّ اللّهَ فَعَسَى أُوْلَئِكَ أَن يَكُونُواْ مِنَ الْمُهْتَدِينَ{ (100).

تبين الآية أن الذي يعمر المساجد هو الذي يرتادها بقلب طاهر وبصر خاشع فهو يعمرها معنوياً فتواجد المؤمنين في المسجد بهذه الصورة إحياءً له وعمارةً له بذكر الله فيه, وهذا لا يحصل إلا من المؤمنين لذلك خصّت الآية عمارة المساجد بالمؤمنين, ولا تدل الآية على البناء المادي(101), لأن كثيراً من المنافقين قد تحقق منهم البناء خارجاً, أما صاحب تفسير السعادة(102) فيرى أن العمارة المقصودة هي عمارة القلب لأنه بيت الله وحرم الله ومسجده الحقيقي والآية المذكورة لها ربط بما سبقها} مَا كَانَ لِلْمُشْرِكِينَ أَن يَعْمُرُواْ مَسَاجِدَ الله{ (103), وقد ثبت أن عمارة المسجد الحرام المادية قد فعلها مشركو قريش, إذن فالإعمار المقصود في الآيتين ليس هو الأعمار المادي بل المعنوي, وهذا هو دأب الشرع المقدس في تقييم الأعمال, إذ ليس المهم فيه هو الأمور الظاهرية المعنوية منه بل أهم شئ فيه النية والقصد، وقال الرسول الأكرم ((صلى الله عليه وآله)) : ((إن الله لا ينظر إلى صوركم وأعمالكم وإنما ينظر إلى قلوبكم))(104), وقال أمير المؤمنين ((عليه السلام)) : ((إن الله عزّ وجلّ أوحى إلى عيسى بن مريم ((عليه السلام)) قل للملأ من بني إسرائيل لا تدخلوا بيتاً من بيوتي إلا بقلوب طاهرة, وأبصار خاشعة وأَكُفً نقية))(105), وعن النبي ((صلى الله عليه وآله)) قال : ((أذا أنزل الله عاهة من السماء عوفي منها حملة القرآن ورعاة الشمس (أي الحافظون لأوقات الصلاة) وعمّار المسجد))(106) وهذا الحديث يبين إنزال عمار المساجد بمنزلة الحافظين لصلاتهم ومنزلة حملة القرآن وهؤلاء الحافظون هم المؤمنون لا مطلق الحافظين وكذلك الحاملون للقرآن المراد بهم العاملون بتأويله وتفسيره لا مطلق الحفظة, لذا فالمراد بالعمّار المعنى الذي ذكرناه لا البناة وإن كان منطبقاً على البناة المخلصين المرتادين للمساجد, وعلى كل حال فبقيد الإخلاص يمكن الحمل على المعنيين الظاهر وغيره.

ثانياً : الحث على بناء المساجد

عن ابن عباس قال : خطبنا رسول الله ((صلى الله عليه وآله)) قبل وفاته وهي آخر خطبة له في المدينة حتى لحق بالله عزّ وجلّ فوعظنا بمواعظ ذرفت منها العيون، ووجلت منها القلوب, واقشعرت منها الجلود، وتقلقلت منها الأحشاء، أمر بلالا فنادى، الصلاة جامعة، فإجتمع الناس، وخرج رسول الله ((صلى الله عليه وآله)) حتى ارتقى المنبر إلى أن قال في خطبته : ((ومن بنى مسجداً في الدنيا اعطاه الله بكل شبر منه أو قال بكل ذراع منه مسيرة أربعين ألف ألف عام مدينة من ذهب وفضة ودر وياقوت وزمرد وزبرجد ولؤلؤ . . .))(107)، وعن عبد الله بن مسعود عن رسول الله ((صلى الله عليه وآله)) في حديث طويل أنه رأى ليلة الإسراء هذه الكلمات مكتوبة على الباب السادس مَن الجنة : ((لا إله إلا الله محمد رسول الله علي ولي الله، من أحب أن يكون قبره واسعاً فسيحاً فليْبنٍِِِِِِِِِِِِ المساجد ومن أحب أن لا تأكله الديدان تحت الأرض فليكنس المساجد ومن أحب أن لا يظلم لحده فلينوَّر المساجد، ومن أحب أن يبقى طرياً تحت الأرض فلا يبلى جسده فليشترِ بُسط المسجد))(108)، ومن هذين الحديثين نفهم مدى أهمية بناء المساجد والتي لولاها لما صارت كل تلك الفوائد التي تقدمت، لذا ترى الرسول ((صلى الله عليه وآله)) قد أمر أن ينادي في الناس ويرتقي المنبر فيحكي لهم ما لباني المسجد من ثواب، وكذلك الكلمات المكتوبة على باب الجنة في فضل بناء المسجد وقد اقترنت كتابتها مع أصول الدين ( التوحيد، النبوة، الإمامة) والمهم في بناء المساجد مجرد وجودها ولو بابسط الدرجات من الحجم والارتفاع، بل ورد في آثار المعصومين ((عليهم السلام)) ما يدل على الاستحباب باتخاذها مكشوفة ففي صحيح الحلي عن أبي عبد الله ((عليه السلام)) حيث أجاب حين سأل عن المساجد المضللة( المسقوفة) أتكره الصلاة فيها؟ فقال : ((نعم، ولكن لا يضّركم اليوم(109) ولو كان العدل لرأيتم كيف يصنع في ذلك))(110) وفي مرسل الفقيه للصدوق : قال أبو جعفر ((عليه السلام)) : ((أول ما يبدأ به قائمنا سقوف المساجد فيكسّرها ويأمر بها فتجعل عريشاً كعريش موسى(111)))(112)، ومن آداب البناء الأخرى ما يتعلق بالمنابر فعن جعفر الصادق ((عليه السلام)) عن أبيه عن آبائه ((عليهم السلام)) : ((إن علياً ((عليه السلام)) مرَّ على منارة طويلة فأمر بهدمها ثم قال : لا ترفع المنارة إلا مع سطح المسجد))(113)، أما ما يتعلق بزخرفة المساجد وتزيينها فقد ورد عن الإمام جعفر الصادق ((عليه السلام)) بعد أن سُئل عن الصلاة في المساجد المصورة فقال : ((أكره ذلك ولكن لا يضركم اليوم(114) ولو قام العدل لرأيتم كيف يصنع في ذلك))(115)، أما تعلية المسجد فقال الفقهاء انه مكروه لما ورد أن حائط مسجد رسول الله ((صلى الله عليه وآله وسلم)) كان قامة(116).

ثالثاً : التقوى أساس المسجد

وليس الاعتناء ببناء المسجد وحده كافياً في صلاحية المسجد للعبادة ما لم تكن نية بانيه إرادة وجه الله سبحانه وتعالى ولو بدرجة من الدرجات، وإلا فإن المسجد لا يحقق الأهداف المتوخاة من بنائه، بل ربما كانت نتائج بنائه عكسية، وربما كان أوضح مصداق على هذا النوع من المساجد مسجد ضرار، قال الله سبحانه في كتابه العزيز :} وَالَّذِينَ اتَّخَذُواْ مَسْجِدًا ضِرَارًا وَكُفْرًا وَتَفْرِيقًا بَيْنَ الْمُؤْمِنِينَ وَإِرْصَادًا لِّمَنْ حَارَبَ اللّهَ وَرَسُولَهُ مِن قَبْلُ وَلَيَحْلِفَنَّ إِنْ أَرَدْنَا إِلاَّ الْحُسْنَى وَاللّهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ، لاَ تَقُمْ فِيهِ أَبَدًا لَّمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ أَحَقُّ أَن تَقُومَ فِيهِ فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَن يَتَطَهَّرُواْ وَاللّهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ، أَفَمَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَى تَقْوَى مِنَ اللّهِ وَرِضْوَانٍ خَيْرٌ أَم مَّنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَىَ شَفَا جُرُفٍ هَارٍ فَانْهَارَ بِهِ فِي نَارِ جَهَنَّمَ وَاللّهُ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ، لاَ يَزَالُ بُنْيَانُهُمُ الَّذِي بَنَوْاْ رِيبَةً فِي قُلُوبِهِمْ إِلاَّ أَن تَقَطَّعَ قُلُوبُهُمْ وَاللّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ{ (117)، والآيات واضحة الدلالة على المراد، وما يدل بالخصوص فيها على عدم صلاحية هكذا مسجد للعبادة قوله تعالى} لاَ تَقُمْ فِيهِ أَبَدًا{ (118) فهو أمر مؤكد في النهي عن إقامة الصلاة فيه، إذن فالمقوم لوجود المسجد ليس ضخامة البناء ولا مكانة بناته المادية أو الاجتماعية، بل المقوم له هو مقدار ذكر الله سبحانه فيه، ومدى فاعلية ذلك الجامع في تغيير المجتمع نحو الأفضل، ومقدار همة وزهد بناته ومقدار إيمانهم بالله، فعندئذ يكون المسجد الذي بنوه قد أسس على التقوى فيكون صالحاً للعبادة، وهذا هو سرّ الفرق والاختلاف بين المساجد الإسلامية بعضها مع بعض من جهة وبينها وبين دور العبادة في الأديان الأخرى كالكنائس من جهة أخرى، وما ذكره الدكتور مؤنس(119) خير شاهد على هذا الفرق المذكور بين الكنيسة والمسجد حيث قال : ((المساجد منشآت صغيرة الحجم بسيطة العمارة، ونادراً ما تكون سامقة الارتفاع(120) . . . ولو أخذت الصخر الذي بنيت به كنيسة النوتردام في باريس لوجدته يعدل في الحجم والوزن أربعة أو خمسة من مساجد الإسلام الكبرى، فإذا ذكرت إلى جانب ذلك أن معظم مساحات مساجد الإسلام صحون خالية غير مسقوفة(121) تبينت أن مباني أعاظم المساجد ليست بشيء(122) بجانب صغائر الكنائس والبيع ومعابد الهندوكيين والبوذيين))(123)، لكن هذا لم يرفع من شأن الكنائس أو يحط من شأن الجوامع بل على العكس كان مؤشراً على وجود التقوى التي هي أساس بناء الجوامع(124).

ويمكننا هنا إتماما للفائدة ذكر وتقصي بعض الاختلافات الأخرى بين المسجد ودور العبادة الأخرى بالقول : إن المسجد حافظ على قداسته ومراسيم العبادة حين شرع عدم الاختلاط بين الجنسين الذي يسبب انتهاك حرمة المكان المقدس، كما يحصل في دور العبادة الأخرى كالكنائس وغيرها من اختلاط محرم، فنصت الشريعة على أن مسجد المرأة بيتها، كما أن المسجد لم يكن يوماً من الأيام وسيلة للتلاعب بعقول الناس وابتزازهم كما يحصل من بعض الأساقفة والقسيسين(125) في دور العبادة الأخرى، حيث نشرت إحدى الصحف خبرا عن قس إيطالي طرح عقودا لشراء أرض في الجنة، ومما يذكر في المقام أيضاً أن الكنيسة كانت ضد العلم(126)، وضد أي طرح يناقض أطروحتها حتى لو كان علمياً صحيحاً مثبتاً، بينما المسجد كان وما يزال يهتم بالعلم بل هو منبع العلم كما عرفت من حديث الوشاء وغيره في الفصول السابقة، وهكذا نجد أن المسجد على النقيض تماماً من بقيه الدور العبادية الأخرى، لأن المسجد يكشف عن واقع الدين ويعيش بين الناس ويراعي مصالحهم وينظر في همومهم ومشاكلهم، لذا تراه نجح وقاد اجتماعياً وفكرياً، كانت الكنيسة وما زالت انعزالية غريبة عن أصحابها تفصل بين الدين والحياة حتى أنها غالباً تبنى على مرتفع خارج حدود المدينة، ولا يدخلونها إلا يوم الأحد.

ويمكن هنا ذكر الحادثة التي نقلها أحد العلماء(127) كشاهد ومؤيد لمسألة كون التقوى أساس المسجد وليس شموخ البناء وزخرفته، حيث قال ما نصه : (( أن مجموعة من المبشرين وردوا مدينة أصفهان فقالوا لأهلها، ألا ترون أن كنائسنا عامرة ولطيفة ومزوقة ومساجدكم خاوية قديمة متهدمة فخفَّ الناس إلى علمائهم وفضلائهم يلتمسون منهم الجواب على هذه الشبهة التي انقدحت في آذهانهم، فمنهم من سد بابه ومنهم من قال لا أعرف وآخر يقول ليس من اختصاصي إلا واحد كان في بيته فسمع لغطاً بين الناس فخرج إليهم وسألهم فقيل له بالأمر فقال : عندي الحل, وأمر بالاجتماع في مسجد المدينة، وإنه سيصلي بهم جماعة، وهناك يرون الجواب، فاجتمع الناس وصعد بهم خطيباً وقال للمسيحيين : إن كنائسكم عامرة لأنها خالية من ذكر الله سبحانه ونحن نذكر الله سبحانه في مساجدنا كثيراً فتخشع وتتصدع من خشية الله تعالى فتكون بهذا الحال من الانهدام. ومحل الشاهد في القضية أنه لما صار وقت الآذان وقد أجتمع خلق كثير, كلما قال المؤذن (الله أكبر) إنفلق السقف وانفطر فطراً كبيراً فانهزم الناس لئلا يسقط عليهم، وما أمسى المساء إلا والمبشرون خارج المدينة خائفون خائبون، ولما سأل هذا الرجل، من أين علمت أن السقف سيحصل له ما حصل عند ذكر الله سبحانه؟ قال : لأنني عرفت أن هذا مما يتوقف عليه أساس العقيدة الدينية والله سبحانه يعز ّدينه وهو مطلع على ذلك فلا بد أن يرعانا بكراماته ومعجزاته))(128)، ويمكن اعتبار هذه الحادثة رداً على أولئك الذين يقفون مبهورين أمام الحضارة الغربية المبهرجة وقد ذهب سنا برقها بأبصارهم، وكلهم أسى وحزن لعدم امتلاكهم مثلها ولكنهم غير ملتفتين إلى نعمة الإيمان بالله ورسوله والأئمة المعصومين((صلوات الله وسلامه عليهم)) التي فقدها الغربيون رغم أنهم قد ربحوا الحضارة المادية، لكننا وإن خسرنا هذه الحضارة إلا أننا ممتلكون لأسباب الوصول إلى مراتب الإيمان بالله ورسوله والأئمة ((صلوات الله وسلامه عليهم)) وبالإضافة إلى هذا فالحضارة الغربية قد وصلت إلينا كوسائل مساعدة لهدفنا هذا وبدون تعب والحمد لله رب العالمين, فلماذا لا يتعظ أولئك المبهورون ويعودون عن غّيهم.

رابعاً : الحث على السعي إلى المساجد

قال الله تعالى في كتابه العزيز :} يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِي لِلصَّلَاةِ مِن يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ{ (129)وفي الآية دلالة واضحة على الأمر بالسعي إلى ذكر الله في المسجد(130)، وقد طفحت السنة الشريفة بحث الناس على السعي إلى المساجد وبينت الفضل العظيم لهذا الفعل، لأنه الخطوة الثانية المكملة لبناء المساجد على التقوى التي تمثل الخطوة الأولى في طريق الوصول إلى أهداف الإسلام المتوخاة من المسجد. وقال رسول الله ((صلى الله عليه وآله)) : ((ألا أن بيوتي في الأرض المساجد تضيء لأهل السماء كما تضيء النجوم لأهل الأرض ألا طوبى لمن كانت المساجد بيوته ألا طوبى لعبد توضأ في بيته ثم زارني في بيتي ألا أن على المزور كرامة الزائر ألا بشر المشائين في الظلمات إلى المساجد بالنور الساطع يوم القيامة))(131). وعن علي بن الحكم، عن رجل، عن أبي عبد الله ((عليه السلام))، قال : (( مَن مشى إلى المسجد لم يَضع رجلاً على رطب ولا يابس إلا سبحّت له الأرض إلى الأرضيين السبع))(132)، وعن مرازم أيضاً قال : ((عليكم في الصلاة في المساجد وحسن الجوار للناس وإقامة الشهادة وحضور الجنائز))(133)، وعن رسول الله((صلى الله عليه وآله)) قال : ((من مشى إلى مسجد من مساجد الله فله بكل خطوة خطاها حتى يرجع إلى منزله عشر حسنات وعشر سيئات ورفع له عشر درجات))(134), وروى الكليني عن أبي عبد الله ((عليه السلام)) قال : ((إن علي بن الحسين ((عليه السلام)) استقبله مولى له في ليلة باردة وعليه جبة خز ومطرف خز وعمامة خز وهو متغلّف بالغالية فقال له : جعلت فداك في مثل هذه الساعة على هذه الهيئة إلى أين قال : إلى مسجد رسول الله ((صلى الله عليه وآله)) أخطب الحور العين إلى الله عزّ وجلّ))(135). وهذا الجواب من الإمام ((عليه السلام)) طبعاً موافق لمستوى السائل(136) ومعناه والله العالم أن الإمام ((عليه السلام)) أراد أن يبين لهذا المولى أن دخول المسجد ثوابه الجنة والجنة مسكن الحور العين فيكون دخول المسجد بمثابة خطبة الحور العين والزواج منهنَّ في الجنة, على أن الإمام زين العابدين كان يشتري العبيد ويبقيهم عنده عاماً ثم يعتقهم بعد أن يعلمهم الإسلام الحقيقي وولاية أهل البيت ليكونوا دعاة له بعد عتقهم, فيمكن أن نفهم من الحديث أن الإمام ((عليه السلام)) أراد أن يفهم هذا العبد قبل عتقه أهمية السعي إلى المساجد والله العالم.

خامساً : عدم هجر المساجد والسعي في خرابها

خراب المسجد ضد عمارته, وقرن الله تعالى الخراب بشدة الظلم, فقال تعالى} وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّن مَّنَعَ مَسَاجِدَ اللّهِ أَن يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ وَسَعَى فِي خَرَابِهَا أُوْلَئِكَ مَا كَانَ لَهُمْ أَن يَدْخُلُوهَا إِلاَّ خَآئِفِينَ لهُمْ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ وَلَهُمْ فِي الآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ{ (137)، وروي عن الإمام الصادق ((عليه السلام)) أن المراد بذلك قريش حين منعوا رسول الله ((صلى الله عليه وآله)) دخول مكة والمسجد وهناك بعض المفسرين ممن قال أنها وصفت الروم عندما غزوا بيت المقدس وسعوا في خرابه إلى أن أظهر الله المسلمين عليهم في أيام عمر، فصاروا لا يدخلونها إلا خائفين يتهيبون من المؤمنين أن يبطشوا بهم، ومما يؤيد القول الأول، ما روي أن رسول ((صلى الله عليه وآله)) أمر أن ينادي بعد نزول الآية : ((لا يحجَّنَّ بعد عامنا هذا مشرك، ولا يطوفن بالبيت عريان ))(138) إلا أنه وكما يقال في الاستنباط ((أن الوارد لايخصص المورد))، لذا فالآية جاءت بحكم عام تصف الساعي في خراب المساجد بأنه في غاية الظلم، والمقصود هنا بالخراب ليس الهدم المادي بل الهدم المعنوي، وإن كان الهدم المادي مصداق من مصاديقه أي لو تم هدم بناء الجامع فهذا الأمر يكون بالتالي هدم لأهداف الجامع. فهو هدم معنوي من هذه الناحية، لذا فالهدم المعنوي أعم من المادي وغيره فيكون هو المقصود بالآية ويمكن طرح مؤيدات ثلاث لهذه النتيجة :

المؤيد الأول : أن الخراب ضد العمران ـــ من عَمَرَ يَعْمُرْ ـــ بينما البناء ضد الهدم، فيقال بيت عامر وهذا بيت خرب، وهذه حجرةٌ خربة، أي لها وجود، ولكنها مهجورة، فأصابها القدم والعتق.

المؤيد الثاني : قوله سبحانه وتعالى بعد ذلك :} أُوْلَئِكَ مَا كَانَ لَهُمْ أَن يَدْخُلُوهَا إِلاَّ خَآئِفِينَ{ (139) بينما هم في البداية سعوا في خرابها، فلو كان الخراب بمعنى الهدم المادي فكيف يدخلون المساجد المهدومة، لذا فالآية تبين شدة الظلم ممن سعى في هدم المساجد معنوياً وسعى في هجرانها وتعطيل دورها الاجتماعي والديني سواء عن طريق منع الصلاة فيها أو إزالة أبنيتها من الأساس.

المؤيد الثالث : قول أبي عبد الله ((عليه السلام)) : ((ثلاثة يشكون إلى الله عزّ وجلّ مسجد خراب لا يصلي فيه أهله وعالم بين جهال ومصحف معلق قد وقع عليه الغبار لا يقرأ فيه))(140).

أما السنة الشريفة فقد أكدت على ملازمة المسجد وعدم هجره، حتى أن أمير المؤمنين ((عليه السلام)) قد جعل ذلك من ضمن وصاياه حيث قال : ((الله الله في بيت ربكم فأنه إن ترك لم تنظروا))(141)، فيمكن أن نفهم من الحديث والله العالم أن هجر المسلمين لبيت الله وهو المسجد يؤدي إلى خسارتهم العناية الإلهية وأنه سبحانه لا ينظر إليهم أو أن هجر المسجد يؤدي إلى عدم الإمهال والأنظار من قبل الأعداء لأنه وسيلتنا للوقوف في وجه عدونا فما دمنا نرتاده فنحن على خير أما لو تركناه فهذا يعني ضعفنا وتفرقنا وسهولة انقضاض العدو علينا وقضاءَه علينا، ومما نقل عن الأئمة ((عليهم السلام)) بهذا الصدد، ما نقله زريق عن أبي عبد الله ((عليه السلام)) قال : ((شكت المساجد إلى الله تعالى الذين لا يشهدونها من جيرانها فأوحى الله إليها وعزتي وجلالي لا قبلت لهم صلاة ولا أظهرت لهم في الناس عدالة ولا نالتهم رحمتي ولا جاورني في جنتي))(142)، وقد وقف الرسول الأكرم ((صلى الله عليه وآله)) موقفاً شديداً ممن كان يقاطع المسجد أو لا يحضر صلاة الجمعة أو الجماعة واستنكر ذلك منهم أشد الاستنكار وقد قال مرة :

((ليوشك قوم يدعون الصلاة في المسجد أن تأمر بحطب، فيوضع على أبوابهم فتوقد عليهم نار فتحرق عليهم بيوتهم))(143)، وقال أمير المؤمنين ((عليه السلام)) في قوم لا يحضرون الجماعة معهُ في المسجد : ((ليحضرن معنا صلاتنا جماعة، أو ليتحوّلنّ عنّا ولا يجاورونا ولا نجاورهم))(144).

ومن كل هذا نفهم أن القرآن الكريم والرسول ((صلى الله عليه وآله)) والأئمة ((عليهم السلام)) قد شددوا على الحضور في المساجد حتى أن هناك بعض الأحاديث توحي ببطلان صلاة من لا يحضر إلى المسجد وكان من جيرانه إلا أن الفقهاء فهموا منها الكراهة، وما هذا إلا لبيان مدى أهمية المسجد ودوره الأساس في تفعيل دور القائد ومن يعمل تحت رايته وإلا لضاعت الكثير من أهداف الإسلام. وقد بقي هذا الهاجس وهو رعاية المساجد وتعهدها حتى في زمان الغيبة الكبرى من قبل العلماء العاملين جزاهم الله عنا خير جزاء المحسنين, وسيأتي في الفصل القادم بيان علاقة الحوزة الشريفة مع المساجد.

الفصل الخامس

المسجد والحوزة العلمية

مقدمة

كنا فيما تقدم من فصول الكتاب نتحدث عن المسجد من ناحية تشريعية وتاريخية وتطرقنا أيضاً لمناقشة فوائد الحضور في المساجد من ناحية نظرية وإمكانية أحياناً ومن ناحية واقعية أحياناً أخرى(145)، ونود في هذا الفصل أن ننتقل بالقارئ الكريم إلى الواقع المعاصر والمعاش لنرى ما للمسجد من وظائف وما علينا من واجبات تجاهه، ومن المعلوم أن القيادة الدينية النيابية هذا اليوم هي بيد الحوزة العلمّية الشريفة. وبعد أن عرفنا منزلة المسجد في الإسلام وأهميته، لذا أصبح من الضروري أن يكون المسجد هو الأداة التي تصول بها الحوزة الشريفة لتنفيذ وظائفها، إذن فيجب علينا قبل كل شيء أن نتعرف على وظائفها في زمان الغيبة الكبرى، لنعرف مدخلية المسجد في أداء وتنفيذ تلك الوظائف.

أهمية الحوزة العلمّية

مازالت الحوزة العلمّية منذ تأسيسها ولحد هذه اللحظة هي القّيمة الحقيقية على الدين والمذهب والحامية له، حيث بذلت من الجهود العظيمة التي لا تضاهى، وقدمت من عصارات أفكار أبنائها وجهودهم وشبابهم وأوقاتهم . . . ودمائهم ودموعهم وعرقهم ما حفظ للمذهب وجهه وللدين عزّه، فهي من ناحية تعهدت القرآن الكريم بالتفسير والحديث بالحفظ والتدوين والتحقيق وتراث أهل البيت ((عليهم السلام)) وسيرتهم بالتصنيف، فكانت الناطق الحقيقي باسم المذهب الشيعي الإمامي والممثل الوحيد له في وجه ما يعتريه من شبهات وهجمات فكرية شرسة من مناوئيه.

علاقة الحوزة العلمية بالمجتمع

محل الحوزة العلمية من المجتمع محل القطب من الرحى، فهو ينظر إلى الحوزة وإلى علمائها فما قالت الحوزة قاله المجتمع وما نهتهم عنه انتهوا، فكان للحوزة الدور الأساسي في تربية المجتمع وتثقيفه من خلال إصدار المجلات والكتيبات والكتب والتفاسير والسير.

ودأب أبناء المجتمع في الرجوع إلى الحوزة بكل صغيرة وكبيرة ابتداء من مسألة ثبوت الهلال وانتهاء بالأمور المصيرية كاحتلال الإنكليز لبلدانهم، وما هذا إلا لثقة الناس بالحوزة العلمية التي كانت سبباً من الله سبحانه وتعالى لحفظ الإيمان والإسلام في قلوب وعقول الناس.

وهكذا كانت علاقة الحوزة بالمجتمع علاقة تبادلية، فأحدهما يتقوم بالآخر، وأحدهما، ينتفع من الآخر، ولهذه العلاقة التبادلية جانبان:

الجانب الأول : ما تقدمه الحوزة للمجتمع (وظائف الحوزة) :

ويمكن حصر أهم الوظائف بالنقاط التالية :

أولاً : إعداد المجتهدين والمجتهدين القادة، لأجل إدارة أمور الناس من الناحية الاجتماعية والدينية والاقتصادية، وتوجيه الناس وإرشادهم في كل الأصعدة، وربما كانت هذه الوظيفة هي الأهم من بين الوظائف جميعاً، لأنها وإن كانت نتيجة من نتائج وجود الحوزة إلا أن الحوزة بدون المجتهد تضيع وتتفكك وتتمزق، فهو المقوّم لوجودها وعلة استمرارها.

ثانياً : إعداد المحققين والفضلاء والكتّاب لأجل إنضاج وتطوير حركة التأليف، ونشر الوعي في صفوف المجتمع عبر استلهام العبر والمواعظ من القرآن والسنة الشريفة بما يناسب العصر وطرحها للناس، أو لا أقله تبويب آثار أهل البيت ((عليهم السلام)) وفهرستها وطرحها للناس.

ثالثاً : إعداد المبلغين والخطباء لتذكير الناس بالله سبحانه وتعالى وتقوية علاقتهم به وتوجيههم نحو الطريق الصحيح عن طريق رصد كل ألوان الانحراف والفساد وتشخيصها والتحذير منها، أو تقديم الحلول الناجحة لها، بالاضافة إلى قيام الخطباء والمبلغين بإحياء ذكرى سيد الشهداء الحسين ((عليه السلام)) والمناسبات الدينية الأخرى.

رابعاً : رد الشبهات والمؤامرات التي تحاك ضد المذهب بمختلف أساليب الرد سواء كان على شكل كاسيتات صوتية أو نشرات أسبوعية أو شهرية، فالحوزة من هذه الناحية كانت ولا زالت المدافع المغوار الذي لا يكل ولا يمل ضد كل ألوان الدسائس التي يتعرض لها الدين.

الجانب الثاني : ما يقدمه المجتمع للحوزة : ـــ ويمكن بيان ذلك بنقطتين :

أولاً : تستند الحوزة استناداً كاملاً على قواعد اجتماعية، وبانعزال المجتمع عنها تفقد فاعليتها، لأن المجتمع هو ميدان التطبيق فبدون المجتمع يصبح العلم بلا عمل ولا خير فيه، فواجب المجتمع تجاه الحوزة هو أن يربط نفسه بها ويتعاون معها في إبقاء قنوات الاتصال مفتوحة دائماً لتلقي ما يصدر عنها مباشرة، بل يكون المجتمع جزء من الحوزة، حيث أن مفهوم الحوزة الحقيقي لا يشمل المعممين فقط بل يشمل كل الشيعة حتى غير طلبة العلوم الدينية لأنهم جزء من الجهاز المرجعي، وجزء من الحوزة الناطقة.

ثانياً : المجتمع هو المعين الثرْ الذي يرفد الحوزة العلميّة بطلبة العلم، ولو افترضنا نضوب هذا المعين وانقطاعه لكانت النتيجة حتماً انهيار الكيان الحوزوي.

ومن هذا الجانب نخرج بنتيجة وهي أن أعداء الدين التفتوا إلى هذه العلاقة بين الحوزة والمجتمع وحاولوا تقطيع أواصر الارتباط بينهما، وقد ذكرنا في كلام سابق كيف أن الضربة وجهت إلى المسجد باعتباره الوسيلة الأوضح للاتصال بل أن الوسائل كلها مندرجة ضمنه.

ومن المحاولات التي حاولها الأعداء من أجل عزل الحوزة عن المجتمع هي تفريغ الحوزة عن محتواها القيادي الشامل وتصويرها بأنها ذات وجه واحد وهو الدين ولا تشمل أو تغطي جوانب الحياة الأخرى، واتهموا من يرتبط بها بالرجعية أو غير ذلك، وطبّلوا وزمّروا لشعارات رفعوها، مفادها فك العلائق والروابط الكثيرة بين الدين وجوانب الحياة الأخرى تمهيداً لتشويه صورة عالم الدين وتأطيرها بإطار ينفر منه الواعون والمثقفون والملتزمون ويدنو منه التافهون وأصحاب عقول رّبات الحجال.

وهنا برز دور المعمم أو إمام الجماعة أو الوكيل لمساعدة المجتمع على الارتباط بالحوزة وذلك عن طريق تفعيل دور المسجد وتهيئة المقدمات التي توصل إلى الفوائد الدينية والاجتماعية التي تقدّم ذكرها والتي هي مندرجة ضمن وظائف الحوزة العلميّة المذكورة في الجانب الأول في الصفحة قبل السابقة, وقبل التعرف على دور المعمم أو إمام الجماعة أو الوكيل في المجتمع وكيفية تسخيره للمسجد ليحقق من خلاله تلك الفوائد ويبرء من خلالها ذمته بأداء تلك الوظائف، نتعرف على النظام الداخلي للحوزة وعلاقة المسجد به.

نظام الحوزة العلمّية(146) وعلاقتها بالمسجد

الحوزة العلمّية مؤسسة تتسم بالشمول والسعة لطلبتها ومجتهديها ومقلديهم، بل أن واجباتهم تتعدى ذلك لتشمل المعرضين عنها، كما أنها لا تتحدد بإطار واحد فحسب، بل لها عدة أطر تختار وتعّين الإطار المناسب للحدث المناسب في الوقت المناسب حسب ظروف المرحلة، وحسب تكليفها الشرعي تجاه الأحداث، وفي بعض الأحيان تتأطر بجميع الأطر لو سنحت لها الفرصة وكانت لديها القابلية، فتراها من ناحية مؤسسة اجتماعية تتعامل مع الأفراد وبصيغ أخلاقية الغاية منها خلق شخصية إنسانية مؤمنة, ومن ناحية أخرى تجدها تخط للإنسان طريقاً يوصله إلى ربَّه في عباداته ومعاملاته فهي بمثابة الضوء الكاشف عن حلال الله وحرامه، ومن ناحية ثالثة تراها نظاماً اقتصادياً ومالياً متيناً، تجري فيها عمليات القبض والبسط بكل مستوياتها، وحسب ما يقتضيه الموقف من إنفاق في حين أو قبض واستلام في حين آخر، ومن ناحية رابعة فهي مؤسسة ثقافية وجهازا إعلاميّ بإصداراتها ونشراتها وما يصدح به خطباؤها المنتمون إليها والواعون.

والحوزة العلمّية من الناحية الهيكلية والتنظيمية والإدارية فهي تتألف من مدارس عديدة لسكنى الطلبة، يختص كل طالب غالباً بغرفة يستخدمها لمعيشته ومبيته ومذاكرة دروسه وتحضيرها لوحده أو مع زملائه، ويوجد في كل مدرسة مسجد ومكتبة عامة، كما تشتمل الحوزة العلميّة بالإضافة إلى المدارس على جوامع عديدة لاحتواء حلقات الدرس نهاراً، حيث يتصدى فيها كل من يجد في نفسه الكفاءة بتدريس مادة معينة ويجلس في زاوية من المسجد ويعلن عن درسه لطالبين أو أكثر فُيستقطب الطلبة الآخرين فمن رأى منهم أن الدرس ينفعه استمر في الحلقة ومن رأى عدم الفائدة لعدم مناسبة الأسلوب أو غيرها قصد حلقة أخرى، وهكذا فأن الأمر مناط بالأستاذ والطالب، كما تشتمل الحوزة على برانيات (مكاتب) المجتهدين وفيها يتم الإشراف على المدارس والجوامع من الناحية الإدارية والتنظيمية والمالية وما يتعلق بها من إجراء الترميمات التي تحتاجها المدارس والجوامع، وكذلك من ناحية تعيين المتولين الشرعيين لهذه المدارس, ومن وظائف البرانيات أيضاً توزيع الرواتب في نهاية كل شهر بالإضافة إلى المساعدات الثابتة وغير الثابتة والتابعة لحاجة الطالب نفسه، ويقوم بالإشراف على التوزيع عدد من ثقاة المرجع الديني (المجتهد) القّيم على البراني (المكتب) وبالتالي الحوزة كما تتبنى البرانيات مسألة توزيع بعض المطبوعات على روادها أو بيعها عليهم بسعر كلفتها.

أما المرجع الديني فهو يقسّم وقته بين دروسه التي يلقيها على طلبة البحث الخارج وهي المرحلة الثالثة(147) والأخيرة قبل نيل درجة الاجتهاد ـــ وبين الجلوس في البراني في وقت محدد لاستقبال الزائرين وسماع مسائلهم الإبتلائية والإجابة عليها، وقسم من مراجع الدين يقيمون صلاة الجماعة في مرقد أمير المؤمنين ((عليه السلام)) أو أحد الجوامع الحافة بمرقده ((عليه السلام))(148).

ومن هذا الوصف الإجمالي يبدو أن القارئ قد أحاط علماً بنظام الحوزة من جهة وعلاقة المسجد مع هذا النظام من جهة أخرى حيث أنه مكان صلاة الطلبة في مدارسهم ومكان أخذهم الدروس في اليوم التالي ونافذة المرجع على مقلديه وطلبته سواء في البحث الخارج أو في صلاة الجماعة.

وتوجد في هذا النظام عدة مميزات إيجابية نذكرها، كما توجد أمور سلبية تعرقل مسيرة الحوزة العلمية بعضها مفروض على الحوزة وبعضها باختيارها لكنه آخذ في طريقه إلى الزوال إن شاء الله تعالى بفضل الغيارى من أبنائها ومخلصيها.

مواكبة الزمن

وكمقدمة تسبق عرض(149) الإيجابيات والسلبيات نذكر أن العامل الأساسي الذي يعتمد عليه الأداء الأمثل للوظيفة الملقاة على عاتق الحوزة العلمية هو (مواكبة الزمن)، فلو نظرنا إلى الوظائف الأربع المذكورة في فقرة سابقة من هذا الفصل نجد أن المقوم الأساسي لها هو كيفية أدائها وإكمالها، وبأي أسلوب يكون ذلك الأداء؟، فمثلاً نجد أن أسلوب الرد على ما يسمى بـــ(الدهريين) في سالف الأزمان يختلف عن أسلوب الرد على ما يسمى (بالماديين والديالكتيكيين)، هذا من ناحية جوهر الرد، كما يختلف أيضاً في طريقة إيصال ذلك الرد ووسيلة نشره, ففي بعض الأزمان يكفي إطلاق كلمة فتتناقلها الألسن فيتحقق المقصود من الكلمة حالا، وفي أزمان أخرى لا ينفع مجرد إطلاقها، لأن المقصود بها تعلم درس من سابقتها فجعل يقطع قنوات الاتصال وسلسلة انتقال تلك الكلمة، فيصبح مجرد الإطلاق لا يعدو أن تدور الكلمة في حدود ضيقة ثم تموت، ويكون هذا القطع منه بتشويه سمعة المرجع مرة أو تعطيل دور وسائل الاتصال مع المجتمع ـــ كما مر عليك في فصل سابق من تفريغ الجوامع من محتواها وما شابه(150) ــ مرة أخرى، ومن هذا كله نريد الوصول إلى ضرورة مواكبة الزمن وعدم الإبقاء على الموروث من الأساليب، لأن هذا فيه تقصير في أداء الوظائف، إن لم يكن فيه إنهاء للحوزة وتعطيل لدورها، ومن ثم فلا تعدو أن تكون الحوزة مجرد مؤسسة (استهلاكية) وليست (إنتاجية) وهادية وبانية.

فالسلبيات التي أوعدناكم بعرضها تكمن بعدم مواكبة الزمن(151) أحيانا،ً ولا ننكر هنا أن في ذلك إيجابيات أحياناً أخرى لأن فيه تروي وتفكّر في جدوى هذا الأسلوب أو النظام وعدم جدواه، وما إلى ذلك من المحافظة على كيان الحوزة الذي سلّمه لنا السلف وضمان عدم تسلّل عناصر غير أمينة أو غير واعية إلى الجهاز الإداري مما يربك المرجعية ويوقعها في مشاكل مع جهات عدة، حيث أن تطوير أسلوب الاتصال أو إبدال النافذة المطلة على المجتمع يتطلب توسيع دائرة المنتسبين والتوسيع بحدّ ذاته يفرز النتائج المذكورة قبل قليل والتي اعتبرناها من إيجابيات عدم مواكبة الزمن، فيكون غير المواكبين من هذه الناحية بريء الذمة أمام الله سبحانه وتعالى جزاهم الله خيراً، لكن نلفت النظر أيضاً إلى السلبيات المرافقة لتلك الإيجابيات ونرجح بينهما حسب قواعد الترجيح المعروفة. لنصل إلى النتيجة.

والسلبيات هي :

أولاً : صعوبة الانتماء إلى الحوزة العلميّة من قبل أبناء المجتمع.

ثانياً : الغموض الذي يكتنف سير الدراسة في الحوزة العلميّة بالنسبة إلى منتسبيها فضلاً عمن هو خارجها.

ثالثاً : عدم معرفة بداية العام الدراسي للحوزة ليتم التسجيل فيه مع بدايته.

رابعاً : عدم الإعلان عن موعد التقديم أو أي أمر آخر يهم المجتمع في أحد البرانيات فضلاً عن التفكير في وسيلة لإيصال هذا الإعلان إلى المجتمع عن طريق المساجد المنتشرة.

خامساً : صعوبة الدخول إلى البرانيات لأنها ليست مفتوحة دائماً أو يكون مكانها مجهولاً لكثير من المؤمنين.

ولا ينبغي الاستطراد بذكر باقي السلبيات لأن بعضها لا علاقة له بالمساجد وبعضها خارج اختيار أبناء الحوزة فهو ليس سلبية بالمعنى الحقيقي للسلب.

أما ما ذكرنا من سلبيات فسبيل حله هو تفعيل دور المعمم في المجتمع وتفعيل دور المسجد(152) كأداة ـــ بيد المعمم أو الوكيل أو إمام الجماعة ــــ وجعله وسيلة هداية ونفع للمجتمع وبذلك ستكون الحوزة العلمية داخلة في كل بيت من بيوت المجتمع وصوتها يصل إلى كل حي وقرية وبهذا سترتفع السلبيات المذكورة، أما الإيجابيات التي ذكرناها والتي هي حجة من لم يواكب الزمن بسرعة فمن الممكن ان يأخذها المواكبون بنظر الاعتبار ويحاولوا تجاوزها ويضمنوا عدم تسلل تلك العناصر غير الأمينة وغير الواعية إلى الجهاز المرجعي، وبهذا تكون مواكبة الزمن هي الراجحة بحسب قواعد الترجيح المعروفة حفظاً للنظام ومراعاة للمصلحة العامة، ولكن هذا معتمد على تحقق شروط في إمام الجماعة وفي أساليب عمله نذكرها في الفقرة الآتية :

دور إمام الجماعة أو المعمم في المجتمع

بعد أن عرفنا أن نافذة الحوزة العلميّة على المجتمع هي المسجد، وجب أن نعرف أن دور المسجد في المجتمع معتمد على إمام الجماعة فيه، فحتى لا يكون المسجد معدوم الدور في المجتمع أو مهجوراً لأن إمامه مثلاً يقتصر على اداء صلاة الجماعة فيه فحسب لذا يجب أن يتحلى إمام الجماعة بمجموعة من الصفات التي تهيئه لأداء المهام والمسؤوليات التي هي بالتالي فوائد المسجد التي تقدم ذكرها فيكون الكلام هنا في جهتين :

الجهة الأولى : مواصفات إمام الجماعة :

يجب على إمام الجماعة أن ينسجم مع ما هو معاش من ظروف وحالات، لا على حساب دينه طبعاً لكن عليه أن يتصرف وفق ما تقتضيه المصلحة العامة، وليس صحيحاً أن يقف مكتوف الأيدي متحججاً بالظروف الصعبة، بل عليه أن يحاول بالاستعانة بالله سبحانه خلق ظرف مناسب لليعمل من خلال العلاقات الاجتماعية مع أهل المنطقة أو وجهائها أو جهات أخرى لكي لا يكون مرفوضاً أساساً, ثم بعد ذلك يفيد الناس بأمور أخرى لا تتعارض في البداية مع مصالح تلك الجهات, وبعد ذلك يمكن له إقناع تلك الجهات أو الوجهاء بوجهة نظره المتعارضة معهم وكسبهم لناحيته فيعم الخير والنفع للمجتمع كله وقد قيل : ( لا تكن ليناً فتعصر ولا يابساً فتكسر) ثم أن إمام الجماعة يجب أن يتحلى بأمور أخرى لكي يكون ناجحاً في مهمته وهي :

أولاً : يجب أن يكون ذا وعي اجتماعي بحيث تكون له نظرة ثاقبة تنفذ إلى طبقات المجتمع، لتحلل الشخصيات والسلوكيات والأفعال، ويبني على تلك التحليلات بالاستعانة بالأفراد الجيدين والأخذ بيد الآخرين.

ثانياً : أن يكون ذا وعي تأريخي لحركة المجتمعات والأمم ومطلعاً على تأريخ أهل البيت ((عليهم السلام)) وبهذا يكون مستوعباً للماضي ومعبراً عنه بصيغة عصرية منسجمة مع مستوى أفراد مجتمعه.

ثالثاً : أن يكون طيب النفس، عظيم الخلق، دائم الورع، صاحب المبادرة في كل خير وبر، وإلا لا يستطيع أن ينفع الناس لأن (فاقد الشيء لا يعطيه)، إذن : (فلا بد من تهذيب النفس والسعي إلى تكميلها بالفضائل وتطهيرها من الرذائل وتوطيد الصلة بالله تعالى ومراقبته في كل صغيرة وكبيرة ويكون ذلك من قبل المتصدّي لأية مسؤولية اجتماعية لأن المنصب والجاه والامتيازات الأخرى التي يتمتع بها علماء الدين من أقوى فخوخ الشيطان وأصعب شراكه وأن النفس الأمارة بالسوء تكون كامنة وخامدة باتجاه ما فإذا حصل ما يثيرها هاجت وأودت بصاحبها . . . ولنا في رسول الله ((صلى الله عليه وآله)) أسوة حسنة وهو أكمل الخلق فقد جاهد نفسه وتعبد لله سبحانه ردحاً طويلاً برعاية الله سبحانه حتى بعث بالنبوة, ففي حديث عن الصادق ((عليه السلام)) : ((أن الله عزّ وجلّ أدب نبَيه فأحسن أدبه فلما أكمل له الأدب قال :} وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ{ (153)ثم فوض إليه أمر الدين والأمة ليسوس عباده فقال عزّ وجلّ } آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا{ (154)))(155).

رابعاً : أن يكون متوجهاً توجهاً علمياً صحيحاً، أي عليه أن يكون من ناحية الدروس الحوزوية قد أكمل دورة فقهية كاملة حتى (يستطيع التمييز بين فروع المسائل وتطبيق بعضها على بعض)، أما من ناحية العلوم والمعارف الإسلامية غير الحوزوية فيجب عليه أن يكون مثقفاً ثقافة عالية مطلعاً على أخص ما يمكن الاطلاع عليه ليكون مستوعباً لكل فئات المجتمع وطبقاته الثقافية.

خامساً : أن يكون مرتبطاً بالحوزة ارتباطاً صحيحاً لا أن يدور في فلك ذاته أو فلك مَن لا يمثل الحوزة العلميّة الشريفة.

ولو لا هذه المميزات لن يتسنى له أداء دوره المطلوب منه وبذلك يضيع دور المسجد ويصبح خراباً لأن مرتاديه لن يحسوا بالفائدة المتوخاة منه كما هو مألوف في غيره من الجوامع والمساجد.

الجهة الثانية : مسؤوليات إمام الجماعة في المسجد :

إن مسؤوليات إمام الجماعة لا تقف على جانب واحد فحسب، بل أدواره شاملة ومسؤولياته غير منحصرة بنمط محدد لأنه يمثل الإسلام والإسلام دين الحياة.

ويمكن تقصي مسؤوليات إمام الجماعة وفق عدة جوانب :

أولا : الجانب الديني : وفيه :

1 ـــ إقامة صلاة الجماعة.

2 ــ الإجابة على ا|لأسئلة والاستفسارات الفقهية وحل الشبهات العقائدية التي تواجه المذهب على الدوام.

3 ـــ إحياء الشعائر الدينية والحث على إقامتها وخصوصاً مناسبات عاشوراء والعزاء الحسيني وتقديم المساعدة المادية والمعنوية لها.

4 ــ ربط المجتمع بخالقه عن طريق تكثير الدروس والمحاضرات في بيان علاقة العبد بربه، وعليه أن يعتمد على فطنته وحسه ووعيه في إقامة تلك الدروس وحسب الظروف.

5 ـــ ربط المجتمع بالحوزة العلميّة وتركيز مفهوم التقليد في فروع الدين عند المجتمع.

ثانياً : الجانب الاجتماعي : وفيه :

1 ـــ مد الصلات والروابط الاجتماعية خارج المسجد وذلك عن طريق مشاركة الناس أفراحهم وأحزانهم وكل مناسبة لهم ويكون السّباق إلى ذلك.

2 ـــ حل المشاكل الاجتماعية وعلى المستويين الفردي والجماعي، بطريقة مباشرة أو غير مباشرة عن طريق حث الوجهاء والمتدينين لحل المشاكل بين الناس.

3 ــ التعامل مع أفراد المجتمع وفقاً لمستوياتهم واستحقاقاتهم فلا يبخس حقاً لأحد.

4 ــ معالجة الظواهر السلبية التي تسود المجتمع بالطرق الناجحة والمؤثرة، وكل ذلك يعتمد على مدى إدراكه ووعيه وحسه الاجتماعي، وتطبيقه للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.

5 ـــ تعزيز الروابط الأخوية بين أفراد مجتمعه، ويكون ذلك ـــ مثلاً ــ عن طريق اشتراكهم في بعض الأعمال أو النشاطات وكل حسب استعداده وطاقته.

6 ـــ السعي في التوفيق بين المؤمنين والمؤمنات من غير المتزوجين لأجل الزواج.

ثالثاً: الجانب الاقتصادي : وفيه :

1 ـــ إدارة شؤون الأموال والحقوق الشرعية ـــ بعد أخذ الإذن من الحوزة العلمّية الشريفة.

2 ـــ رعاية الطبقات الفقيرة والمعوزة بما يسمح له من التصرف في قسم من الحقوق الشرعية أو عن طريق إنشاء صندوق خيري لجمع التبرعات, والصندوق إما أن يكون ثابتاً في أحد جدران المسجد أو متحركاً بين صفوف المصلين بعد الصلاة.

3 ـــ البحث عن فرص عمل عند بعض أرباب المهن والأعمال ممن يرتادون المساجد، لانتشال مجموعة من الشباب العاطل والمحتاج.

4 ـــ السعي في أجراء عقود القرض والدين لإنجاز أعمال بعض المحتاجين مستغلاً وجاهته وتأثيره في المجتمع.

5 ـــ التنسيق مع الأطباء والصيادلة المؤمنين وتوفير سبل العلاج السهلة للمرضى المعوزين.

رابعاً : الجانب الثقافي : وفيه :

1 ــ إنشاء مكتبة خاصة بالمسجد، وفتح باب التبرعات بالكتب لإغناء هذه المكتبة منتقياً عناوين الكتب التي تبني الإنسان وتكون شخصيته الدينية والإيمانية متجنباً كل عنوان يثير حفيظة ومشاعر أي جهة أخرى.

2 ـــ استثمار بعض المناسبات الإسلامية وغيرها مما يراها مناسبة لإقامة المسابقات في شتى فروع المعارف والعلوم، وإلقاء الخطب والمواعظ.

3 ـــ إجراء دورات فقهية في أحكام الرسالة العملية للمصلين.

4 ــ القيام بفتح دورات تحفيظ القرآن وتلاوته والتركيز على الأطفال والأحداث والشباب. هذا وعلى إمام الجماعة أن يركز علاقته مع الشباب لأنهم الأرض الصالحة لزرع الأفكار الجديدة البناءة.

وآخر ما يمكن أن يقال تحت عنوان مسؤوليات إمام الجماعة أو المعمم، هو أن هذه المسؤوليات تختلف من مجتمع إلى آخر ومن زمان إلى آخر، فلا يمكن حصرها أو استقصاؤها جميعاً في نقاط، لأن بعض مفردات المسؤوليات تمليها ظروف المنطقة أو المرحلة الزمانية، لذا فهي خاضعة لشخصية الوكيل ومقوماته الفكرية والإيمانية والثقافية.

لذا فأهمية الحوزة العلميّة وأداء وظائفها يعتمد كلياً على أداء دور إمام الجماعة لدوره في المسجد وتفعيل دور المسجد، فأصبح المسجد كما قلنا وسيلة لا غنى عنها من وسائل المرجعية الرسالية الصالحة، فكلما تعددت المساجد كان دور الحوزة أوسع وكلما تعدد المجتهدون والوكلاء كان المذهب أكثر عزّاً، لكن مما يلاحظ أن بعض المساجد غير مرتبطة بإمام جماعة وبالتالي فهي غير مرتبطة بالحوزة، لذا وجب على المجتمع من جهة والمعمم من جهة أخرى السعي إلى إشغال جميع تلك المساجد الفارغة(156).

فائدة المسجد في تسليم مهام المرجعية

وكخاتمة علاقة المسجد بالحوزة العلمية، نذكر هنا فائدة وذلك فيما لو اتخذت المرجعية الشيعية لنفسها مكتباً خاصاً منسوباً للمرجعية لا لشخص المرجع فلو انتهت مرجعيته بوفاته فسوف يخلفه المرجع الجديد بدون الاحتياج إلى زمن انتقالي كبير وما يرافقه من فراغ قيادي مؤقت، إذ القاعدة جاهزة والمكتب الذي يمثل المرجعية جاهز، فيحصل تسلم لمهام المرجعية بنفس مكان المرجعية السابقة وذلك مما يضمن عدم ارتباك الناس في كل فترة تلي موت مجتهد وتسلم مجتهد آخر فيحتار الناس أيّ البرانيات يقصدون مجتهد يقلدون، أما لو كان مكان المرجعية ثابتاً فهذا يعني أن المرجع الذي يتبوؤه هو المؤهل علميا واجتماعيا وروحيا لقيادة الناس، إذ أن المرجع السابق سيعهد لعملية التسليم تلك أو أن كل الأمر سيوكل إلى طلبة البحث الخارج المخلصين ليحددوا من بينهم أو من أساتذتهم من هو أهل لتسلم مهام المرجعية وفي نفس مكان المرجعية السابقة, فإذا كان ذلك المكان السابق هو المسجد فسوف يتحقق الهدف المطلوب وهو سرعة تسلم مهام المرجعية بالإضافة إلى فوائد أخرى سوف تحققها المرجعية ما كانت لتحققها بصورة تامة وجلية وسريعة فيما لو كان المكان العام المقصود غير المسجد, وأسباب ترجيح المسجد كمكان للمرجعية بعد الاتفاق على أن المكان العام لها خير من المكان الخاص هي الوجوه المحتملة في إعطاء معاني حديث الرسول((صلى الله عليه وآله)) : ((المساجد مجالس الأنبياء))(157) في الفقرة القادمة.

المساجد مجالس الأنبياء

لا يخفى عليكم بعد أن اطلعتم على ما تقدم من البحث عمق ومدى اهتمام القيادة الدينية وخاصة الرسول((صلى الله عليه وآله)) بتأسيس المساجد وجعلها موضع اهتمام الناس وجعلها مقرا للقيادة، حتى أن الأنبياء السابقين ((صلوات الله عليهم))كانوا قد اتخذوا المساجد مجالس لهم، ويدل على ذلك قول الرسول((صلى الله عليه وآله)) : ((المساجد مجالس الأنبياء))(158)، فلو ذكرنا على سبيل الاحتمال والأطروحة عدداً من الفوائد الناتجة من كون المساجد مجالسا للأنبياء دون غيرها، فيمكن أن نتصور أيضاً فائدة اتخاذ المرجعية المسجد مكتبا لها، لأن ((العلماء ورثة الأنبياء))(159).

الأطروحات المحتملة

الأولى : الأنبياء ((صلوات الله عليهم)) باعتبارهم يمثلون جهة السماء، ويمثلون الله سبحانه وتعالى فمن الطبيعي أن يكون مقر جلوسهم هو بيت الله سبحانه، لأن الذي بين أيديهم هو أمر الله، فيجب أن يطرحونه في بيت الله لا في بيوتهم(160)، وقد سار العقلاء والعرف العام على هذا المعنى، فالموكل عن شخص معين مثلاً أو النائب عنه يدير أمور ذلك الشخص في مكتب الشخص نفسه لا في مكان يخص الوكيل أو النائب.

الثانية : جلوس الأنبياء ((صلوات الله عليهم)) وكل من يمثل الله سبحانه وتعالى في المسجد يعطي لجلوسهم صفة العمومية والشمولية لكل أمر ، لأن كل أمر من شأنه أن يرتبط بالله سبحانه، فلا يحصل للسائل المرتاد إلى المسجد شبهة عدم شموله بالجواب، أو عدم الاعتناء بأمره، وربما تحصل (الشبهة) فيما لو كان مكان جلوس ذلك الممثل عن الله سبحانه في مكان آخر خاص وليس المسجد.

الثالثة : إن سلوك الشخص المرتاد إلى المسجد تتحكم به آداب ومستحبات دخول المسجد, فطالما هو موجود في ذلك المكان فهو مرتبط بالله سبحانه وتعالى كأكثر ما يكون ارتباطه في أمكنة أخرى خاصة، وهذا سيؤثر بصورة إيجابية على ما سيطرح من أسئلة منه على الجهة الممثلة للسماء.

الرابعة : من المفروض أن المتواجد في المسجد يكون مستحضراً لشيء طوال فترة تواجده في المسجد وهذا الشيء هو الهدف من بناء المسجد ألا وهو أن يعم الخير والنفع كل الناس، لذا فإن هذا سيؤثر على ما يدور في ذلك المكان وبهذا تقل فرصة حياكة المؤامرات والدسائس ضد جهات معينة تحت ذريعة معينة كعنوان المصلحة العامة وما شابه.

الخامسة : إن وجود الجامع وسط المدينة أو القرية كما هو المفروض، سيؤدي إلى تساوي فرصة الجميع للوصول إلى المسجد والاستفادة ممن سيتواجد في المسجد، وهذه الأطروحة ترجح كفة المسجد على المكان من الناحية الجغرافية المتوفرة ذاتياً في الجامع بينما هي ممكن توفرها عرضاً في المكان الخاص غير المسجد.

ومن خلال هذه الأطروحات الخمس نفهم ولو احتمالاً سر اتخاذ الأنبياء ((صلوات الله عليهم)) المساجد مجالساً لهم, ونفهم بالملازمة فائدة اتخاذ المرجعية المسجد مكتباً لها فضلاً عما ذكرنا من سهولة تسلم مهام المرجعية ووضوح المرجع الذي يخلف المرجع المتوفى بدلالة المكان عليه، بالإضافة إلى ذلك فإن هذه الخطوة تعكس مدى التكاتف والألفة بين أفراد الحوزة وأبناء المذهب الواحد، كما أنها أيضاً أحد أساليب مواكبة الزمن لأنها ستكون سبباً في تخطي كل السلبيات التي أشرنا إليها في فقرة (مواكبة الزمن)، مما يحفظ للدين والمذهب غضاضته وطراوته وتجدده مع الزمن ويجعله صالحاً لقيادة الحياة, وربما يمكن أن نفهم الأحاديث التي تصف زمان خروج الإمام ((عليه السلام)) وأنه سوف يأتي بدين جديد، هو أن التجديد سيكون في الأسلوب لا في جوهر الدين، لكنه سيخالف ارتكازات الناس وحبهم للموروث والأثري والمتحجر لذا سوف يكون جديداً عليهم.

الفصل السادس

أحكام المساجد وآدابها

مقدمة

بعد أن عرفنا في الفصول السابقة أهمية المسجد في الإسلام لكونه أحد المؤسسات الاجتماعية الفعالة فيه وعرفنا فوائده الاجتماعية والدينية، وعرفنا تكاليفنا تجاهه وكيفية توظيفه كأداة مواكبة للزمن، بقي أن نعرف في هذا الفصل اللمسات الأخيرة لهذه الأداة الفعالة في تطوير الحياة الإسلامية بكل صورها، وهذه اللمسات هي الأفعال والتصرفات داخل المسجد من واجبات ومستحبات ومكروهات ومحرمات، لتكتمل الصورة الناصعة لدى القارئ في معرفة كل شيء عن المساجد في الإسلام، ويحق له عندئذ أن يفتخر بهذا التشريع العظيم المتكامل الذي فيه نفعه وخيره وتكامله إن شاء الله تعالى, ثم نختم الفصل و الكتاب إن شاء الله تعالى بحوارية فقهيه حول الاسئلة الابتلائية وبعض الأفكار الأخرى والتي أتحفنا بها سماحة حجة الإسلام الشيخ محمد اليعقوبي((أدامه الله)) لتكون مكملة للبحث ومظهره له بالصورة التي يعم النفع بها إن شاء الله، على أن سماحة الشيخ قد واكب الفكرة(161) منذ ولادتها، وما زال يغدق عليها بتوجيهاته وملاحظاته، ويكلف هذا وذاك من طلبته بالكتابة والبحث إلى أن ظهرت بالصورة التي تراها . . نسأل الله سبحانه أن يمُنَ علينا بطول بقائه ويمُنَ عليه وعلينا برضاه إنه وليّ النعم.

الواجبات والمحرمات

ذكر الفقهاء (أعلى الله مقامهم)، جملة من أحكام المساجد في رسائلهم العملية ومن جملتها، عدم جواز نقش المساجد بالصور ذوات الأرواح كالإنسان والحيوان لأن هذا من التجسيم المحرم, والمسجد محل للعبادة والزهادة والتوجه والتضرع إلى الله، ولا يجوز كذلك إخراج الحصى والرمل والتراب ونحوه من أجزاء المسجد، لأنه ورد في خبر وهب بن وهب عن الإمام الصادق ((عليه السلام)) عن أبيه ((عليه السلام)) : ((إذا أخرج أحدكم الحصاة من المسجد فليردها مكانها أو في مسجد آخر، فإنها تسبح))(162)، لكن عندما يكون المسجد في حالة بناء أو ترميم فيجوز إخراج التراب والحصى والحجارة الزائدة، كما يجوز إخراج التراب المجتمع عند الكنس.

ومن المهم للقارئ أن يعرف أن جميع آلالات وأفرشة المسجد هي وقفُ على المسجدية فلا يجوز إخراجها أو بيعها أو التصرف بها تصرفاً ناقلاً لها إلى مكان آخر أو متلفا لها، كما لا يجوز أن يدخل المسجد في ملك بانيه أو ملك أي شخص آخر مهما كان مركزه الاجتماعي أو الديني.

ومن الأحكام الأخرى التي وضعها الشارع المقدس والتي تصب في تركيز قدسية المسجد في حياة المسلمين، هي حُرمة تنجس المسجد أرضاً وفراشاً وبناءً، وليس هذا فقط بل يجب المبادرة إلى إزالة النجاسة، حتى لو تعارضت تلك الإزالة مع الصلاة نفسها فيجب تقديم الإزالة على الصلاة إلا في حالة ضيق الوقت، هذا بالنسبة للنجاسات المتعدية أما النجاسات غير المتعدية فكذلك لا يجوز إدخالها إلى المسجد إذا كانت تتضمن صورة الهتك للمسجد كإدخال الكلب أو الخنزير أو قنينة خمر والعياذ بالله. فيجب في كل هذا إزالة تلك النجاسة وإخراجها من المسجد، ويجب إخبار الغير في حالة عدم التمكن من الإخراج.

ومن الأمور التي يجب تجنبها وقد حرمها الشارع حفظاً لقدسية المسجد هي دخول المجنب والحائض إلى المسجد، ويحرم هذا الدخول حتى لو كان لوضع شيء في المسجد أو أخذ شيء منه، كما لا يجوز دفن الميت في المسجد حتى لو كان مأموناً من التلويث.

المستحبات والمكروهات

ذكر الفقهاء (أعلى الله مقامهم) جملة من المستحبات والمكروهات التي ينتفع القارئ بذكرها إن شاء الله تعالى حتى يراعي تطبيقها اثناء تواجده في المساجد، فالمستحبات :

1 ــ تستحب الصلاة في المساجد وأفضلها المسجد الحرام، والصلاة فيه تعدل ألف صلاة ثم مسجد النبي ((صلى الله عليه وآله)) والصلاة فيه تعدل عشرة آلاف صلاة ثم مسجد الكوفة والمسجد الأقصى والصلاة فيهما تعدل ألف صلاة ثم المسجد الجامع والصلاة فيه بمئة صلاة، ثم مسجد القبيلة والصلاة فيه تعدل خمساً وعشرين صلاة، ثم مسجد السوق والصلاة فيه تعدل اثنتي عشرة صلاة.

2 ـــ يستحب التردد إلى المساجد ففي الخبر ((مَن مشى إلى مسجد من مساجد الله فله بكل خطوة خطاها حتى يرجع إلى منزله عشر حسنات ومحي عنه عشر سيئات ورفع له عشر درجات ))(163).

3 ــ يستحب سبق الناس في الدخول إلى المساجد والتأخر عنهم في الخروج منها.

4 ــ يستحب التطيب ولبس الثياب الفاخرة عند التوجه إلى المسجد، كما يستحب الدخول بالرجل اليمنى والخروج باليسرى.

5 ـــ يستحب الإسراج في المسجد وجعله مضيئاً بأية وسيلة من وسائل الإنارة.

6 ــ يستحب كنس المسجد وجعل المطهرة ــ وهو مكان الوضوء ــ على بابه.

7 ـــ تستحب صلاة تحية المسجد بعد دخوله وهي ركعتان ويجزي عنها أي صلاة واجبة أو مستحبة أخرى.

المكروهات

وردت الكثير من الروايات التي فهم منها الفقهاء، كراهة بعض الأفعال المتعلقة بالمساجد ككراهة تعلية جدران المسجد، ورفع منارته عن السطح بدون مبرر عقلي أو شرعي، وكراهة نقش المساجد ببعض النقوش التي تعكس الترف والبذخ، كما يكره أن تكون المحاريب داخلة في المسجد، وإنما تكون ضمن جدار المسجد وخارجه كما يكره النخامة، والنوم في المسجد إلا لضرورة. ويكره أيضاً رفع الصوت في المسجد إلا في الدعاء والأذان وقراءة القرآن، ويكره قراءة الأشعار في غير المواعظ، ويكره أيضاً التكلم في أمور الدنيا والبيع والشراء وقتل القُمَّل وأكل البصل والثوم عند إرادة الدخول إلى المسجد، ويكره تمكين الأطفال والمجانين من الدخول وعمل الصنائع اليدوية وكشف العورة في المسجد ـــ مع أمان الناظر وإلا فمع رؤية الناظر لها فهي حرام ــ ويكره أيضاً كشف السرة والفخذ والركبة وإخراج الريح. ومَن شاء المزيد فليراجع كتاب وسائل الشيعة الجزء الثالث، أبواب أحكام المساجد وغيرها من كتب الحديث.

توسيع المساجد

لو تطلب الأمر بعد فترة من بناء المسجد توسيعه، فهل يصبح المكان الجديد مسجداً أيضاً؟ وهل كل المساجد المعروفة هي قابلة للتوسيع بحيث يصبح المكان الجديد المنضم للمسجد مشمولاً بأحكام المسجدية؟

أجاب الفقهاء على هذه الأسئلة جميعاً وقالوا بكلمة واحدة تقريباً : إن كل المساجد قابلة للتوسيع ويلحق المكان الجديد أحكام المسجدية العامة والمذكورة فيما تقدم من الفصل السادس من هذا الكتاب، أما الأحكام المسجدية الخاصة ببعض المساجد كالمسجد الحرام والمسجد النبوي ومسجد الكوفة والتي منها جواز التخيير بين القصر والتمام للمسافر وحرمة الاجتياز للمجنب والحائض في المسجدين الحرام والنبوي فلا تلحق المكان الجديد الذي حصل فيه التوسيع.

أرض المسجد

إذا أريد بناء مسجد على أرض مستحقة للخمس أو مجهولة المالك أو مستحقة لحق من الحقوق الشرعية أو مغصوبة فإنه لا يترتب على ذلك البناء آثار المسجدية، ولكن يجوز الرجوع في الأرض المستحقة للخمس أو مجهولة المالك إلى الحاكم الشرعي لاستحصال الإذن باتخاذها مسجداً وتترتب عليها آثار المسجدية وبهذا يكون ارتباط المسجد بالحوزة العلمية الشريفة منذ اللحظات الأولى للبناء ويبقى ارتباطه فيما بعد البناء فيكون بذلك قد بُنيَ على التقوى لا أن بانيه يعمل المستحبات ـــ لغرض دنيوي ـــ وهو تارك للواجبات والعياذ بالله.

الحوارية الفقهية

وكما وعدنا القارئ الكريم ستكون هذه الحوارية التي بادرنا بأجوبتها سماحة الشيخ محمد اليعقوبي ((أدامه الله)) بشيء من البسط والتفصيل لتعم الفائدة إن شاء الله ولتظهر وتبرز بعض فقرات البحث بشيء من الوضوح وتتركز في ذهن القارئ فيتحقق الهدف الذي أُعدَّ من أجله هذا الكتاب ألا وهو الحضور في المساجد :

] مسألة1[ هل الحضور في المساجد لأداء الصلوات جماعة والمشاركة في الشعائر الدينية كالاستماع إلى المحاضرات وحلقات الدرس واجب؟

بسمه تعالى : يمكن أن يكون الجواب على أكثر من مستوى :

الأول : الأخلاقي، وهو بهذا المعنى واجب أكيداً، لأن الحضور في المساجد يعطي فرصة لتحقيق كثير من الطاعات :

1 ــ ثواب المشي إلى المساجد، ففي حديث ((مَن مشى إلى المسجد لم يضع رجلاً على رطب ولا يابس إلا سبّحت له الأرض إلى الأرضين السابعة))(164) وفي حديث ((ما عُبدَ الله بشيء مثل الصمت والمشي إلى بيته))(165)، راجع الوسائل، أبواب أحكام المساجد، باب 4 ، ح1 ــ 2، ج 3، ص 483.

2 ـــ فضل صلاة الجماعة خصوصاً وأنها تؤدى في وقت الفضيلة فيحرز بذلك فضل المبادرة إلى الصلاة في أول الوقت، ففي الحديث عن الباقر ((عليه السلام)) ((فضل صلاة الجماعة على صلاة الرجل فرداً خمس وعشرون درجة في الجنة))(166)، وغيرها من الأحاديث راجعها في الوسائل أبواب صلاة الجماعة باب 2،1 من ج5، ص370 وما بعدها، وفي حديث آخر يقول ((مَن تركها ـــ أي صلاة الجماعة ـــ رغبة عنها وعن جماعة المؤمنين من غير علة فلا صلاة له))(167)، ويصل الاهتمام بها إلى رجلاً أعمى أتاه ((صلى الله عليه وآله)) فقال : يا رسول الله أنا ضرير البصر وربما اسمع النداء ولا أجد مَن يقودني إلى الجماعة والصلاة معك فقال له النبي ((صلى الله عليه وآله)) : ((شدّ من منزلك إلى المسجد حبلاً وأحضر الجماعة))(168).

3 ـــ ثواب إعمار المساجد بالصلاة فيها والتواجد فيها للذكر والدعاء ولقاء المؤمنين وتبادل الأحاديث النافعة وسماع الموعظة، ففي حديث عن الصادق ((عليه السلام)) عن آبائه ((عليهم السلام)) قال : ((أن الله إذا أراد أن يصيب أهل الأرض بعذاب قال : لولا الذين يتحابوّن فيّ ويعمرون مساجدي ويستغفرون بالأسحار لولاهم لأنزلتُ عذابي))(169)، (الوسائل، ج3 أبواب أحكام المساجد،باب 8 ، حديث 5).

4 ـــ الفوائد الدينية والاجتماعية والروحية والتي ذكرناها في محل آخر.

الثاني: الشرعي أو الفقهي، ويمكن أن يكون الحضور واجباً على أحد شكلين :

أ ـــ الوجوب الكفائي : باعتبار حرمة تعطيل المساجد ولا تدفع هذه الحرمة إلا بالحضور في المساجد على نحو الوجوب الكفائي على الأقل فعن الإمام الصادق ((عليه السلام)) قال : ((ثلاثة يشكون إلى الله عزّ وجلّ : مسجد خراب لا يصلي فيه أهله، وعالم بين جهّال ومصحف معلق قد وقع عليه الغبار لا يقرأ فيه))(170).

ب ــــ الوجوب العيني : وتوجد أحاديث يمكن ان يُفهم منها ذلك خصوصاً للقريبين من المسجد فعن الإمام الصادق ((عليه السلام)) عن آبائه ((عليه السلام)) قال : ((اشترط رسول الله ((صلى الله عليه وآله)) على جيران المسجد شهود الصلاة، وقال : لينتهين أقوام لا يشهدون الصلاة أو لآمرنَّ مؤذناً يؤذن ثم يقيم ثم آمر رجلاً من أهل بيتي وهو علي ((عليه السلام)) فليحرقنَّ على أقوام بيوتهم بحزم الحطب، لأنهم لا يأتون الصلاة))(171)،

الوسائل أبواب صلاة الجماعة، باب 2 ، ح 6، ج5، ص376.

] مسألة2[ إذا كان الحضور في المساجد بهذه الأهمية فلماذا نجد إعراض المجتمع عنها بحيث لا يُشكل عدد الموجودين في المساجد وقت الصلاة إلا نسبة ضئيلة من أفراد المجتمع؟

بسمه تعالى :

إن هذا شيء مؤسف ومؤلم ويعبر عن ضعف الوازع الديني بدرجة كبيرة بحيث لا يُظن أن الالتزام الديني قد خالط لحمهم ودمهم ورسخ في قلوبهم وإنما هو (لقلقة لسان)، وإني قد اطلعت على الواقع المؤلم حيث أجد مسجداً يتوسط مدينة كبيرة أو حياً سكنياً مكتظاً لا يتجاوز عدد المصلين فيه مئة مصلي، فأين الآخرون؟!

وما هو البديل الآخر الذي هو أهم من أداء الصلاة الفريضة في وقتها جماعة في المسجد حتى قدّموه على هذا الحضور المثمر؟! بل الخطب الأفضع أنك تجد البديل هو الجلوس في المقاهي(172) أو مخالطة أصدقاء السوء أو التسكع في الشوارع والطرقات مما يملأ الظهر أوزارا وأثقالا.

] مسألة 3[ من المؤكد أن سماحة الشيخ يتفق معنا بان إظهار الأسى والألم وحده لا يكفي، إذن فما هو رأيكم ورأي الحوزة الشريفة كحل لمسألة الحضور في المسجد؟

بسمه تعالى : إن الحل يقع من طرفين :

الأول : الحوزة الشريفة وضمن عدة نقاط :

1 ــ عليهم أن يشغلوا كل مسجد فارغ لا تقام فيه صلاة الجماعة.

2 ــ أن يقوموا بتوعية الناس وإرشادهم وتوجيههم بكلمات يقولونها بعد الصلاة يومياً أو في الجمعة مرة على الأقل.

3 ــ أن يكونوا بمستوى المسؤولية والدور المطلوب منهم أخلاقيا وعلميا وثقافيا واجتماعيا بحيث يسع أحدهم المجتمع كله(173). كما قال ((صلى الله عليه وآله)) لأقربائه : ((يا بني عبد المطلب أنكم لا تستطيعون أن تسعوا الناس بأموالكم فسعوهم بأخلاقكم))(174).

الثاني : أبناء المجتمع، إذ عليهم الالتفاف حول حوزة الدين الشريفة والالتزام بتعاليمها ونصائحها وإعطاء الأولوية في الاهتمام لنداء الدين ولا يكونوا من ابناء الدنيا إن دعتهم لبوا نداءها وإن دعاهم الدين تثاقلوا إلى الأرض، وإن كان إمام الجماعة مقصراً فعليهم أن يضغطوا عليه ويخرجوه من جموده ليكون بمستوى المسؤولية ضمن الفرصة المتاحة له ولهم، كما أن عليهم رفع أمرهم إلى المرجعية الواعية المخلصة لتضع لهم الحل المناسب عندما يواجهون مشكلة ما، وعليهم التعاون مع إمام مسجدهم الذي يمثل حلقة الوصل بينهم وبين المرجعية.

] مسألة 4[ ورد في الحديث الشريف : ((لا صلاة لجار المسجد))(175)، وفهم منها الفقهاء بأنه لا صلاة كاملة لجار المسجد ولم يُفت أحد منهم ببطلان صلاته، فهل ترون ما رأوه الفقهاء؟ ثم ألا يعتبر الحكم بصحة الصلاة تهوين للحث على حضور المساجد الذي أراده الرسول((صلى الله عليه وآله))؟

بسمه تعالى

(لا) هنا نافية للجنس فيكون مفادها نفي الحقيقة، أي حقيقة الصلاة ويكون معناها أن صلاة جار المسجد في غير المسجد لغو، لكن لما دلت أدلة أخرى على أجزائها وبراءة الذمة بأداء الصلاة ولو في غير المسجد فتحمل (لا) هنا ــ في الحديث ــ على نفي الكمال ويكون تقدير الجملة (لا صلاة كاملة) وبالتأكيد فإن الصلاة في المسجد أكمل من الصلاة خارجه، وليس في ذلك تقليل من أهمية الصلاة في المسجد، لكن الشارع المقدس لعلمه بتباين مستويات الناس واستعدادهم لتطبيق الشريعة الإلهية فإنه وضع حدا أدنى (وهي المحرمات والواجبات) التي لا يسمح بالتهاون بها وهو حد يشترك به جميع الناس ويستطيع أداءه جميع الناس ولا يستطيع أن يكلف الناس كلهم بأكثر من ذلك لأنهم سيتمردون، ثم جعل فوق ذلك مكروهات حث على اجتنابها ومستحبات رغب في إتيانها ليتنافس فيها المتنافسون ويزداد منها من يطلب الكمال, والمفروض أن كلا منا يريد الاستزادة من الخير ولا يقف عند حد وليس طالب الدنيا بأشد فهما وطلبا للمزيد من الراغب في الآخرة، فكما أن ابن الدنيا لا يقف طموحه عند حد فكذا ابن الآخرة, فإذن هو لا يقف عند الحد الأدنى بل يسعى نحو المزيد والالتزام بهما عنده سواء.

] مسألة5[ قد لا يتوفر للبعض فرصة الحضور في المساجد لبعد المسافة أو سوء الأحوال الجوية أو وقت الفجر حيث يصعب الخروج إلى المسجد فما هو البديل؟

بسمه تعالى

إن ما ذكر في السؤال لا يعد مانعاً عن الحضور في المساجد بل على العكس هو فرصة لزيادة الأجر والثواب باعتبار أن أفضل الأعمال أشقها على النفس وأكثرها مخالفة لهواها، فبعد المسافة يعني زيادة عدد خطوات المشي إلى المسجد وقد نصت الأحاديث(176) على أن في كل خطوة ما شاء الله من الحسنات، أما الأحوال الجوية، فقد رؤي الإمام السجاد ((عليه السلام)) في ليلة ممطرة شاتية وهو يسير في طرقات المدينة بأبهى حلة فقيل إلى أين يا ابن رسول الله ((صلى الله عليه وآله)) في مثل هذا الحال؟ قال ((عليه السلام)) : إلى مسجد رسول الله ((صلى الله عليه وآله)) أخطب إلى الله عزّ وجل الحور العين في الجنة. وأما وقت الفجر ورد الحث الأكيد على إقامة صلاة الصبح جماعة (راجع الوسائل أبواب صلاة الجماعة).

ولو تنزلنا عما قلناه فإنه يستحب لكل إنسان أن يتخذ مسجداً في بيته بمعنى أن يخصص مكانا للعبادة، ويظهر من بعض الأحاديث أن الأئمة كانوا يفعلون ذلك، لذا ورد استحباب إشعال السراج في مصلى المؤمن في الليلة الأولى بعد دفنه وورد أن ممن يبكي على المؤمن إذا مات البقعة التي كان يعبد الله فيها ويرفع منها عمله الصالح، مما يدل على وجود بقعة معينة كان يتخذها مسجداً.

وإذا كان الشخص يحسن القراءة وملتزماً بالشريعة (وهو ما يعرف بالعدالة) فيمكنه أن يقيم صلاة الجماعة بأهله في الدار فيؤجر ويؤجرون, وتنعقد الجماعة ولو بواحد مع الإمام.

] مسألة6[ ما هو برأيكم الفارق الرئيسي بين الصلاة في البيت والصلاة في المسجد؟ ولماذا حث الإسلام على الحضور في المساجد بشكل مكثف؟

بسمه تعالى

الصلاة في المساجد تثمر عن نتائج إيجابية كبيرة على الصعيد الروحي والديني والاجتماعي وقد ذكر أحد الأخبار الشريفة مجموعة من هذه الثمار, ففي كتاب الخصال للشيخ الصدوق (رضي الله عنه) عن أمير المؤمنين ((عليه السلام)) أنه كان يقول : ((من اختلف إلى المساجد أصاب إحدى الثمان أخا مستفادا في الله أو علما مستظرفا أو آية محكمة أو رحمة منتظرة أو كلمة ترده عن ردى أو يسمع كلمة تدله على هدى أو يترك ذنبا خشية أو حياءً))(177)، وقوله ((عليه السلام)) إحدى الثمان أي على الأقل وإلا فيمكن للمؤمن أن يحصل عليها جميعا فإنه يتعرف على أخوة مؤمنين ويكسب أصدقاء خيرين كما أنه يستفيد علما جديداً أو يتعلم تفسير آية محكمة من خلال استماعه للمحاضرات والخطب والحوارات التي تعقد في المساجد وأنه يشمل بالرحمة التي يفيضها الله تبارك وتعالى على زائريه في بيته وعلى المجتمعين في صلاة الجماعة أو محاضرة دينية أو مجلس لذكر مناقب وفضائل أهل البيت ((عليهم السلام))، ويستمع أيضاً إلى موعظة تولد عنده روح التقوى والورع وتذكره بالموت وأهوال الآخرة فيرتدع عن المعاصي والذنوب أو ينصت إلى إرشاد وتوجيه يهديه إلى طريق الحق كما أنه خلال وجوده في المسجد يكون في مأمن من الوقوع في كثير من المحرمات التي يمكن أن يتورط بها الإنسان في حياته العامة فتكون فرص الذنوب معدومة في المسجد كالنظر إلى الأجنبية أو استماع الغناء أو مجاملة أهل الفسق والعصيان، وهذه الفوائد وغيرها كثير مما يجنيه الإنسان من تردده على المساجد، وقد جرب كل واحد منا هذه النعم والفيوضات الإلهية وعظمة السعادة والطمأنينة التي يشعر بها أثناء وجوده في المساجد ويبقى طعمها في أعماقه ويعطيه جرعة جديدة لاجتناب المعاصي والازدياد من الطاعات.

] مسألة 7[ تشكو بعض المناطق من عدم وجود صلاة جماعة في مساجدها أو انحسار عدد المصلين فيها بحيث لا يبقى أحد إلا المؤذن وخادم المسجد، فما هي أسباب ذلك وكيف يتم معالجتها؟

بسمه تعالى

أسباب ذلك عديدة يمكن تصنيفها ضمن عناوين :

أولاً : حوزوية, ومنها :

1 ــ قلة عدد طلبة الحوزة الشريفة المؤهلين لتمثيل المرجعية في المناطق المختلفة وأداء وظيفتهم الشرعية.

2 ـــ سوء تصرف بعضهم إما بالتوسع في المعيشة والترف أو عدم سعة الصدر مما أوجب نفور الناس وإعراضهم عنهم أو التشكيك فيهم.

3 ـــ المبالغة في فهم (العدالة) المشترطة في إمام الجماعة بحيث تقرب عند البعض من العصمة.

ثانياً : نفسية :

1 ـــ شعور البعض بأن الحضور في المسجد مخالف للتقية.

2 ـــ النفور من تصرفات بعض المؤذنين وخدمة المساجد لكثرة ما يطالب به من تبرعات لترميم المسجد أو لشؤونه الخدمية, أو لسوء أخلاقهم لأن أغلبهم من الجهال ويعتبر هذه الوظيفة نحواً من أنحاء التسلط، فتظهر نفسه الأمارة بالسوء على حقيقتها.

3 ـــ خلافات شخصية مع إمام الجماعة أو بعض الموجودين في المسجد.

4 ـــ نزوع النفس الإنسانية إلى حب الدنيا واللهو واللعب والترفيه، ولا شك أن فترة الحضور في المسجد تحمل معاني الجد والالتزام والانضباط.

ثالثاً : اجتماعية :

1 ـــ قلة الوعي الديني لدى المجتمع وعدم التفاته إلى أهمية الحضور في المساجد والفوائد المترتبة عليه.

2 ـــ تفشي الإشاعات والبحث عن العيوب والنقائص ولو كانت وهمية أو كانت قديمة وتاب عنها الرجل ـــ أعني إمام الجماعة ـــ .

3 ـــ إقامة الفواتح ومجالس العزاء بما تتضمنه من مراسيم اجتماعية أو تقديم مسا