بحوث استدلالية--المسألة الخامسة والثلاثون... رمي الجمرات إلـى الجدار المستحدث ومن الطوابق العلوية

بحوث استدلالية المسألة الخامسة والثلاثون... رمي الجمرات إلـى الجدار المستحدث ومن الطوابق العلوية

رمي الجمرات إلـى الجدار المستحدث ومن الطوابق العلوية

 

 

بسم الله الرحمن الرحيم

المسألة الخامسة والثلاثون

رمي الجمرات إلـى الجدار المستحدث ومن الطوابق العلوية

           استحدث في الجمرات الثلاث التي ترمى في منى في السنوات الأخيرة أمران:-

1-  بناء جدار طويل يتوجه إليه الحجاج بالرمي بعد أن كانوا يوجهون حصاهم إلى شاخص لا تتجاوز مساحة مقطعه متراً مربعاً.

2-    بناء طوابق متعددة فوق الطابق الأرضي وفي كل منها جدار يرميه الحجاج.

          ومن هنا انفتح السؤال حول إجزاء الرمي إلى هذا الجدار على طوله الذي قيل أنه يبلغ 26 متراً والرمي الذي في الطوابق العليا غير الطابق الأرضي.

 وإذا كان الحكم هو الإجزاء فلا شك أنه يساهم كثيراً في فك الزحام عند رمي الجمرات الذي تسبّب في المئات من الضحايا بسبب التدافع والاختناق لحرص الحجاج على إصابة الأعمدة الشاخصة في مواضع الجمار باعتبار أن المرتكز في أذهانهم هو أن الواجب في الرمي إصابة العمود الشاخص بحيث لو أخطأه لم يُجزِه وعليه الإعادة، وقد نشأ هذا الارتكاز من ذهاب عدد من الفقهاء المتأخرين (قدس الله أرواحهم) إلى أن الجمرة الواجب رميها هو العمود أو البناء كما سننقل عنهم بإذن الله تعالى.

          ولكن الفقهاء المعاصرين في الحجاز أفتوا بأن الموضع الواجب رميه هو أرض الجمرة التي يقع الشاخص في وسطها والتي يجتمع فيها الحصى فهم يعتبرون مجتمع الحصى هو موضع الجمرات، وإنما اختلفوا من جهتين:-

1-    هل إن العمود الشاخص من الجمرة التي يصحّ رميها بحيث أن العمود لو أزيل فهل يجزي الرمي إلى موضعه؟

2-    مساحة الموضع الذي يصح رميه.

          قال بعض أعلامهم: ((وقد اتفق الفقهاء على أن الجمرة هي مجتمع الحصا الذي تحت العمود، فإذا وقع الحصا تحت العمود أجزأ.

          ولكنهم اختلفوا فيما خرج عن مجتمع الحصا، أو وقع على الشاخص ولم تنزل فذهب بعض علماء الحنفية إلى أن الحصاة إذا وقعت قريباً من الجمرة أجزأت، والقرب حسب العرف فما عُدّ قريباً فهو قريب، وما عد في العرف بعيداً فهو بعيد)).

          ((وجاء في إرشاد الساري: (والبعد والقرب بحسب العرف، ولذا قال في الفتح فلو وقعت بحيث يقال فيه ليس بقريب منه ولا بعيد فالظاهر أنه لا يجوز احتياطاً).

          فبناءً على ما ذهب إليه الحنفية لا يلزم إصابة مجتمع الحصا بالرمي بل لو رمى ووقع قريباً منه أجزأ.

          وأما بالنسبة للشاخص فليس موضعاً للرمي عند الحنفية، ولكنه علامة للجمرة، ولكن لو وقع على أحد جوانب الشاخص أجزأه للقرب، ولو وقع على قبة الشاخص ولم ينزل عنها لا يجزئه للبعد.

          وذهب المالكية في القول المعتمد عندهم إلى أن الشاخص موضع للرمي لأنه يقع عليه اسم الجمرة فيصح للرمي فيه ويجزئ ولو لم تقع الحصاة على مجتمع الحصى، وذهب بعضهم إلى أن المراد بالجمرة مجتمع الحصى فلا يجزئ ما خرج عنه قال الدردير: (الجمرة هي البناء وما حوله من موضع الحصى، وهو أولى، فإن وقعت الحصاة في شق من البناء أجزأت على التحقيق)، قال الصاوي: (وقيل إن الجمرة اسم للبناء الذي حول المكان فقط محل اجتماع الحصى، وعليه فلا يجزئ ما وقف في البناء ولكن التحقيق الإجزاء).

          وعند جمهور الشافعية –كما ذكر النووي-: (الجمرة مجتمع الحصى لا ما سال من الحصى فمن أصاب الحصى بالرمي أجزأه، ومن أصاب سائل الحصى الذي ليس هو بمجتمعه لم يجزه، والمراد بمجتمع الحصى في موضعه المعروف).

          وأما الشاخص فلا يصح رميه قال ابن حجر الهيتمي: (وعلم من عبارته –يعني النووي- أن الجمرة اسم للمرمى حول الشاخص، ومن ثم لو قلع لم يجز الرمي إلى محله، ولو قصده لم يجزئ).

          ويرى بعض علماء الشافعية الإجزاء إذا قصد الشاخص ولو لم تسقط في مجتمع الحصى لأن العامة لا يقصدون بذلك إلا فعل الواجب، والرمي إلى المرمى، وقد حصل فيه بفعل الرمي، قال الشرواني: (وهذا هو الذي يسع عامة الحجيج اليوم).

          ويرى الحنابلة أن المرمى مجتمع الحصى لا نفس الشاخص ولا مسيله فلا يجزي عندهم رمي الشاخص.

          ويفهم مما سبق أن جمهور العلماء يرون أن محل الرمي هو مجتمع الحصى ويزيد الحنفية جواز وقوع الحصى قريباً من المرمى، ويرى المالكية وبعض الشافعية جواز رمي الشاخص أو محله))([1]).

          ونقل بعض الأعلام المعاصرين (دام ظله الشريف) عن مقال بعنوان (الجمرات) نُشر في العدد (49) سنة (1421 هـ) من مجلة (البحوث الفقهية المعاصرة) قوله: ((أما العلم الشاخص في وسط الجمرات، فقد اختلف الفقهاء في احتسابه جزءاً من المرمى، أو خارجاً عنه، نظراً لاختلافهم في وجوده على عهد النبي (صلى الله عليه وآله)ويترتب على هذا خلاف فقهي في صحّة رمي مكان الشاخص لو أُزيل، وفي بقاء حصى الجمار عليه بشقوق جداره في حالة وجوده أو على قمته. فمن يذهب إلى وجود الشاخص على عهد رسول الله (صلى الله عليه وآله) يعدّ مكانه جزءاً من المرمى في حالين بقائه أو زواله، يصحّ الرمي إلى مكانها، وما بقي من الجمار بين شقوق الجدار.

          ومن يرى استحداثه بعد عهد النبوّة يرى أنّه ـ أي الشاخص ـ لا يعدّ من المرمى، فلا يصحّ الرمي إلى مكانها بعد زوالها، أو بقاء حصى الجمار عليه، أو بين شقوق جدارها.

          فمن ثَمّ يطرح الفقهاء عند هذا الموضع السؤال التالي: هل أرض العلم (الشاخص) من أصل المرمى بحيث يجزئ الرمي إلى محلّه لو أزيل، أو لا؟ خلاف.

          ذهب ابن حجر إلى أنّها ليست من المرمى، فلا يجزئ الرمي إليها لو أُزيل العَلَم، وقال العلاّمة إبراهيم الباجوري تبعاً لابن قاسم: هي منه، ويجزي الرمي إليه لو أُزيل، وأما ذات العلم المبني فليس بمرمى، فلا يكفي الرمي إلى العلم المنصوب في الجمرة.

          وعند العلاّمة محمد الرملي: يجزئ الرمي إلى العَلَم إذا وقع في المرمى، قال: لأنّ العامة لا يقصدون بذلك إلاّ فعل الواجب.

          وتتعدّد اجتهادات العلماء في عدّ مكان الشاخص لو أُزيل من الجمرة أم لا، وهل يصح الرمي إليه؟

          تعرض لهذا الموضوع أيضاً العلاّمة الشيخ محمود الشكري بن السيد إسماعيل حافظ كُتب الحرم المكي قائلاً:

          واختلف في أرض الشاخص، قيل: إنّها مجتمع الحصى، وقيل: لا، والأوّل هو الأرجح والأقوى، وعلى كلا القولين يجوز الرمي إليه لو أُزيل الشاخص; لأنّها من المرمى الحقيقي على القول الأول، ومن المرمى الحكمي على القول الثاني))([2]).

          وأما من حيث مساحة الرمي فقد ورد عندهم تحديدها بدائرة نصف قطرها ثلاثة أذرع (أي متر ونصف تقريباً) مركزها الشاخص؛ قال محب الدين الطبري المتوفى سنة 494 هـ: ((لم يذكروا في المرمى حدّاً معلوماً، غير أنّ كلّ جمرة عليها عَلَمٌ، فينبغي أن يرمي تحته على الأرض، ولا يبعد عنه احتياطاً، وحدَّهُ بعض المتأخرين بثلاثة أذرع من سائر الجوانب إلاّ في جمرة العقبة فليس لها إلاّ وجه واحد))([3]).

          والظاهر أن التحديد اجتهاد منه وتخمين، فقد حُكي عن حواشي الشيرواني قوله: ((الجمرة: مجتمع الحصى، حدَّه الجمّال الطبري بأنّه ما كان بينه وبين أهل الجمرة ثلاثة أذرع فقط، وهذا التحديد من تفقّهه وكأنه قرب به مجتمع الحصى غير السائل، والمشاهدة تؤيده فإنّ مجتمعه غالباً لا ينقص عن ذلك.

          تنبيه: لو فرش في جميع المرمى أحجاراً فأثبتت، كفى الرمي عليها،
كما هو ظاهر; لأن المرمى وإن كان هو الأرض إلاّ أنّ الأحجار المثبتة فيه صارت تعدّ منه ويعدّ الرمي عليها رمياً على تلك الأرض))([4]).

         

 

 

المسألة في كلمات الأصحاب (قدس الله أرواحهم):

          في ضوء ما تقدم يكون الأساس الذي ننطلق منه للإجابة عن السؤال محل البحث هو تحديد الموضع الواجب رميه هل هو العمود الشاخص والبناء القائم أم هو الأرض حوله التي تجتمع فيها الحصى وهذا لا يعني الملازمة بين الإجزاء وكون محل الرمي هي الأرض مثلاً، فإن بعض من عرّف الجمرة هو العمود ومع ذلك قال بإجزاء الرمي من الطبقة العليا([5])، وعلى أي حال فإن تحديد الموضع الواجب رميه تترتب عليه ثمرات عديدة:

(منها) أنه لو أصابت الحصاة العمود وذهبت بعيداً عن مجتمع الحصى أو تبتث في بعض شقوقه ولم تسقط على الأرض فهل هذا الرمي مجزٍ؟

(ومنها) أن الرامي لو نوى إصابة العمود لا الأرض فهل في ذلك إخلال بالفعل.

          والذي يظهر من كلمات فقهائنا أن الأقوال في المسألة عديدة:

(القول الأول) أنه العمود الشاخص أو البناء القائم:

          ويستفاد هذا القول من كلمات جملة من الفقهاء (قدس الله أرواحهم) مطابقةً أو اقتضاءً فقد صرّح بذلك سيدنا الأستاذ الشهيد الصدر الثاني (قدس سره) بقوله: ((والجمرة عبارة عن حائط أو اسطوانة، محاطة بحوض أو جدار دائري يقف الحجاج أمامه ويرمون الاسطوانة بالأحجار السبعة))([6]).

          وقال السيد الخوئي (قدس سره): ((إذا زيد على الجمرة في ارتفاعها ففي الاجتزاء برمي المقدار الزائد إشكال فالأحوط أن يرمي المقدار الذي كان سابقاً، فإن لم يتمكن من ذلك رمى المقدار الزائد بنفسه على الأحوط استحباباً واستناب شخصاً آخر وجوباً لرمي المقدار المزيد عليه))([7]).

          ووافقه السيد السيستاني([8]) (دام ظله الشريف)، وكذا سيدنا الأستاذ الشهيد الصدر الثاني (قدس سره) إلا أنه احتاط استحباباً في رمي المقدار الزائد بنفسه([9]).

أقول: يمكن توجيه هذه الكلمات بما يناسب القول الثاني كما سيأتي عند الاستدلال عليه بإذن الله تعالى.

          وقال الشيخ المنتظري (دام ظله الشريف): ((الجمرات الثلاث هي اسطوانات مبنية من الحجر، وهذه الجمرات الثلاث مثال للشيطان، لأنه لعنه الله تعالى عرض لإبراهيم (عليه السلام) بمنى في مكان الجمرة))([10])، وقال في مسألة أخرى: ((فلو كان قريباً من الجمرة اسطوانة أو حائط مثلاً فرماها اشتباهاً لظنه أنها جمرة يجب  عليه الرمي مرة أخرى))([11]).

          وفي حدود تتبعي لأقوال الفقهاء فإن أول من قطع بوجوب إصابة البناء هو السيد صاحب المدارك (قدس سره) فإنه بعد أن نقل قول الشهيد الأول (قدس سره) في الدروس: ((والجمرة اسم لموضع الرمي، وهو البناء أو موضعه مما يجتمع من الحصى، وقيل: هو مجتمع الحصى لا السائل منه، وصرح علي بن بابويه بأنه الأرض))([12]) قال (قدس سره): ((وينبغي القطع باعتبار إصابة البناء مع وجوده لأنه المعروف الآن من لفظ الجمرة، ولعدم تيقن الخروج من العهدة بدونه، أما مع زواله فالظاهر الاكتفاء بإصابة موضعه))([13]).

          وتبعه الفاضل الهندي في كشف اللثام، قال (قدس سره): ((وهي –أي الجمرة- الميل المبني أو موضعه إن لم يكن، من الجمار بمعنى الأحجار الصغار))([14]).

          وقال الشيخ النراقي (قدس سره): ((وهي –أي جمرة العقبة- منصوبة اليوم في جدار عظيم متصل بتلّ بحيث تظهر جهتها الواحدة))([15]).

(القول الثاني) إنه الأرض التي وضع الشاخص علامة عليها ويجتمع فيها حصى الجمار:

          وقد نسبه الشهيد الأول (قدس سره) في الدروس إلى علي بن بابويه والد الصدوق (رضي الله عنهما) في النص المنقول آنفاً، ولعله يشير بذلك إلى ما ورد في فقه الرضا الذي رجحنا أنه رسالة لوالد الصدوق (رضي الله عنهما) فقد جاء فيه: ((فإن رميت ودفعت في محمل وانحدرت منه إلى الأرض أجزأت عنك، وإن بقيت في المحمل لم تجز عنك وارم مكانها أخرى))([16]).

          وممن صرّح بذلك أبو الصلاح الحلبي (قدس سره) في الكافي: ((فإن رمى حصاة فوقعت في محمل أو على ظهر بعير ثم سقطت على الأرض أجزأت، وإلا فعليه أن يرمي عوضاً عنها))([17]).

          وحكى السيد ابن زهرة (قدس سره) الإجماع عليه بقوله: ((وإذا رمى حصاة فوقعت في محمل أو على ظهر بعير ثم سقطت على الأرض أجزأت ... كل ذلك بدليل الإجماع المشار إليه))([18]).

          وقال الشيخ الطريحي (قدس سره) (ت 1085 هجـ) في مجمع البحرين مادة (جمر): ((والجمرات مجتمع الحصى بمنى فكل كومة من الحصى جمرة، والجمع جمرات)).

          واستوجه هذا القول صاحب الجواهر (قدس سره) فإنه بعد أن نقل كلامَي الشهيد الأول في الدروس وكاشف اللثام (قدس الله روحيهما) المتقدمين نقل كلام صاحب المدارك (قدس سره) المتقدم وقال: ((وإليه يرجع ما سمعته من الدروس وكشف اللثام إلا أنه لا تقييد في الأول بالزوال، ولعله الوجه، لاستبعاد توقف الصدق عليه، ويمكن كون المراد بها المحل بأحواله التي منها الارتفاع ببناء أو غيره أو الانخفاض، لكن ستسمع ما في خبر أبي غسان([19])، بناءً على إرادة الأخبار بحيطان فيه عن الجمار كما هو محتمل، بل لعله الظاهر، إلا أنه محتمل البناء على المعهود الغالب))([20]).

          وحكى السيد السبزواري (قدس سره) عن صاحب الجواهر (قدس سره) أنه ((صرّح بكفاية الرمي إلى المحل في النجاة –أي رسالته العملية نجاة العباد- أيضاً))([21]).

          ويستفاد هذا القول ظهوراً أو اقتضاءً من كلمات عدد آخر، كالعلامة (قدس سره) في التذكرة والمنتهى، قال (قدس سره): ((إذا رمى بحصاة فوقعت على الأرض ثم مرّت على سنتها([22])، أو أصابت شيئاً صلباً كالمحمل وشبهه، ثم وقعت في المرمى بعد ذلك أجزأه، لأن وقوعها في المرمى بفعله ورميه))([23]).

          وقال الشيخ الصدوق (قدس سره): ((فإن سقطت منك حصاة في الجمرة أو في طريقك ...))([24]) بتقريب ((أن التعبير بالسقوط في الجمرة دليل على أن الجمرة هي بقعة الأرض ومحل اجتماع الحصى))([25]).

          وقال الشيخ (قدس سره) في المبسوط: ((فإذا وقعت على مكان أعلى من الجمرة وتدحرجت إليها أجزأه))([26]).

          وعبّر المحقق الحلي (قدس سره) في الشرائع عن نفس المعنى بقوله: ((فلو وقعت على شيء وانحدرت على الجمرة جاز))([27]) وقال مثل ذلك العلامة (قدس سره) في القواعد وابن فهد الحلي (قدس سره) في المحرر، والشهيد الثاني (قدس سره) في المسالك والمحقق الثاني (قدس سره) في المسالك والسيد صاحب الرياض (قدس سره)([28]).

فائدة: أورد بعض الأعلام المعاصرين (دام ظله الشريف) قولاً ثالثاً بالتخيير في الرمي، قال (دام ظله): ((المجموعة الخامسة وتشمل بعض متأخري الفقهاء الذين قالوا بكفاية الرمي إلى الشاخص أو محل اجتماع الحصى، وبعبارة أخرى إنه يستفاد التخيير من كلامهم))([29]) وذكر قول الشهيد الأول (قدس سره) في الدروس وكلمة كاشف اللثام.

          وفيه: إنه ليس قولاً مستقلاً لأن من يقول بإجزاء الرمي إلى مجتمع الحصى لا يجعله بشرط لا عن رمي العمود أي أنه لا يجعل العمود خارج محل الرمي بل هو في وسطه فذكر البناء إشارة إلى الواقع الخارجي ومن ذكر الجزء ثم الكل.

          أما كلمة كاشف اللثام فقد نقلها مبتورة ((وهي الميل المبني أو موضعه)) والصحيح نقلها كاملة كما قدّمنا لتدل على القول الأول.

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

مقدمتان: لغوية وتأريخية

          وقبل الدخول في الاستدلال نؤسس مقدمتين:

(المقدمة الأولى) لغوية، في معنى الجمرة:

          من خلال استقراء المعاجم اللغوية والكتب الشارحة لمفردات الأحاديث الشريفة([30]) يتحصل للجمرة عدة معانٍ:-

1-    الجَمْرة بفتحٍ فسكون: النار المتقدة والقطعة الملتهبة من النار وإذا برد فهو فحم والجمع: جَمْرٌ.

2-  الجمرة: القبيلة انضمت فصارت يداً واحدة، وكل قوم يصبرون لقتال من قاتلهم، لا يخالفون أحداً ولا ينضمون إلى أحد، وتكون القبيلة نفسها جمرة تصبر لقراع القبائل.

3-  تجمّر القوم على الأمر تجميراً أي تجمعوا عليه وانضموا، وهذا جمير القوم أي تجمعهم، وجمّرت المرأة شعرها أي جمعته وعقدته في قفاها ولم ترسله، والمجمر الذي عليه الحلق هو الذي يضفر رأسه.

4-  الجمرة: الحصاة واحدة الجمار، والعرب تسمي صغار الحصى جماراً، وجمار المناسك وجمراتها الحصيات التي يرمى بها في مكة، والتجمير: رمي الجمار، ومنه سمي التطهير بالحجارة استجماراً وورد في الخبر (إذا استجمرت فأوتر) أي قف على الفرد.

5-  أجمر الرجل أو البعير: أسرع في السير وعدى، وورد في الحديث أن آدم (عليه السلام) رمى إبليس (عليه اللعنة) بمنى فأجمر بين يديه أي أسرع.

6-    جمر الجند تجميراً أي حبسهم وأبقاهم في ثغور الأعداء ولم يقفلهم إلى أهاليهم وقد ورد النهي عنه لأن فيه فتنة لهم.

7-  أجمرتُ الثوب إذا بخّرته بالطيب، وفي الحديث: إذا أجمرتم الميت فجمّروه ثلاثاً؛ أي إذا بخّرتموه بالطيب، ومنه نعيم المُجمِّر الذي كان يلي إجمار مسجد رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم).

8-  عن لسان العرب لابن منظور: سُئل أبو العباس عن الجمار بمنى فقال: أصلها من جَمَرْتُهُ و دَهَرْتُهُ إذا نحّيتُه، باعتبار أن إبراهيم (عليه السلام) رمى إبليس عليه اللعنة في تلك المواضع لتنحيته.

9-  الجمرة: موضع الجمار بمنى سمي جمرة لأنها ترمى بالجمار أي الحصى، وقيل لأنها مجمع الحصى التي يرمى بها من الجمرة وهي اجتماع القبيلة على من ناوأها، فالجمرات مجتمع الحصى بمنى، فكل كومة من الحصى جمرة وكل شيء جمعته فقد جمرته، وقيل سميت به من قولهم أجمر إذا أسرع.

          وفي معجم مقاييس اللغة لابن فارس ((الجيم والميم والراء: أصل واحد يدل على التجمع)).

أقول: مما تقدم يظهر أن الوجه الأرجح الذي أجمعوا عليه لتسمية الجمرة هو كونها مجتمع الحصى لأن الأصل في الجمر هو التجمع، وذكر وجوه أخرى: (منها) من الجمار أي الحصى لأنها ترمى بها، (ومنها) من الإسراع للرواية المذكورة، أو لما ورد من أن الناسك يرمي جمرة العقبة ويذهب ولا يتوقف([31])، (ومنها) من التنحية لأن إبراهيم (عليه السلام) نحى إبليس برميه كما تقدم.

          ويذكر أستاذنا السيد الشهيد الصدر الثاني (قدس سره) وجهاً آخر بقوله: ((ولعل من المستطاع أن تستفيد رمزية الجمرة عن الشيطان من تسميتها بهذا الاسم نفسه، باعتبار أن الجمرة من النار، وخلقة الشيطان من النار كما نص عليه القرآن الكريم))([32]).

         

(المقدمة الثانية) تأريخية، في المراحل التي مرت على هذا النسك:

          تصرّح الروايات بأن تأريخ رمي الجمرات يعود إلى أبي البشر آدم (عليه السلام)، ففي صحيحة معاوية بن عمار عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: (أول من رمى الجمار آدم (عليه السلام)، وقال: أتى جبرئيل (عليه السلام) إبراهيم (عليه السلام) فقال: ارمِ يا إبراهيم، فرمى جمرة العقبة وذلك أن الشيطان تمثّل له عندها)([33]) وفي صحيحة علي بن جعفر عن أخيه موسى بن جعفر (عليه السلام) قال: (سألته عن رمي الجمار لمَ جُعل؟ قال: لأن إبليس اللعين كان يتراءى لإبراهيم (عليه السلام) في موضع الجمار فرجمه إبراهيم فجرت السنة بذلك)(3).

          ومن هنا كان ((رمي الجمرات بمنى من مناسك الحج وشعائره، وهو من شعائر الحج كذلك المعروفة في المحجات الأخرى من جزيرة العرب، كما كان معروفاً عند غير العرب أيضاً، وقد أشير إليه في التوراة))(4).[34]).

          ولم يتحدث المؤرخون عن أي تغيير وقع على الجمرات في عهد النبي إسماعيل بن إبراهيم (عليهما السلام) أو عندما تولت قبيلة جرهم أمر البيت بعده (عليه السلام) ويرجح أن تكون الجمرات معلومة الموضع في هذا الوقت بشارات معينة أو بمعالم تُعرف بها أو بدلالة العارفين بالمواضع فقد ((كان أمر الإفاضة بيد رجل من أسرة تناوبت هذا العمل أباً عن جد، وقد اشتهر منهم رجل يعرف بـ(أبي سيارة) كان يجيز الناس من المزدلفة إلى منى أربعين سنة))([35]).

          لكن ((تطوراً هاماً طرأ على الجمرات في عهد قبيلة خزاعة التي أخرجت قبيلة جرهم من الحرم وحلّت محلها في ولاية البيت الحرام وقد جاء هذا التطور عندما قام عمرو بن لحي الخزاعي([36]) بتغيير دين الحنيفية –دين إبراهيم (عليه السلام)- إذ نصب الأوثان (الأصنام) حول الكعبة وأمر قومه بعبادتها. وفضلا ًعن ذلك فقد نصب بمنى سبعة أصنام منها صنم على الجمرة الصغرى وصنم على الجمرة الوسطى وصنم على الجمرة العظمى، وقسّم على الأصنام السبعة حصى الجمار وهي إحدى وعشرون حصاة يرمى كل وثن منها بثلاث حصيات ويقال للوثن حين يرمى: أنت أكبر من فلان الصنم الذي يرمى قبله. وقد عرفت بذلك جمرات منى الثلاث في الجاهلية بالجمرة الصغرى ثم الجمرة الوسطى ثم الجمرة الكبرى أو العظمى.

          هذا وقد فسر وضع تلك الأصنام على الجمرات بأن العرب قاموا بتشخيص الشيطان بها حتى يرجم. ويرجح أن يكون ذلك سبب إطلاق كلمة شاخص على الدعامة التي تعلو الجمرات مما يوجب استبدال هذا الاسم بآخر))([37]).

          في ضوء هذا يكون من الوهم ما قيل ((إن رمي الجمرات استمرار إسلامي لرجم قبر (أبي رغال) الذي دل أبرهة الأشرم –الذي كان قاصداً لهدم الكعبة- على مكة، وإن باء ذلك التخطيط بالفشل إلا أن العرب رجمت قبر أبي رغال وفي ذلك يقول جرير عن الفرزدق:

إذا مات الفرزدق فارجموه        كما ترمون قبر أبي رغالِ

          وأقرّ الإسلام ذلك الرجم فأصبح بشكله الجديد رمياً للجمرات))([38]).

          وما قاله آخر من أن ((أهل الأخبار يرجِعون مبدأ رمي الجمرات إلى عمرو بن لحي))([39]).

          وقد بقيت هذه الأصنام حتى أزيلت بعد عام الفتح وإبلاغ أمير المؤمنين (عليه السلام) سورة براءة ولا شك أنها لم تكن موجودة حينما حج النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) حجة الوداع في السنة العاشرة للهجرة، وجدد رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) العمل بسنن التوحيد الخالص [مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفاً وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ] (النحل: 123).

          وقد ورد([40]) وصف مواضع الجمرات في حج الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) بعلامات كوصف الأولى بأنها ((التي تلي مسجد منى)) أو ((التي تلي المنحر)) ووصف الكبرى بأنها ((الجمرة التي عند الشجرة))([41]) أو ((التي عند العقبة)) لأنها كانت تقع في مكان ضيق بين الجبلين –وهو معنى العقبة-، وأصبح من السنة عدم الوقوف عندها، ولم يرد ذكر لأعلام كانت قائمة على مرمى الجمرات ولا عن تحديدات لشكل أو مساحة أو هيأة أو ارتفاع الجمرات التي أمر فيها المسلمين أن يأخذوا عنه (صلى الله عليه وآله وسلم) مناسكهم.

          وورد في بعض المصادر أن الخليفة الثاني أصعد في بعض البنيان –بنيان العقبة- فرمى الجمرة من ثم، لكن عبد الله بن مسعود أنكر ذلك ورمى من بطن الوادي وقال: (من هاهنا والذي لا إله غيره رماها الذي أنزلت عليه سورة البقرة) ويظهر من النصوص عدم وجود علامات غير هذه وأمثالها، كرواية عطاء بن أبي رباح قال: (سألت ابن عباس فقلت: إني توسطت الجمرة فرميت من بين يدي ومن خلفي وعن يميني وعن شمالي ...) وعن نافع أنه قال: (كان ابن عمر يقوم عند الجمرة الوسطى هذه الصخرة السابلة([42]) التي في الجبل) وهذا يعني ارتفاع مرمى هذه الجمرة عن مستوى وادي منى وهو مطابق لوصف الشافعي في القرن الثاني حيث ذكر أن الرامي ((يترك الجمرة الوسطى بيمين لأنها على أكمة لا يمكنه غير ذلك)) ويبدو أن كثرة الأتربة التي جلبتها السيول غطت تلك الصخرة في زمنه فأصبحت الجمرة على شكل تل صغير وأفتى الشافعي أنه ((من رمى الجمرة بحصاة فأصابت إنساناً أو محملاً ثم استنت([43]) حتى أصابت موضع الحصى من الجمرة أجزأت عنه)).

          ((ومما ورد عن الجمرة الأولى التي تقع إلى الغرب مباشرة من مسجد الخيف أن الطريق الأعظم (الطريق الوسطى) يقع حيالها، وهو الطريق الذي سلكه رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) يوم النحر عند قدومه من المزدلفة عبر منى ليرمي جمرة العقبة وورد أن الدكان الذي يقع في حد الجمرة يقوم بينها وبين ذلك الطريق. ويعني ذلك أن دكاناً كان يقع في محاذاة الجمرة الأولى بين تلك الجمرة وبين البداية الشرقية لذلك الطريق الأعظم.

          ومن ثم كان ذلك الدكان وبداية الطريق الأعظم معلمين يحددان موقع تلك الجمرة في هذه الفترة ويُسترشد بهما عند رميها.

          ولأن موضع جمرة العقبة –وهو طريق العقبة (المسيل)- كان ضيقاً يلاقي فيه الحجاج مشقة كبيرة عند المرور منه، ولذلك أمرت السيدة زبيدة أم الخليفة العباسي محمد الأمين بن الخليفة هارون الرشيد الذي حكم فيما بين سنتي (193-198 هـ/808-813 م) بزيادة سعة هذا الموضع وتبليطه بالحجارة. وقد نتج عن ذلك اتساع طريق العقبة (المسيل) الذي يقع في النهاية الغربية لبطن وادي منى إلى الجنوب الغربي من جمرة العقبة عما كان عليه من قبل.

          ومن ثم فإن توسعة هذا الطريق كانت أول توسعة أحدثت في وادي منى لإيجاد المساحة الكافية لتيسير حركة الحجاج عند أدائهم لنسك رمي الجمار.

          ووقع في سنة (228 هـ/842 م) مطر شديد بمنى لم يشهد مثله، وكان الناس يقفون عند جمرة العقبة يرمونها، فسقطت صخرة من أعلى الجبل الذي يقع خلف الجمرة قتلت جماعة من الحجاج. ويتضح من ذلك الحدث مدى تأثير الأمطار والسيول السلبي على تأدية الحجاج لمناسكهم خاصة في وادي منى الذي تكتنفه الجبال من جهتيه الشمالية والجنوبية. وفضلاً عن ذلك فقد ذكر التأثير السلبي للسيول في هذا القرن وما نتج عنه من تهدم لعمائر بمنى عندما وقع سيل في سنة (240هـ/855 م) هدم مسجد الخيف ودار الإمارة بمنى والعقبة المعروفة بجمرة العقبة، والهدم يستدعي تقدم البناء. وتجدر الإشارة إلى أنه قد قصد بالعقبة التي هدمت هنا الجدار الذي بني عليها والذي تقدم ذكره عند رمي عمر بن الخطاب لجمرتها.

          وقد ورد أن جمرة العقبة كانت في سنة (241 هـ/854 م) زائلة عن موضعها، أزالها جهال الناس برميهم الحصى، وغفل عنها حتى أزيحت (أزيلت) عن موضعها شيئاً يسيراً منها ومن فوقها.

          ويتضح من النص السابق أن مرمى الجمرة قد أزيح أو أزيل عن موضعه أي أنه قد أصبح في موضع آخر غير مكانه الأصلي. ومن ثم أرسل الخليفة العباسي المتوكل على الله (232 هـ - 247 هـ/846 م-861م) في سنة (241 هـ/855 م) رجلاً من أهل الصناعة يدعى إسحاق بن سلمة الصائغ ومعه مجموعة من الصناع لعمل تجديدات في الكعبة المشرفة ومنى. ومن بين تلك التجديدات قيامه برد جمرة العقبة إلى موضعها الذي كانت عليه والذي ظلت بعد ذلك عليه، وبنى من ورائها جداراً أعلى عليها ومسجداً متصلاً بذلك الجدار لئلا يصل إليها من يريد الرمي من أعلاها. وكان بناء هذا الجدار والمسجد للحيلولة دون رمي الجمرة من أعلاها إتباعاً لسنة رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) في رمي جمرة العقبة.

          ومما هو جدير بالذكر أن الجدار الذي بناه إسحاق بن سلمة الصائغ خلف جمرة العقبة لم يكن إحداثاً أو ابتداعاً منه أضافه إلى جمرة العقبة وإنما كان بمثابة إعادة بناء للجدار الذي كان على العقبة من قبل والذي صعد عليه عمر بن الخطاب ليرمي الجمرة من فوقها، وهو الجدار نفسه الذي أطلق عليه العقبة وهدمه سيل سنة (240 هـ /855 م) كما ذكر من قبل. أما إضافة إسحاق بن سلمة في هذا التجديد ولم تذكر من قبل فإنها تكمن في شيئين أولهما بناؤه  لمسجد متصل بالجدار الذي بناه وثانيهما ذكره الفاكهي بقوله: (.. وجعل على ذلك كله أعلاماً بناها بالجص والنورة).

          ويبدو أن إسحاق بن سلمة قد وضع تلك الأعلام للإشارة إلى موضع الجمرة حتى لا تزاح أو تزال عن موضعها كما أزيحت أو أزيلت من قبل، فضلاً عن إرشاد الحجاج إلى مرمى الجمرة الأصلي. أو قد يكون إسحاق بن سلمة قد وضع تلك الأعلام لغرض بيان نهاية حدود منى عند هذه الجمرة التي تمثل الحد منى الغربي.

          ومن ثم تكون الأعلام التي وضعها إسحاق بن سلمة على الجدار الذي شيده خلف الجمرة هي أول أعلام أقيمت عند تلك الجمرة بعد ظهور الإسلام في تفس الوقت الذي شيد فيه ذلك الجدار سنة (242 هـ/856 م).

          كما قام إسحاق في نفس السنة بوضع أنصاب على الطريق التي سلكها رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) ومعه عمه العباس بن عبد المطلب (رضوان الله عليه) إلى شعب علي أو شعب البيعة للأنصار. وقد كان ذلك الشعب يقع في الجبل حيال جمرة العقبة، ثم اختفت معالمه فعمره إسحاق بن سلمة وجدده، وجعل عليه أنصاباً.

          وتجدر الإشارة إلى أن الحربي الذي توفي في أواخر القرن الثالث الهجري (9 م)، والذي وصف مشعر منى وصفاً مفصلاً لم يذكر أعلاماً وضعت على مرمى جمرات منى خاصة عند وصفه للعقبة وذكره لجمرتها حيث قال: (وأول حد منى من ناحية مكة جمرة العقبة فإذا جئت من مكة فأنت في هبطة حتى ترقى في العقبة إلى منى، ومنى في ارتفاع ولا تزال في استواء في ارتفاع ذاهباً تريد المزدلفة فإذا صرت (لعله يقصد أردت) أن تهبط فذلك آخر منى، ومى بين واديين).

أقول: إلى هنا تنتهي فترة الأئمة المعصومين (عليهم السلام) الظاهرين باستشهاد الإمام الحسن العسكري (عليه السلام) عام (260 هـ) فيكون للنظر فيه مدخلية في الاستدلال، لكننا نستمر في بيان خلاصة تاريخ الجمرات وما حصل لها من تطورات حتى التوسعة الأخيرة إتماماً للفائدة والله الموفق.

          ووصف الرحال ابن جبير جمرة العقبة في القرن السادس بأنها تقع على قارعة الطريق مرتفع عنه نتيجة لتراكم حصى الجمار، ويعلو الجمرة مسجد مبارك، كما أنه تحتوي على علم منصوب شبه أعلام الحرم وأعلام الحرم يبلغ ارتفاعها بحسب المصادر ثلاثة أذرع.

          وأول من وصف الجمرة بالبناء المحجوبي المغربي الذي حج سنة (820 هـ) حيث قال: ((جمرة العقبة بناء كالبرج أو كصومعة صغيرة عريضة لكنها مصمتة لا جوف لها، وقد بنيت على رأس شرف من حجر صلد ينحدر الناس منه إلى أرض مكة ويصعدون فيه إلى أرض منى)) ويضيف المحجوبي: وصفت الجمرتين الباقيتين هكذا في البناء إلا أن جمرة العقبة أعظم بناءً من الجمرتين الأخيرتين فيما شاهدناه، وهو بناء لا يزال يجدد كلما احتاج إلى تجديد.

          وفي ضوء هذا نفهم ظهور الإشارة إلى البناء في موضع الجمرة في كلمات الشهيد الأول (قدس سره) المتوفى سنة (786 هـ)، وتحولت هذه الإشارة إلى تعريف الجمرة بالبناء لأول مرة في كلمات فقهائنا (قدس الله أرواحهم) عند صاحب المدارك المقارب لذلك العصر فقد توفي عام (1009 هـ). ومن تلك الفترة أصبح اسم الجمرة يطلق على العلم الذي بني فوقها، وهو من باب إطلاق اسم المحل على الحال ويعني ذلك أن الجمرة قد اختفى مفهومها الأصلي وهو مجمع الحصى ليعرف بالعلم الذي فوقها والجدار الذي في ظهرها، وفي ذلك بعد عن المعنى الحقيقي للجمرة حتى أن الرمي هنا صار يوجه إلى هذا العلم وليس إلى مجمع الحصى من الجمرة.

          وفي العقد الأخير من القرن الثالث عشر الهجري حدث تطور مهم في إحداث أحواض دائرية حول أعمدة الجمرات لتحديد مساحة المرمى الذي نقلنا خلافهم فيه حيث حدد بعضهم نصف القطر بثلاثة أذرع وقدره آخرون بأقل من ذلك.

          وقد ظهرت بدايات إحاطة مرمى الجمرات الثلاث على أثر اقتراح من الشيخ محمد شكري إسماعيل حافظ في رسالته (الأنهار الأربعة في مرمى جمرة العقبة) بعمل شباك حول جمرة العقبة لإزالة الزحمة عندها. وقد وافقه على هذا الاقتراح عدد من العلماء بمكة المكرمة والمدينة المنورة الذين قالوا بوجوب إزالة الزحمة بالشباك.

          وتم بالفعل إحداث شباك حديدي في آخر شهر ذي القعدة من شهور سنة (1291 هـ/1874 م) وكان الدافع الأساسي لعمل هذا الشباك هو دفع معظم زحمة الرامين لجمرة العقبة لا لتحديد مرماها.

          وقد اعترض على إحداث هذا الشباك بعض العلماء لأنه في رأيهم يوهم العوام بأن جميع ما أحاط به ذلك الشباك مرمى، وليس الأمر كذلك. ومن ثم أزيل هذا الشباك بعد مناقشة طويلة حول وضعه والتحقق من أن وجوده يوهم بأن ما حواه كله مرمى.

          وقد صدرت فتوى بعمل أحواض للجمرات الثلاث في سنة (1292 هـ/1875 م) وهي السنة التالية لعمل الشباك الحديدي سالف الذكر حول جمرة العقبة. وتم عمل هذه الأحواض بعد مشاورة الفقهاء واتفاقهم على ذلك.

          ويذكر الشيخ البسّام أن أحواض الجمار لما بنيت عام (1292 هـ/1875م) بنيت بشكل واسع، ثم اختصرت أحواضها على ما هي عليه الآن، ويتضح مما ذكره الشيخ البسام أنه نظراً لعدم وجود نصوص من الكتاب والسنة تحدد مساحة مرمى الجمرات فقد بنيت الأحواض حولها متسعة في أول الأمر ثم ضيقت مساحتها بعد ذلك لتصبح ثلاثة أذرع من جميع جوانب العلم المقام لوسطها في الجمرتين الأولى والوسطى. أما بالنسبة لجمرة العقبة فقد جعل لها نصف حوض حيث كان لها جهة واحدة فقط خالية وهي الجهة الجنوبية الغربية ذلك لأن الجانب الشمالي الشرقي منها كان يشغله جبل.

          وفي عام (1375 هـ) صدرت فتوى شرعية أزالت الحكومة بموجبها الجبل الواقع خلف جمرة العقبة لإيجاد المساحة الكافية لتيسير حركة الحجاج الذين ازدادت أعدادهم عند أدائهم هذا النسك، وجعل وراء الجمرة من الجهة الشمالية الشرقية  قاعدة بناء مربعة لاصقة بالجمرة حتى يمنع من يريد الرمي من خلفها، وهدمت المنطقة الممتدة من الجمرة الوسطى إلى جمرة العقبة لتوسعة الشارع عام (1383 هـ/1963 م) لتصل المسافة بين الجبلين الذين يكتنفان وادي منى من الجهتين الشمالية والجنوبية إلى ألف متر، ثم بني جسر أعلى سنة (1395هـ/1975م) وطوّل علم الجمرات ليراه الرامي من أعلى الجسر وأبقي حوض الجمرات السفلي كما هو.

          هذا وقد حاولت الحكومة توسيع أحواض الجمرات عام (1405 هـ) وعليه استشارت هيأة كبار العلماء، فعقدوا اجتماعاً لهم وقرر المجلس بالأكثرية إبقاء ما كان على ما كان وعدم إحداث شيء مما ذكر سواء عمل مستودعات لحصى الجمار تحت حوض كل جمرة أو توسعة جوانب جدار دوائر الرجم من أعلى.

          لكن توصيات صدرت بإجراء هذه التوسعة في الأحواض عمل بها أخيراً باعتبار أن تحديد الأحواض بدائرة نصف قطرها ثلاثة أذرع لم يرد به نص صريح في الكتاب والسنة، ولم يشر إليه الخلفاء الراشدون أو الصحابة أو التابعون أو الأئمة الأربعة أو التابعون أو العلماء المتقدمون. ومن المعروف أن المعنى الحقيقي للجمرة هو مجتمع الحصى كما ورد في صفحات البحث. ويزداد الحصى بطبيعة الحال بتجمعه في المرمى مع ازدياد أعداد الرامين الذين أصبح عددهم يحصى بمئات الآلاف. وبازدياد أعداد الحصى في المرمى تزداد مساحة مجتمع الحصى مما ينتج عنه اتساع دائرة الرمي فتستوعب أعداداً أكثر من الحجاج مما ييسر أداء هذا النسك على الأعداد المتنامية من حجاج بين الله الحرام.

 

 

 

 

 

الاستدلال على كل من القولين

 

الاستدلال على القول الأول:

          يمكن تقريب عدة وجوه للاستدلال على اشتراط إصابة عمود الجمرة بالحصاة، ومنها:

(الوجه الأول) ما ورد في كلام صاحب المدارك (قدس سره) بقوله: ((وينبغي القطع باعتبار إصابة البناء مع وجوده لأنه المعروف الآن من لفظ الجمرة)).

          وفيه:-

1-  إنه يلزم الترديد في ماهية الجمرة وهو مستحيل، لأنه يعرّف الجمرة بالعمود في حال وجوده وبموضعه في حال عدم وجوده –بحسب ظاهر كلامه (قدس سره) وصرّح به كاشف اللثام واعترف صاحب الجواهر (قدس سره) برجوعه إليه كما تقدم (صفحة 129)-، ولعله وجه البعد الذي أراده صاحب الجواهر (قدس سره) حين استوجه التخيير مطلقاً الذي اختاره الشهيد الأول (قدس سره) في الدروس وعدم التقييد بالزوال وعلله ((لاستبعاد توقف الصدق عليه))([44]) –أي الزوال.

2-  لا اعتبار بهذه المعروفية –كأمر واقع- إلا أن يثبت امتداد وجودها إلى زمن المعصومين (عليهم السلام) وإلزامهم بإصابتها وهذا الامتداد يُقرَّب بتقريبين:

أحدهما: الاستصحاب القهقرائي وهو غير تام لأكثر من وجه:

    أ- لعدم صحته كبروياً.

   ب- إن من أركان الاستصحاب الشك اللاحق وهنا قد يقال بأنه في                ضوء العرض التأريخي المتقدم فإن الأعمدة والبناء أمر مستحدث.

ثانيهما: ما قرّبه بعض الأعلام المعاصرين (دام ظله الشريف) من التمسك ((بأصالة عدم النقل الذي هو أصل عقلائي حيث يمكن القول بأنّ ما نفهمه في العصر الحاضر بمعنى الجمرة هو العمود، ونشك في المعنى الموضوع لها في السابق هل أنّه كان هذا المعنى أو نقل إلى معنى جديد، فالأصل هو عدم تبدل المعنى، أي أن يكون المراد هو هذا المعنى.

    ولذلك نرى أنّ الألفاظ القديمة المستعملة في الوثائق والأسناد الرسمية للموقوفات وغيرها تحمل على ما يفهم منها في العصر الحاضر)).

    ورد عليه بأنه ((مما ينبغي الالتفات إليه هو أنّ التمسّك بمثل هذه الأصول والقواعد يتعلق بموارد الشك فقط في حين أننا مع شهادة اللغويين وعلماء الشيعة وأهل السنّة ودلالة الرّوايات لا يبقى لدينا شك في أنّ المراد من الجمرة هو (مجتمع الحصى) فلا محل حينئذٍ لإجراء الأصل (حتّى لو كان أصلاً لفظياً) ))([45]).

 

(الوجه الثاني) ما ورد في كلام صاحب المدارك المتقدم بقوله: ((ولعدم تيقن الخروج من العهدة بدونه))([46]).

          بتقريب: إن رمي العمود مجزٍ قطعاً للقطع بكونه مما يصح رميه ونحوه، أما رمي مجتمع الحصى فمشكوك الإجزاء، واشتغال الذمة اليقيني يستدعي فراغاً يقينياً ولا يتحقق إلا بإصابة العمود.

          وفيه:-

1-  إن مقتضى الاحتياط إصابة العمود ووقوع الحصاة في مجتمع الحصى لا إطلاق الاكتفاء بإصابة العمود وإن علقت الحصاة بين شقوقه أو ذهبت بعيداً في مجتمع الحصى.

2-    إذا تم الدليل على الاجتزاء بإصابة مجتمع الحصى –كما يدعي الفريق الثاني- فلا معنى للتمسك بالأصل.

3-  إن الأصل الجاري في المقام هي البراءة وليس الاحتياط، لأن المورد صغرى لمسألة دوران الأمر بين الأقل والأكثر الاستقلاليين وحينئذٍ تجري البراءة، وسيأتي التفصيل حين تنقيح الأصل العملي (صفحة169) بإذن الله تعالى.

 

(الوجه الثالث) ما ورد في كلام السيد الخوئي (قدس سره) في المسألة التي نقلناها عنه (صفحة 127) من التقييد بكلمة (سابقاً) مما يشعر باعتقاده أن الجمرة الموجودة الآن هي الموجودة في زمن المعصومين (عليهم السلام) مع إجراء تغييرات عليها كإطالتها أو ترميمها ونحوه، قال (قدس سره): ((قد عرفت أنه لابد من وصول الحصيات إلى الجمرة وإصابتها ولا ريب أن الجمرة الموجودة في زمن النبي (صلى الله عليه وآله) والأئمة (عليهم السلام) لا يمكن بقاؤها إلى يوم القيامة ولا ريب في تغييرها وتبديلها، فشخص تلك الجمرة الموجودة في زمانهم (عليهم السلام) لا يلزم رميها جزماً، لعدم إمكان بقائها إلى آخر الدنيا مع أن الدين باقٍ إلى يوم القيامة وقيام الساعة، فلا بد من تنفيذ هذا الحكم الإسلامي، ولذا لو فرضنا هدمت الجمرة وبنيت في مكانها جمرة أخرى أو رممت أو طليت بالجص والسمنت بحيث يعد ذلك جزء منها عرفاً لا بأس برميها، ولا يمنع الجص ونحوه من صدق وصول الحصى إلى الجمرة، ولكن إذا فرض أنه بني على الجمرة بناء آخر مرتفع أعلى من الجمرة السابقة الموجودة في زمانهم (عليهم السلام) كما في زماننا هذا فلا يجتزئ برمي المقدار الزائد المرتفع لعدم وجود هذا المقدار في زمانهم (عليهم السلام) فلم نحرز جواز الاكتفاء برمي هذا المقدار، فتبدل المواد لا يضر في الجمرة إذ لا يلزم رمى الجمرة الموجودة في زمان النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) والأئمة (عليهم السلام) فإن ذلك أمر لا يمكن بقاؤه إلى زماننا، لعروض الخراب والتغيير والتبديل على الجمرة قطعاً في طيلة هذه القرون، إلا أن اللازم رمي مقدار الجمرة الموجودة في الزمان السابق، وإن تغيرت وتبدلت بحيث كانت الزيادة جزءاً من الجمرة عرفاً))([47]).

أقول: هذا الوجه لا يزيد على الوجه الأول الذي تقدم عن صاحب المدارك (قدس سره) ويحتاج إلى تقريباته وقد ناقشناه.

          نعم يمكن تقريبه بشكل آخر وهو الوجه الذي طالما استدل به السيد الخوئي (قدس سره) ولكنه لم يذكره هنا وعنوان هذا الوجه (لو كان لبان) وقرّبه بعض طلبتنا الأعزاء بقوله: ((فلو كانت الجمرة هي الأرض أو مجتمع الحصى ثم تحولت إلى عمود على فرض أنه وضع علامة على الجمرة ومن ثم تحوّل تدريجياً إلى مرمى في فهم الناس حتى أصبحت الجمرة هي العمود الشاخص هناك، فمثل هذا الأمر لا بد وأن يثير الناس المتشرعة نحو السؤال والفقهاء نحو الجواب وإصدار الفتوى حتى لو كان من قبل العامة من جهة كونها بدعة أو ما شابه، خصوصً وأنه قد حصل سنة (240 هـ) –بحسب نقل الأزرقي في أخبار مكة وهو متوفى حدود سنة (250هـ)- أي في زمن الإمامين العسكريين (عليهما السلام) ولم يرد ما يدل على رد الفعل ولو برواية ضعيفة)) كما وردت روايات في ما يتعلق بمقام إبراهيم وحجر إسماعيل (سلام الله عليهما).

          وقد ردّ العلم المعاصر (دام ظله الشريف) على هذا الوجه بأنه ((لقد ثبت من خلال قرائن عديدة أن الأعمدة لم تنصب هناك بحيث تكون بمثابة تغيير في مناسك الحج وشعائره بل هي بمثابة العلامة فقط، وقد رأينا في سفراتنا السابقة للحج أنهم كانوا يضعون مصباحاً في ذلك المكان كعلامة لمن يريد الرمي في الليل. وفي هذا الوقت أيضاً هناك علائم ولوحات متعددة لتعيين حدود عرفات، منى، المشعر، وهذه العلامات لا تثير أية حساسية لدى الأشخاص لأنها ليست سوى علائم لتلك المناطق))([48]) وضرب آخر مثلاً لذلك حجم الكعبة التي كانت أقل علوّاً مما هي عليه اليوم وربما كان سبب عدم الإثارة أن التغيير يحدث تدريجياً وليس دفعياً.

 

(الوجه الرابع) تقريب بعض الروايات:

(الأولى) عن أبي غسان حُمَيد بن مسعود قال: (سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن رمي الجمار على غير طهور قال: الجمار عندنا مثل الصفا والمروة حيطان إن طفت بينهما على غير طهور لم يضرك والطهر أحبّ إلي فلا تدعه وأنت قادر عليه)([49]).

          وهو الخبر الذي أشار إليه صاحب الجواهر (قدس سره) في كلامه المتقدم (صفحة 129) وقال: ((لكن ستسمع ما في خبر أبي غسان بناءً على إرادة الإخبار بحيطان فيه عن الجمار كما هو محتمل، بل لعله الظاهر))([50]).

          وتقريب الاستدلال: أن كلمة (حيطان) جمع حائط وقد عرّف الإمام (عليه السلام) الجمرة بهذا البناء الذي سماه حائطاً.

          وفيه:-

1-  إن أبا غسان ليس حميد بن مسعود بل حميد بن راشد فالصحيح في سياق السند أن يكون: عن أبي غسان عن حميد بن مسعود –كما في التهذيب- وكلاهما مجهولان.

2-  إن الحائط يطلق على ما يحيط بالشيء لذا يطلق على البستان حائط باعتبار ما يحوطه، والأصل فيها الحفظ، فالحائط يحفظ ما بداخله، ومنه الاحتياط، وعلى هذا ((فإن هذه الرواية إن لم تدل على خلاف المطلوب فإنها لا تدل عليه، إذ لا معنى لأن يقال للعمود الذي يشبه أعمدة الجمرات الفعلية أنه حائط، ولو كان هناك حائط فإنه لا يعدو كونه شبيهاً بحائط الحوض الحالي للجمرات الذي يحيط ببقعة الأرض المعينة للرمي ولا يتعلق بالعمود))([51]).

3-  إن الرواية مجملة من هذه الناحية لأن الصفا والمروة جبلان لا حائط فيهما إلا أن يقال أن ذلك باعتبار اكتنافهما للمسعى والناسكين بينهما وعلى أي حال فإن كل ما يُفهم من الرواية أن الجمرات كالصفا والمروة ليست مساجد ولا يكون نسكها مشروطاً بالطهارة كالطواف.

4-  من المحتمل أن حيطان خبر للصفا والمروة بقرينة ما يتلوه من السياق بقوله (عليه السلام): (إن طفت بينهما) وهذا الاحتمال وإن لم يرجّحه صاحب الجواهر (قدس سره) وأرجع الخبر إلى الجمار، إلا أنه على أي حال احتمال مبطل للاستدلال.

5-  ما قاله السيد السبزواري (قدس سره) من ((أنه –أي الخبر- ليس في مقام بيان كون الحائط لها موضوعية خاصة في الجمرة وغاية ما يستفاد منه كونها علامة مثل كون الصفا والمروة علامة، فلو فرض زوالهما لا يزول السعي بين العلامتين))([52]).

 

(الثانية) خبر عبد الأعلى عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: (قلت له: رجل رمى الجمرة بست حصيات فوقعت واحدة في الحصى قال: يعيدها إن شاء من ساعته، وإن شاء من الغد إذا أراد الرمي، ولا يأخذ من حصى الجمار)([53]).

          بتقريب: إن الرواية تدل على عدم إجزاء الرمي لو وقعت الحصاة في مجتمع الحصى مما يعني اشتراط إصابة العمود.

أقول: قد نوقش السند من جهة وقوع سهل بن زياد فيه.

          ونوقش الاستدلال بالرواية على المطلوب من عدة جهات:-

1-  إن المذكور في نسختي الكافي والتهذيب (ووقعت) ورواها صاحب الوسائل بالواو في موضع آخر([54]) مما يعني أنه وقعت من يد الرامي من دون قصد الرمي وهو المناسب لذكر الست فتكون التي  وقعت هي السابعة، وعليه فيكون عدم الإجزاء لعدم القصد وليس لعدم إصابة العمود وهو المناسب.

2-  إن الرواية تقول (في الحصى) وليس في مجتمع الحصى فيكون من المحتمل عدم الإجزاء لعدم وقوعها في مجتمع الحصى وإنما في السائل منه.

 

فائدة: هاتان الروايتان هما الرئيسيتان في الاستدلال، وقد استدل على هذا القول الأول من تقريبات لروايات أُخر.

(منها) صحيحة معاوية بن عمار عن أبي عبد الله (عليه السلام) وفيها: (ثم ائتِ الجمرة القصوى التي عند العقبة فارمها من قبل وجهها، ولا ترمها من أعلاها)([55]).

          وقد قرّب بعض طلبتنا الأعزاء الاستدلال بتقريبين وردّ عليهما:

          ((الأول: إن التعبير بأعلاها وأسفلها لا معنى له ما لم تكن الجمرة جسماً وهو يناسب كون الجمرة عموداً.

          وفيه: إنه لم يقل: (ولا ترمِ أعلاها) بل قال: (ولا ترمِ من أعلاها) وهو يعني أنه يتحدث عن جهة وقوف الرامي بالنسبة للجمرة لا محل إصابة الحصاة من الجمرة، فيكون المعنى هو النهي عن الوقوف في مكان أعلى من الجمرة ورميها وهو محل التل في جمرة العقبة حيث ورد النهي عنه، ودليلنا قرينة المقابلة فهو لم يقل: (ارمها من أسفلها ولا ترمها من أعلاها) بل قال: (ارمها من قبل وجهها) أي من أمامها وهي جهة الوادي.

          الثاني: إن التعبير من قبل وجهها يعني كونها بناءً إذ لا وجه للأرض أو مجتمع الحصى إذا كان هو معنى الجمرة.

          وفيه: إن قرينة المقابلة المتقدمة تبيّن أن المراد منه الرمي من جهة الوادي لا من جهة التل، مضافاً إلى أن العمود لا وجه له حتى يقال من وجهها)).

أقول: هذا الرد صحيح وهو المناسب لوضع جمرة العقبة فأحد طرفيها أعلى والآخر أسفل كما تقدم وصفها وتقدم أيضاً أنه بُني جدار لمنع الناس من التوجه إلى أعلى لرميها كما فعل الثاني ((ولعل الحكمة في ذلك أنه لو وقف بعض الناس إلى الجهة العليا والبعض الآخر إلى الجهة السفلى ورموا الجمرة فيحتمل أن تصيب بعض الأحجار الأشخاص الواقفين في الطرف الأسفل))([56]).

          وهذا يفسّر كلام العلامة الحلي (قدس سره) في المنتهى: ((عن الجمهور أن عمر جاء والزحام عند الجمرة فرماها من فوقها))([57]) فلا يتوهم أحد وجود عمود صعد عمر عليه ورمى الجمرة من أعلاه، إذ من غير المعقول فعل ذلك وسط الكم الهائل من الحجارة المتساقطة.

 

(ومنها) رواية سعيد الأعرج([58]) عن أبي عبد الله (عليه السلام) ووصف فيها جمرة العقبة بالعظمى، وهذا الوصف يشعر بوجود عمود أعظم من الموجودين في الوسطى والصغرى.

          وفيه: أنه لا يغني من الحق شيئاً لأن وصف كل شيء بالعظمة بما يناسبه ولا يفرّق فيه بين كون محل الرمي عموداً أو أرضاً، كما أن المحتملات في وصفها بالعظمى عديدة كزيادة رميها لاختصاصها برمي اليوم العاشر فكأنها كناية عن الشيطان الأكبر أو لوقوعها في حافة الجبل والأخريان في الوادي فتبدو بالنسبة إليهما عظيمة وهكذا.

          ولا حاجة للإطالة أكثر من هذا في انتزاع التقريبات من الروايات.

          لا يقال: إنه وردت في النص المنقول عن الأزرقي المكي المعاصر للإمامين العسكريين ((عليهما السلام) عن سيل (241 هـ) فقرات تشير إلى وجود الأعمدة يومئذٍ كقوله: ((وهدم –أي السيل- العقبة المعروفة بجمرة العقبة)) والهدم لا يكون إلا مع البناء ولا يعبر عن كومة الحصى أن السيل هدمها، وقوله: ((فردّها إلى موضعها الذي لم تزل عليه)) فلو كانت كومة الحصى لاكتفى بتشخيص المكان الصحيح لها، لا أن يرد الحصى ويحملها إلى ذلك المكان.

          فإنه يقال: إننا لم ننفِ وجود بناء كالجدار الذي يحد جمرة العقبة من الخلف أو الصخرة أو الأعلام ونحوها ولكنها لا تدل على وجود الأعمدة المعروفة فضلاً عن كونها هي الجمرة.

 

 

 

 

 

 

الاستدلال على القول الثاني:

          كتب بعض الأعلام المعاصرين (دام ظله الشريف) رسالة([59]) بذل فيها وسعه للاستدلال على هذا القول وردّ ما يمكن من الإشكالات التي وردته عندما أثار المسألة، وهي لم تكن مبحوثة باستدلال مفصل كما هو واضح من المصادر، فجزاه الله خير جزاء المحسنين.

          وبالرغم من أن كل ما ساقه من الأدلة قابلة للمناقشة إلا أن له فضل تحرير المسألة ولا ينقص منه كثرة المناقشة.

          ونحن نستعرض ما أورد من الأدلة –التي سماها محاور- وتقييمها ونحافظ على ترتيبه (دام ظله الشريف).

(الدليل الأول) قول اللغويين:

          فإنه بعد أن ذكر أن للجمرة أربعة معانٍ، قال: ((لكننا نرى أن أغلب علماء اللغة اعتمدوا المعنى الأول –وهو الاجتماع وسميت الجمرة به لكونها محلاً لاجتماع الحصى- معتبرين الجمرات محل اجتماع صغار الحصى)) وبعد أن نقل مجموعة من كلمات اللغويين قال: ((يستفاد من مجموع الأقوال والمطالب المتقدّمة ومن تعبيرات طائفة أُخرى من أعلام اللغة أنّه قيل للجمرات هذا الاسم لكونها موضع اجتماع الحصى، أو لكونها كُومة من الجمار، وهكذا نرى أنّ علماء اللغة لم يذكروا الجمرة بمعنى الأعمدة، بل اعتبروها بمعنى الأرض التي يجتمع فيها الجِمار، وبعبارة أُخرى أنّها مجتمع الحصى.

          الأقوال المتقدّمة تشير أيضاً إلى عدم بناء تلك الأعمدة في عصر أغلب أولئك اللغويين، وإذا كان ثمة بناء فهو مجرّد شاخص وعلامة، علاوة على ذلك فإنّ علّة تسمية الجمرات وجذرها اللغوي يطرحان مسألة اجتماع الحصى بقوّة)).

          ثم قال: ((من اليقين أنّ الجمرات ليست من الألفاظ ذات الحقيقة الشرعيّة أو المتشرعية، وبناءً على ذلك يجب الرجوع إلى كتب اللغة لغرض فهم معناها، وإطلاقها على المواضع الثلاثة من قبيل إطلاق الكلّ على الفرد، وبالتدريج أصبح هذا المصطلح علماً لتلك الأماكن.

          من هنا إذا كنا نعتبر قول اللغوي صحيحاً طبقاً لسيرة العقلاء في مورد أهل الخبرة بالخصوص، فحيثما يوجد مطلب متداول بين أُولئك يمتلك الشهرة، فهو بشهادتهم ثابت، وهو الحقّ لأنّنا في كتاب (أنوار الأصول) أثبتنا حجية القول اللغوي في مثل هذه الموارد، وتجري عملية أيضاً سيرة العقلاء، وفي غير هذه الصورة فان تلك الشهادات تُعدّ مؤيداً جيداً لإثبات المقصود)).

أقول:-

1-  لا ينفع الرجوع إلى اللغوي في المقام لأننا لسنا أمام مفردة لغوية نريد فهم معناها وإنما أمام حقيقة خارجية أشير إليها باللفظ فلا بد من الاستدلال عليها بالقرائن المعرّفة لها، فإذا أردنا أن نعرّف (الكوفة) أو (الأقصى) أو (الحرم) لا نرجع إلى معانيها اللغوية بل حقائقها الخارجية.

2-  إنه (دام ظله) أنكر أن يكون للجمرة حقيقة شرعية وهذا غير دقيق لأنها ذات وجود خارجي يُشار إليه باللفظ، وقد أثبت بنفسه هذه الحقيقة في المحور الثالث الذي عنونه: ((الجمرات في الروايات الإسلامية)) حين قال: ((ولكن مع التدقيق والتحقيق يمكننا أن نستوحي من روايات عديدة إشارات عميقة مؤيدة للنظرية أعلاه حيث تدلّ على أن الجمرة هي محل اجتماع الحصى)).

أقول: وهل الحقيقة الشرعية إلا هذه؟

3-  قوله: ((إن علماء اللغة لم يذكروا الجمرة بمعنى الأعمدة)) لا ينفع في شيء لأن هذا ليس من شأنهم واختصاصهم، ويكفي للإشكال أنهم فسّروا الجمرة بموضع رمي الجمار الذي يمكن انطباقه عليها.

4-  إن اللغويين مختلفون في ترجيح وجه تسمية الجمار فقد رجح ابن الأثير في النهاية أن ((الجمار هي الأحجار الصغار ومنها سمّيت جمار الحج للحصى التي يُرمى بها، وأما موضع الجمار بمنى فسمي جمرة لأنها ترمى بالجمار، وقيل لأنها مجمع الحصى التي يرمى بها)).

5-  إن إرجاع معنى الجمرة إلى الاجتماع والتجمع مما يحتاج إلى تأويل بعيد وإلا كيف نرجع معنى الجمرة بمعنى الحصى أو النار المتقدة أو التنحية ونحوها من المعاني التي قدمناها.

          فالصحيح هو إخراج هذا الوجه من الاستدلال وجعله مقدمة يُستنأنس بها كما فعلنا.

 

(الدليل الثاني) شهادة فقهاء وعلماء الإسلام:

          قال (دام ظله): ((وهي –أي أقوال العلماء- تشير إلى أن الجمرات هي بقعة الأرض التي يجتمع فيها الحصى، وليست هي الأعمدة المنصوبة التي يرميها الحجيج اليوم، يعني يجب رمي الجمار إلى تلك البقعة التي جعلوها اليوم على شكل حوض لا إلى غيرها)).

          ونقل (دام ظله) قول أكثر من (50) عالماً من الفريقين دلّت صريحاً على ذلك أو بالدلالة الالتزامية أو قالوا بالتخيير.

          ويرد عليه أنه حشد أقوال من لا حجية في قولهم ودمجها مع أقوال بعض فقهائنا الأساطين (قدس الله أرواحهم)، والمفروض أنه في مقام الاستدلال فلا قيمة لهذا الحشد سوى خلق أجواء نفسية لقبول القول وهذا مما لا يمكن الاعتماد عليه.

          نعم، يمكن الاستئناس بكلمات فقهاء العامة كشهادات تأريخية ضمن مقدمة تأريخية كما قدمنا.

          أما فقهاؤنا فلم يبحثوا المسألة أو يتعرضوا لها إلا في كلمات بعضٍ منهم مما لا يحقق شهرة فضلاً عن الإجماع فلا ينفع الاستدلال بها.

 

(الدليل الثالث) الروايات:

          وقد اعترف (دام ظله الشريف) في البداية بأن ((موضوع الجمرة لم يرد بصراحة في الروايات الإسلامية)) ولكنه قال: ((هناك إشارات في هذه الروايات إلى أن الجمرات يراد بها محل اجتماع الحصى، وكنموذج نلفت النظر إلى هذه الروايات:-

1-  ورد في حديث معتبر عن معاوية بن عمار عن الإمام الصادق (عليه السلام) أنه قال: (فإن رميتَ بحصاة فوقعت في محمل فأعد مكانها وإن أصابت إنساناً أو جملاً ثم وقعت على الجمار أجزأك)([60]).

    فنرى أن التعبير بقوله: (وقعت على الجمار) يدل على أن الجمرة هي قطعة الأرض المليئة بالحصى والجمار تقع عليها، فإن الجمار بمعنى الحصى وعليه فإن وقوع الحصى على الجمار يعني وقوعها على الحصى الكثير المتجمعة، إذن فالعبارة المذكورة تدل بصورة جيدة على المقصود.

    ومضافاً إلى ذلك فإن الحجر الذي يصيب بدن الإنسان أو يصيب بعيراً فإنه حين العودة لا تكون له تلك القوة بحيث يصيب العمود (إذا كان هناك عمود في البين) فغاية ما هناك أنه سوف يقع على مجمع الحصى)).

أقول: لا يمكن اعتبار كلا التقريبين دليلاً.

   أما الأول: فلأنه من المحتمل أن يراد بالجمار جمع الجمرة باعتبارها ثلاث جمار ويراد بالجمرة الموضع –سواء كان عموداً أو أرضاً- وليس الحصى المجتمع، وهذا الاحتمال هو الأرجح بقرينة تعبير الإمام (عليه السلام) عن الحصاة بلفظها فمقتضى السياق أن المراد بالجمار غيرها، بل إن الرجوع إلى النص الكامل للرواية في الكافي التي قطّعها صاحب الوسائل (قدس سره) –بناءً على كون فقراتها رواية واحدة- يثبت هذا الاحتمال.

    وعلى أي حال فهذا المعنى هو المعروف في الروايات كقول أبي عبد الله (عليه السلام) في صحيحة معاوية بن عمار: (خذ حصى الجمار)([61]) وقول أبي جعفر (عليه السلام) في صحيحة زرارة: (حصى الجمار إن أخذته..)([62]).

    فالمراد بالجمار موضع الرمي لا الحصى، فيصدق على كلا الاحتمالين لذا لم يجد القائلون بكون الجمرة هي العمود حزازة في إيراد هذه المسألة كصاحب المدارك([63]) (قدس سره).

    وأما الثاني فإنه يحتمل الصدق على العمود بلحاظ قلة الحجاج الرامين وقربهم من المرمى وكون بعضهم يرمي من على ظهر البعير، مضافاً إلى أن مسائل الفقه تتعرض لحالات افتراضية وإن لم تقع خارجاً.

    وعليه فالرواية مجملة من هذه الناحية.

((2- في حديث البزنطي (أحمد بن محمّد ابن أبي نصر) عن أبي الحسن علي بن موسى الرضا(عليه السلام) يقول: (وَاجْعَلْهُنَّ عَلَى يَمِينِكَ كُلَّهُنَّ وَلا تَرْمِ عَلَى الْجَمْرَةِ).

    وهذا الحديث يدلُّ أيضاً على أنّ الجمرة هي مجمع الحصى لأنّ البعض يقف على طرف منها ويرمي نحو الطرف الآخر، ويرى بعض علماء العامة أنّ في ذلك كفاية، ولكننا نرى الحرمة أو الكراهة في ذلك، والإمام (عليه السلام) هنا ينهى عن هذا العمل، ومن البديهي أن أيُّ عاقل عندما يرمي الجمرة لا يقف على العمود.

    ورأينا في كلمات فقهاء العامّة في البحث السابق أيضاً هذا المعنى حيث يقول البعض: ((لا يجوز الوقوف على الجمرة)) فتدبّر)).

أقول: لعل في تسميته حديثاً تضعيفاً لسنده لوجود سهل بن زياد فيه على ما في الكافي، ولكن الحميري رواه في قرب الإسناد بسند صحيح فلا إشكال من هذه الناحية.

    ومن حيث الدلالة فإن التقريب هنا أبعد من سابقه لوجوه:-

1-      إن تقريبه يحتاج إلى تقدير (من) والأصل عدمه.

2-      إنه على المعنى الذي قربه ينبغي استعمال (في) أي (وأنت في الجمرة).

3-   إن الرواية تحتمل الانطباق على القولين فتكون مجملة لإمكان أن يكون الشخص على العمود، وإذا كان الوقوف على العمود للرمي أثناء رمي الحجاج بعيداً، فإن الوقوف على مجتمع الحصى والرمي إليه بعيد كذلك، ومهما استبعدنا هذا الاحتمال فإنه ليس مستحيلاً وفرض المحال ليس بمحال.

4-   إن تفسير الرواية بالقول الأول أولى لأن النهي عن الرمي على العمود يمكن تعقله لعدم صدق الرمي حينئذٍ ونحوه، أما على القول الثاني فلا موجب للنهي لإمكان أن يكون في طرف الأرض ويرمي الطرف الآخر كما روى الأزرقي (المعاصر للإمامين العسكريين (عليهما السلام) ) في تأريخ مكة في الرواية عن ابن عباس التي نقلناها (صفحة 138).

5-   إنه (دام ظله) بنى استدلاله على كون الموجود في الرواية (على الجمرة) مع أننا نحتمل سقوط حرف الألف والصحيح (أعلى) فتكون من روايات النهي عن رمي جمرة العقبة من أعلاها التي تقدمت (صفحة 152) ولدى التحقيق وجدناها في نسخة التهذيب (أعلى) ولله الحمد.

((3- وجاء في كتاب فقه الرضا (عليه السلام): (وإن رميت ووقعت في محمل وانحدرت منه إلى الأرض أجزأك)([64]) ومن الواضح أن المراد من هذه العبارة أن تتدحرج الحصى وتقع على الأرض محل الرمي)).

       أقول: كتاب فقه الرضا (عليه السلام) كتاب فقه كالرسالة العملية وليس من جوامع الحديث فهو يمثل فتاوى مؤلفه الذي رجّحنا أنه والد الصدوق، والغريب هو أنه نفسه (دام ظله الشريف) يعتقد ذلك أيضاً لذا أدرج هذا النص ضمن كلمات الفقهاء وقال: ((على أنه توجد قرائن كثيرة في كتاب (فقه الرضا) تشير إلى أنه كتاب فقهي يتعلق ببعض أجلاء الصحابة)) فكيف يستدل به كرواية؟ ولو تنزلنا باعتبار ما قيل من كون القدماء يفتون بمتون النصوص فإنها رواية مرسلة، ولعل مستنده خبر أبي البختري الآتي (صفحة 167).

          ثم قال (دام ظله الشريف): ((نتيجة البحث الروائي: بالرغم من أننا لا نلاحظ في أية رواية من الروايات المذكورة آنفاً بل في جميع الروايات الواردة في باب رمي الجمرات، كلاماً صريحاً عن موضوع (الجمرة) ولكن يمكن تحصيل الاطمئنان من خلال العبارات الموجودة في هذه الروايات أن المراد من (الجمرات) ليس سوى محل اجتماع الحصى في تلك القطعة من الأرض المعيّنة، وعلى فرض وجود عمود فيها فإنه ليس أكثر من علامة على محل الرمي.

          وبعبارة أُخرى أنّ العمود لا يطلق عليه اسم الجمرة في منى حتّى يجب رميه بالجمار، بل يجب على الحجاج رمي الجمرات باتجاه المحل الموجود هناك والذي يكون على شكل حوض بني حول مكان الجمرات، ولكن بالتدريج وبمرور الزمان اتخذ الناس العمود المذكور هدفاً لرمي الجمرة بدلاً من المحل الحقيقي بالرمي، ويحتمل قوياً أنّ هذه المسألة قد حدثت في العصور المتأخرة وأصبحت عرفاً متداولاً بين المسلمين، لأننا لا نجد كلاماً عن ذلك في كلمات القدماء)).

أقول: ظهر من مناقشة تلك الروايات إنها لا تحصّل ما هو دون الاطمئنان بالنتيجة المذكورة فكيف به؟.

          ثم تمسك (دام ظله الشريف) ببعض القرائن:

(منها) ما ورد في الروايات في شرح كيفية رمي الحصاة بأن يكون خذفاً وذلك بأن تضع الحصاة على الإبهام وتدفعها بظفر السبابة([65]) و ((رمي الأحجار بهذه الصورة ينسجم مع عدم وجود العمود أكثر، لأنّ إصابة العمود بهذه الصورة ومن مسافة (10) أو (15) ذراع كما ورد في الرواية يكون عسيراً في أغلب الأحوال أو غير ممكن، ولكن الرمي بهذه الصورة باتجاه الحوض ومحل اجتماع الحصى يكون ممكناً في الغالب)).

 

(ومنها) ((رجم قبور الخونة في الجاهلية والإسلام:

          يستفاد من المصادر التأريخية المعروفة كتأريخ (مروج الذهب) للمسعودي و (الكامل في التأريخ) لابن الأثير أنّ الناس كانوا في عصر الجاهلية يرمون قبور بعض الخونة والأشخاص المنفورين.

          يقول المسعودي في (مروج الذهب):

          (سار أبرهة بأصحاب الفيل إلى مكة لإخراب الكعبة، فعدل إلى الطائف، فبعثت معه ثقيف بأبي رغال ليدلّه على الطريق السهل إلى مكة، فهلك أبو رغال في الطريق بموضع يقال له المغمّس بين الطائف ومكة، فَرُجِم قبره بعد ذلك، والعرب تتمثل بذلك، وفي ذلك يقول جرير بن الخطفي في الفرزدق:

          إذا مات الفرزدق فارجموهُ            كما ترمون قبر أبي رغالِ

          وقيل: إنّ أبا رغال وجّهه النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) على صدقات الأموال، فخالف أمره، وأساء السيرة، فوثب عليه ثقيف فقتله قتلة شنيعة لسوء سيرته في أهل الحرم،... قال مسكين الدارمي:

          وأرجمُ قبره في كلّ عامٍ           كرجم الناس قبر أبي رغالِ)

          ويحتمل أيضاً أنّ (أبا رغال) اسم لشخصين، أحدهما كان يعيش في زمان (أبرهة) والآخر في زمان حكومة النبيّ (صلى الله عليه وآله) في المدينة، وكان كليهما من الخونة وكان الناس يرمون قبريهما بالحجارة.

          ويقول (الطبري) في كتابه التأريخي المعروف بعدما ينقل قصة أبرهة وأبي رغال وبعد ذكر حادثة موته في محل باسم (المغمّس) يقول:         (فرجمت العرب قبره فهو القبر الذي يُرجم) وجاء في (سفينة البحار) في قصة أبي لهب:

(أنّ جسد أبي لهب بقي بعد موته مدّة ثلاثة أيّام مطروحاً على الأرض حتّى أنتن فجاء بعض الأشخاص فدفنوه في أعالي مكّة إلى جدار وقذفوا عليه الحجارة حتّى واروه، ولعلّ في كلام أمير المؤمنين عن أبي لهب إشارة إلى رمي الحجاج إليه بالحجارة عند مرورهم عليه).

          ويستفاد من هذه العبارات أنّ العرب قبل الإسلام وبعده كانوا يرمون قبور الأشخاص المنفورين بالحجارة، والظاهر أنّ ذلك مقتبس من رمي الجمرات، ولم يرد في هذه التواريخ أنّهم كانوا يضعون عموداً على القبور المذكورة ويرمونها، بل كانت على شكل مجموعة من الأحجار الصغيرة أو الحصى، ونظراً إلى وجود احتمال قوي بأنّ هذا الأُسلوب مقتبس من (رمي الجمرات) فلو كان هناك عمود واقعاً في ذلك الزمان في محل الجمرات فإنّ من المناسب أن يقوم العرب تقليداً لذلك بنصب أعمدة على القبور المذكورة ويرمونها.

          ومن هذه الملاحظة يفهم جيداً عدم وجود الأعمدة في تلك الأعصار، ويمكن أن يكون هذا المعنى مؤيداً للمطلوب)).

(ومنها) ما ورد ((في كثير من كلمات الأعاظم كالمحقق الحلي في (شرائع الإسلام) والعلامة في (المنتهى) أنه ينبغي على الحجاج جمع سبعين حصاة للرمي من داخل منطقة الحرم (سواء كانت هي المشعر الحرام او منى) ويرمون سبعة منها في اليوم الأول على جمرة العقبة، ويرمون في اليوم الثاني (21) حصاة حصاة للجمار الثلاثة كلها، و (21) حصاة لليوم الثالث (فيما لو بقوا ثلاثة أيام في منى) بحيث يكون المجموع سبعين حصاة صغيرة.

          ولم يقل أحد إلا قليل بأن على الحجاج أن يحملوا معهم أكثر من هذا المقدار، وهذا يدل على أن رمي الجمرات كان سهلاً جداً بحيث يندر احتمال عدم إصابة الهدف، فإذا قلنا بأن الجمرة هي مجتمع الحصى فسيكون رميها ميسوراً، ولكن إذا قلنا أن محل الرمي هو الأعمدة المنصوبة ويتم الرمي في ذلك الزحام الشديد فمن الواضح أن الحاج يحتاج إلى أكثر من هذا المقدار من الحصى لأن احتمال عدم الإصابة كبير جداً، وهذه قرينة أخرى على المطلوب)).

(ومنها) ((التصاوير القديمة الموجودة للأعمدة:

          وهناك قرينة أُخرى لذلك، وهي الصور القديمة للأعمدة التي تشير إلى وجود مصابيح إلى جانب الأعمدة لتضيء المحل في الليل لتسهيل عملية الرمي، فلو أنّ الرمي كان يستهدف الأعمدة فإنّ هذه المصابيح ستتعرض للكسر من اليوم الأوّل لأنّه كما رأينا أنّ الناس في رميهم لا يصيبون الهدف بدقة وقد يصيبوا المصباح المعلّق إلى جواره.

          ويتّضح هذا البحث أيضاً بما ورد في كتاب (تاريخ مكّة) حيث يذكر في المجلد السادس من (التأريخ القويم لمكّة وبيت الله الكريم) لمؤلفه (محمّد طاهر الكردي المكّي)، الذي يعتبر من أهم الكتب في عصرنا الحاضر عن تأريخ مكّة وقد طبع تحت نظر المسؤولين الرسميين في الحجاز، فنقرأ فيه قوله: (وبوسط كلّ جمرة من الجمرات الثلاث علامة كالعامود المرتفعة نحو قامة، مبنية بالحجارة، إشارة إلى موضع الرمي، وهذه العلامات على الجمرات لم تكن في صدر الإسلام وإنّما أحدثت فيما بعد)).

أقول: ما دام قد جعلها (دام ظله الشريف) قرائن لا ترقى إلى الدليل فلا داعي للتعرض لمناقشتها وتقييمها.

 

الرأي المختار:

          والذي نرجّحه أن الواجب رميه هو الموضع المخصوص والمعين من الأرض والذي عرف عبر التأريخ بعلامات عديدة كالصخرة أو الأكمة أو الأعلام أو الأعمدة، ودليلنا على ذلك:-

1-  إن هذا هو ما يفهمه العرف من أمثال هذه الأمور كما يفهمه من الأفعال المتعلقة بالمواضع الأخرى التي عليها بناء ونحوه فضلاً عما لم يثبت وجود شيء عليه كالطواف حول الكعبة أو السعي بين الصفا والمروة أو زيارة قبور المعصومين (سلام الله عليهم)، فإن الكعبة –كبناء- قد تُزال بهدم ونحوه- كما حصل هذا أكثر من مرة بسبب السيول وعدوان الطغاة- ولكن محلها يبقى هو قبلة المصلين ومحور الطائفين، وإن جبلي الصفا والمروة قد يزالان –كما أزيل جزء كبير منهما اليوم- ويبقى السعي بين موضعيهما وهكذا.

2-  إن الحقائق التأريخية التي لخّصناها تشير إلى أن بناء الأعمدة هو أمر مستحدث بعد عصر المعصومين (سلام الله عليهم) لذا لا نجد له أثراً في الروايات الشريفة ولا في كلمات القدماء (قدس الله أرواحهم)، لكن هذا لا ينفي وجود علامات أخرى سابقة عليها كالصخرة أو الشجرة أو الأعلام ونحوها وإلا لضاعت البقعة المخصوصة –وهي عدة أمتار مربعة- بين بقاع وادي منى، ولذا نقل علماء الحجاز أنفسهم اختلافهم في وجود العلم والشاخص على عهد رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) (صفحة 123) مع اتفاقهم على أن البناء أمر مستحدث، لكن هذا لا يخرجها عن كونها علامات على الجمرة وليس أنها هي، وعلى هذا فلا حجية في اشتراط إصابتها، نعم هي جزء من الموضع الواجب رميه لأنها أنشئت فيه.

3-  إن العوارض الطبيعية تقتضي كون موضع الرمي الأصلي مدفوناً تحت الأرض بعمق عدة أمتار لمرور عدة قرون عليه مع تراكم التراب والحصى وتحولها إلى طبقات بفعل السيول الواصلة إليها، وقد نقلنا في الخلاصة التأريخية شواهد على ذلك.

    قال شيخنا الأستاذ الفياض (دام ظله الشريف): ((إن الجمرة الموجودة في زمن المعصومين (عليهم السلام) لم تبقَ جزماً بل الجمرة الموجودة قبل سنين غير باقية، لأنها دفنت تحت الأرض، وبنيت عليها بناية حديثة بارتفاع عدة أمتار باسم الجمرة))([66]).

    وقد حكى بعض طلبتنا الأعزاء أنه خلال عمليات التوسعة الأخيرة –وعرض صور لها مؤرخة عام (2006)- تم العثور في أثنائها على مسجد كامل مدفون تحت الأرض بالقرب من جمرة العقبة، وقد كتب على الواجهة التي تعلو بابه اسم أبي جعفر المنصور ولعله هو المسجد الذي جدده وبناه إسحاق بن سلمة الصائغ متصلاً بالجدار الذي بناه خلف جمرة العقبة في سنة (241 هـ) كما نقلنا عن الفاكهي المكي وهو ممن شهد الحدث وتوفي سنة (272([67]) هـ) بعد الأزرقي المكي المعاصر له.

 

          فالإصرار على كون الأعمدة هي موضع الرمي يجعل هذا النسك بلا موضوع، لاختفاء تلك الأعمدة تحت الأرض، ولا حجية في المقام منها اليوم، بينما يصدق المحل عرفاً على الأرض حتى إذا ارتفع سطحها بتراكم الحصى والتراب.

          وفي ضوء هذا لا يبقى موضوع للمسألة التي ذكرها السيد الخوئي (قدس سره) والسيد الشهيد الصدر (قدس سره) والسيد السيستاني (دام ظله الشريف) والتي أوردناها (صفحة 126) لعدم وجود العمود الذي كان سابقاً، نعم بلحاظ الطابق تحت الأرضي قد يكون للمسألة موضوع إذا ثبت ذلك، وحينئذٍ يقال أن الرمي على العمود إذا عُدَّ عرفاً رمياً للموضع فيكون مجزياً ويؤخذ من طوله ما يحقق هذا الصدق.

          لكن السيد السبزواري (قدس سره) أطلق القول بالإجزاء، قال (قدس سره): ((إن البناء إنما هو علامة فقط، فيكون الرمي عليه رمياً على المحل طال البناء أو قصر ولا موضوعية له، ولو فرض أنه أطيل البناء وجعلت أطرافه درجات متعددة ورميت من تلك الدرجات وأصاب البناء، فالظاهر الإجزاء، فالبناء بأي حد كان رمز خاص لمحل مخصوص وطريق محقق إليه))([68]).

أقول: إن العرف لا يساعد على هذه السعة.

4- ويؤيد هذا القول خبر أبي البختري في قرب الإسناد عن جعفر بن محمد عن علي (عليهما السلام): (إن الجمار إنما رميت لأن جبرئيل حين أرى إبراهيم المشاعر برز له إبليس فأمره جبرئيل أن يرميه، فرماه بسبع حصيات فدخل عند الجمرة الأخرى تحت الأرض فأمسك، ثم برز له عند الثانية فرماه بسبع حصيات أخر، فدخل تحت الأرض موضع الثانية، ثم إنه برز له في موضع الثالثة فرماه بسبع حصيات فدخل في موضعها)([69]).

 

وجوه أخرى: ذكر السيد السبزواري (قدس سره) وجهاً حاصله: ((إن الرمي بالحصى تحقير ومهانة ويناسب انخفاض المرمى عرفاً))([70]).

أقول: هذا الوجه يليق بالجوانب المعنوية أي (ما وراء الفقه) وليس بحسب القواعد المعمول بها.

          وذكر شيخنا الأستاذ الفياض (دام ظله الشريف) وجهاً آخر قال فيه: ((وجوب رمي الجمرة الجديدة المبنية فوق ذلك الموضع عمودياً ليس إلا أنه رمز وشعار للإسلام، ومن هنا إذا فرض عدم بناء جمرة جديدة فيه، أو فرض نصب شاخص مكانه من خشب أو حديد، فهل يحتمل أن لا يجب على الحجاج رمي ذلك الموضع أو الشاخص؟ والجواب: كلا، ويجب عليهم ذلك، ولا يحتمل سقوط هذا الحكم الإسلامي عنهم.

          وتؤكد ذلك صحيحة معاوية بن عمار عن أبي عبد الله (عليه السلام): (قال: إن أول من رمى الجمار آدم (عليه السلام)، وقال: أتى جبرئيل إبراهيم (عليه السلام) فقال: ارمِ يا إبراهيم، فرمى جمرة العقبة، وذلك أن الشيطان تمثل له عندها([71]) بتقريب أن الظاهر منها أن تشريع رمي الجمرة في الحقيقة إنما هو من أجل رجم الشيطان عندها بالحصى رمزياً، وأظهر منها رواية علي بن جعفر عن أخيه موسى بن جعفر (عليه السلام) قال: (سألته عن رمي الجمار لم جعلت؟ قال: لأن إبليس اللعين كان يتراءى لإبراهيم (عليه السلام) في موضع الجمار فرجمه إبراهيم (عليه السلام) فجرت السنة بذلك)(2) ومثلها روايته الأخرى(3)، وعلى هذا فالأظهر كفاية رمي الجمرة الحالية من أسفلها إلى أعلاها، وإن كان الأولى والأجدر رمي وسطها))(4).([72]).

أقول: إن الرمزية المذكورة ثابتة إلا أنها لا تعني الحرية في اختيار الموضع أو الكيفية، بل لا بد من استنطاق النصوص، والظاهر أنه بنى قوله على كون الجمرة الأصلية مدفونة والموجودة مستحدثة فلا تفرّق فيها، قال (دام ظله الشريف): ((إنه لا موضوعية للجمرة السابقة ولا لموضعها الطبيعي من الناحية المكانية التي كانت الجمرة فيه، لأنه مدفون تحت الأرض، وإلا فلازمه سقوط هذا الحكم عن المسلمين، وهو كما ترى))(5).[73]).

أقول: اتضح الرد مما تقدم وحاصله إننا وإن كنا نسلّم غياب الموضع الأصلي تحت الأرض إلا أن العرف يرى صدق الموضع على الطبقة التي تعلوه في الطابق الأرضي فالرمي يكون على هذا الموضع لصدق العنوان وليس أنه بديلٌ من باب الرمزية ونحوها.

ملاحظة: أورد البعض هنا وجهاً للاستدلال على القول الثاني بنفي اشتراط إصابة الجمرة أصلاً وحاول الاستدلال عليه، وحينئذٍ يزول موضوع مسألتنا من الأساس.

          وفيه: إنه إن أراد بنفي الاشتراط الاكتفاء بمجرد رمي الحصاة كيفما اتفق من دون الحاجة إلى استهداف الموضع المخصوص –عموداً أو أرضاً- فهذه أشبه بالوسوسة التي لا تحتاج إلى رد.

          وإن أراد عدم اشتراط إحراز الإصابة والاكتفاء بعدم العلم بعدم الإصابة فهذا قابل للمناقشة إلا أنه لا يفيد في الاستدلال على مسألتنا لأنه يتضمن تحديد ما يجب رميه أولاً والقصد إلى إصابته ولا يشترط بعد ذلك العلم بالإصابة فعاد الإشكال جذعاً أن الذي يجب رميه هل هو العمود أو الأرض؟.

 

مقتضى الأصل العملي:

          لو تنزلنا وافترضنا حصول حالة الشك، فإن الأصل الجاري في المقام هو البراءة من تعيّن وجوب إصابة العمود حصراً، والاكتفاء بإصابة موضع اجتماع الحصى.

          لأن المورد صغرى لمسألة دوران الأمر بين الأقل والأكثر الاستقلاليين، ونحن نقول بجريان أصالة البراءة فيها، وتقريبها أن الرمي إلى الموضع المخصوص معلوم الإجزاء للوجوه التي ذكرناها، واعتبار القيد الزائد عليه –وهي إصابة العمود- مشكوك ولو لعدم الاطمئنان بوجود الأعمدة في زمان المعصومين (عليهم السلام) فينفى القيد بالأصل.

 

 

 

 

 

نتيجة البحث

          يمكن الخروج في نهاية البحث بعدة أمور:

(الأول) إن محل الرمي هو الموضع المخصوص من الأرض، وإن العمود والبناء ونحوهما علامات عليه.

(الثاني) لو فرض بقاء العلامات والأعلام الأصلية فلا يقتصر محل الرمي على موضعها لأنها توضع عادة في وسط المحل فيجتمع حولها الحصى، أو في أطرافه لتحديده، وإلا فليس لمساحة موضع الرمي حد محدود والمهم صدق الرمي عرفاً إلى الموضع المخصوص، ويختلف الصدق بحسب كبر مجتمع الحصى الذي يقتضيه عدد الحجاج –كصدق الطواف حول البيت الذي تتسع دائرته بزيادة عدد الحجاج-، ولا يجزي الرمي إلى الحصى السائل إلى غير هذا المجتمع.

(الثالث) إن أرض الرمي الأصلية وما عليها من علامات توجد تحت سطح الأرض الموجودة اليوم، ويوجد طابق تحت الأرض مشيد وله طريق خاص يوصل إليه لكنه غير متيسّر لعامة الحجاج، وهذا يكون هو الأرض الأصلية أو قريباً منها باعتبار أن مقتضى فعل الطبيعة والعوامل المناخية وتراكم التراب والحصى وما تجرفه السيول والأمطار هو تراكم الطبقات بمرور الزمن.

          فالمشكلة محل البحث شاملة للطابق الأرضي كالطوابق العلوية.

(الرابع) مع تعذّر إصابة الموضع الأصلي لما ذكرناه أعلاه، يجزي الرمي إلى الجزء الذي فوقه، لصدق الرمي عرفاً إلى الموضع المخصوص، نظير إجزاء الرمي إلى كومة الحصى على الأرض كالرمي إلى الأرض.

          لكنه لا يتعين إصابة العمود ونحوه للقطع بأنه بناء مستحدث بديل عن الموضع الأصلي لإقامة هذا النسك الواجب باعتبار عدم سقوط وجوب رمي الجمرات من مناسك الحج بأي حال من الأحوال.

(الخامس) يتحرى الحاج الرمي من الطابق الأرضي بالصورة التي ذكرناها آنفاً، فإذا تعذّر عليه فلا مانع من رمي الجمار من الطوابق العلوية ما دامت تقع في الحوض الذي شكله كالقمع فتنزل إلى موضع الرمي في الطابق الأرضي، بل نُقل أن حوض الطابق الأرضي مفتوح إلى طابق تحت الأرض الذي يكون قريباً إلى الأرض الأصلية.

          وسبب تقديم الطابق الأرضي على الطوابق العلوية مع كونها جميعاً مستحدثة، أن الطابق الأرضي يصدق عليه عرفاً محل الرمي بعد دفن الموضع الأصلي وهكذا كل مكان يدفن بمرور الزمن وتتراكم عليه الطبقات –كالمراقد مثلاً-، وهذا لا يصدق على الطبقات العليا، ومن هنا افترق الطابق الأرضي عن الطبقات العليا.

          نعم إذا لم يصدق عرفاً وحدة الموضع على الطابق الأرضي لكونه بكامله مستحدثاً ومفصولاً عن الأرض الأصلية وليس أنه من الطبقات المتراكمة عليها، فلا فرق في الإجزاء حينئذٍ بين الطابق الأرضي والطوابق العلوية من هذه الناحية، ولعل الموجود خارجاً هو هذا.

(السادس) إن الرمي إلى جزء الجدار الواقع في أرض الرمي لا بأس به باعتبار أن العرف يراه جزءاً من المرمى ولأن الموضع لم يخلُ عبر التأريخ من صخرة أو بناء أو أكمة. والأحوط مراعاة أن تضرب الحصاة به وتسقط في موضع الرمي الصحيح، ولا يصح الرمي إلى الأجزاء العالية أو الأطراف البعيدة من الجدار بحجة أنها ستتدحرج في القمع المخروطي وتقع في الموضع الصحيح؛ للشك حينئذٍ في تحقق القصد لرمي الموضع، ولأن الواجب إصابة الجمرة بالرمي لا مطلق إيصال الحصاة إليها، خلافاً لما يظهر من صاحب الجواهر (قدس سره) بقوله: ((نعم لو وقعت على شيء فانحدرت على الجمرة أو مرّت على سنتها حتى أصابت الجمرة جاز، وكذا إن أصابت شيئاً صلباً فوقعت بإصابته على الجمرة للصدق بعد أن كانت الإصابة على كل حال بفعله))([74]).

          وبعبارة أخرى إننا نقول بالإجزاء حينما تضرب الحصاة جزء الجدار المذكور وتقع في مجتمع الحصى، لأننا نرى أن هذا البناء جزء من موضع الرمي عرفاً وليس لأن الواجب قد تحقق بوصول الحصاة إلى مجتمع الحصى على أي نحو كان ولو برميها إلى الجدار ووقوعها في مجتمع الحصى.

          وما سمعنا من أقوال الفقهاء (صفحة 130) وتدل عليه صحيحة معاوية بن عمار (صفحة 157) ظاهر فيما لو قصد رمي الموضع الصحيح فأصابت شيئاً آخر في طريقها ثم وقعت فيه فهذه الإصابة العرضية لا تضرّ.

          وفي ضوء هذا ينبغي للحجاج المحترمين (زادهم الله شرفاً) أن يقتربوا من الموضع المذكور من الجدار، وأن تكون النية امتثال الواجب الموجه إليهم من رمي الجمار وليس خصوص رمي الجدار.

 

والحمد لله رب العالمين

وصلى الله على سيدنا أبي القاسم محمد وعلى آله الطيبين الطاهرين.

 



([1]) من مقال بعنوان (توسعة أحواض الجمرات) مؤرخ في 3/ذو الحجة/1426 للأستاذ الدكتور عبد الله بن عبد الواحد الخميس الأستاذ بالدراسات العليا بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية.

([2]) الجمرات بين الماضي والحاضر، لسماحة الشيخ ناصر مكارم الشيرازي (دام ظله الشريف)، وهو منشور على موقعه الإلكتروني (http://www.makaremshirazi.org/arabic).

([3]) المصدر السابق، وقد نقله عن كتاب مرآة الحرمين لإبراهيم رفعت باشا: 1/48، نقلاً عن كتاب الموسوعة الفقهية، طبع الكويت: 15/276.

([4]) حكاه الشيخ ناصر مكارم الشيرازي في المصدر السابق عن حواشي الشيرواني: 4/134.

([5]) مناسك الحج والعمرة للشيخ المنتظري (دام ظله الشريف): 213، المسألة (549)، ولم يبيّن (دام ظله) الكيفية المجزية.

([6]) ما وراء الفقه: 2/239، طبعة بيروت.

([7]) مناسك الحج للسيد الخوئي (قدس سره)، المسألة 379.

([8]) مناسك الحج للسيد السيستاني: 194، المسألة 379.

([9]) منهج الصالحين: 1/380، المسألة 2102.

([10]) هامش المسألة 532 من مناسك الحج والعمرة، صفحة 209.

([11]) المصدر السابق: 213 المسألة 542.

([12]) الدروس: 124.

([13]) مدارك الأحكام: 8/9.

([14]) كشف اللثام: 6/114.

([15]) مستند الشيعة: 12/283.

([16]) جامع أحاديث الشيعة: 14/231، أبواب رمي الجمار، باب 12، ح2.

([17]) الكافي: 199.

([18]) غنية النزوع، قسم الفروع: 189.

([19]) خبر أبي غسان ستأتي الإشارة إليه عند الاستدلال على القول الأول بإذن الله تعالى.

([20]) جواهر الكلام: 19/107.

([21]) مهذب الأحكام: 14/255، طبعة النجف.

([22]) أسنتت الأرض إذا أجدبت ولم يصبها المطر، فلعل المراد بسنتها سطحها الأجرد.

([23]) المنتهى: 2/731، الطبعة القديمة، تذكرة الفقهاء: 8/221.

([24]) من لا يحضره الفقيه، ج2، باب: سياق مناسك الحج، عنوان: الرجوع إلى منى ورمي الجمار.

([25]) الشيخ ناصر مكارم الشيرازي في المصدر المتقدم.

([26]) المبسوط: 1/369.

([27]) شرائع الإسلام: 1/192.

([28]) قواعد الأحكام: 1/439، سلسلة الينابيع الفقهية: 3/528، مسالك الأفهام: 2/292، جامع المقاصد: 3/235، رياض المسائل: 6/412.

([29]) الشيخ ناصر مكارم الشيرازي في المصدر المتقدم.

([30]) راجع مجمع البحرين للطريحي، وتاج العروس من جواهر القاموس للزبيدي، والنهاية لابن الأثير الجزري، ولسان العرب لابن منظور، والمصباح المنير للفيومي.

([31]) في الخبر (رمى أبو عبد الله (عليه السلام) الجمرة العظمى فرأى الناس وقوفاً فقام في وسطهم، ثم نادى بأعلى صوته: أيها الناس إن هذا ليس بموقف، ثلاث مرات، ففعلت) (وسائل الشيعة: كتاب الحج، أبواب رمي جمرة العقبة، باب 10، ح4، 6.

([32]) ما وراء الفقه: 2/284، طبعة بيروت.

([33]) و (3) رواهما الشيخ الصدوق (رضوان الله عليه) بسند صحيح في علل الشرائع: 437، باب علة رمي الجمار، وأرسلهما في الفقيه ومنه أخرجهما صاحب الوسائل (أبواب رمي جمرة العقبة، باب 1، ح5،6) لذا وصمهما بعض المصادر بالإرسال.

(4) المفصل في تأريخ العرب قبل الإسلام، د. جواد علي: 6/385، وفيه عن سفر التكوين، الإصحاح الحادي والثلاثين: (وقال لابان ليعقوب: هو ذا هذه الرجمة، وهو ذا النصب الذي وضعت بيني وبينك).

أقول: ظاهر النص أنه بعيد عن معنى رمي الجمرات وإن ورد اللفظ فيه.

([35]) المصدر السابق: 6/387

([36]) الذي انتقلت إليه الرئاسة وولاية البيت حتى انطوت العرب تحت لوائه تأتمر بأمره وتمتثل إليه في كل ما يبتدعه من أمور، وكان أمره مطاعاً بمكة لا يعصى، فكان لا يبتدع بدعة إلا اتخذوها ديناً متبعاً.

([37]) د. طه عبد القادر عمارة الأستاذ المساعد في مركز أبحاث الحج التابع لوزارة التعليم العالي في المملكة: (تأريخ الجمرات بوادي منى في مكة المكرمة).

([38]) حكاه السيد الشهيد الصدر الثاني (قدس سره) في كتاب (فلسفة الحج) و (ما وراء الفقه: 2/240) وردّ عليه بوجوه.

([39]) المفصل في تأريخ العرب قبل الإسلام، د. جواد علي: 6/386.

([40]) الوقائع التأريخية من هنا إلى آخر المقدمة التأريخية ملخّصة من كتاب (تأريخ الجمرات بوادي منى في مكة المكرمة) المتقدم ذكره وقد أخذها من عدة مصادر نذكر أهمها لمن يريد تفاصيل أوسع:-

1-     (أخبار مكة في قديم الدهر وحديثه) محمد بن إسحاق الفاكهي المكي.

2-     (أخبار مكة وما جاء فيها من الآثار) لابن عقبة بن الأزرق الشهير بالأزرقي.

3-    (التأريخ القويم لمكة وبيت الله الكريم) محمد بن طاهر الكردي.

4-     (قرة العين في أوصاف الحرمين الشريفين) محمد المحجوبي المغربي – مخطوط.

5-     (الدرر الفرائد المنظمة في أخبار الحاج وطريق مكة المعظمة) للجزيري.

6-    (مرآة الحرمين) إبراهيم رفعت باشا.

7-    (رمي الجمرات) للدكتور شرف بن علي الشريف، معهد البحوث العلمية وإحياء التراث، جامعة أم القرى.

8-    (حدود حمى المشاعر) مقال للشيخ عبد الله البسّام نُشر في مجلة العرب، محرم –صفر/1408، الرياض.

([41]) في صحيح البخاري عن عبد الرحمن بن يزيد (أنه كان مع عبد الله بن مسعود فاستبطن الوادي حتى إذا حاذى بالشجرة اعترضها فرمى بسبع حصيات يكبر مع كل حصاة). وبقيت الشجرة معلماً للجمرة حتى قطعت، ولم يحدد المصدر (أخبار مكة في قديم الدهر وحديثه للفاكهي: ج4) تأريخ قطعها لكنه روى الحادثة بسنده عن قتادة (كانت شجرة عند الجمرة، وكانت تعبد –يعني في الجاهلية- قال: فأمر السلطان بها فقطعت) وقد توفي قتادة بن دعامة في العقد الثاني من القرن الثاني فيكون الحدث قبل ذلك.

([42]) السابلة تعني الصخرة التي تقع في وادي منى في أسفل جبلها الشمالي (ثبير) وهي منه كالستر إذا أرسل وأرخي، ويمكن أن تسلك لأن السابلة من الطرق المسلوكة (من المصدر عن القاموس المحيط للفيروز آبادي).

([43]) استنت: تغير اتجاه حركتها، ومنها استن الفرس: تقمّص، من المصدر عن الصحاح في اللغة والعلوم للأخوين مرعشلي.

([44]) جواهر الكلام:  19/107.

([45]) الجمرات بين الماضي والحاضر للشيخ ناصر مكارم الشيرازي.

([46]) مدارك الأحكام: 8/9.

([47]) الموسوعة الكاملة لآثار السيد الخوئي (قدس سره): 29/227-228.

([48]) الشيخ ناصر مكارم الشيرازي في المصدر المتقدم.

([49]) وسائل الشيعة: كتاب الحج، أبواب رمي جمرة العقبة، باب 2، ح5.

([50]) جواهر الكلام: 19/107.

([51]) الشيخ ناصر مكارم الشيرازي في المصدر المتقدم.

([52]) مهذب الأحكام: 14/255، طبعة النجف.

([53]) وسائل الشيعة: كتاب الحج، أبواب العود إلى منى، باب 7، ح3.

([54]) وسائل الشيعة: كتاب الحج، أبواب رمي جمرة العقبة، باب 6، ح2.

([55]) وسائل الشيعة: كتاب الحج، أبواب رمي جمرة العقبة، باب 3، ح1.

([56]) الشيخ ناصر مكارم الشيرازي في المصدر المتقدم.

([57]) المنتهى: 2/732.

([58]) وسائل الشيعة: كتاب الحج، أبواب رمي جمرة العقبة، باب 1، ح1.

([59]) الجمرات بين الماضي والحاضر لسماحة الشيخ ناصر مكارم الشيرازي (دام ظله).

([60]) وسائل الشيعة: كتاب الحج، أبواب رمي جمرة العقبة، باب 6، ح1.

([61]) وسائل الشيعة: كتاب الحج، أبواب رمي جمرة العقبة، باب 3، ح1.

([62]) وسائل الشيعة: كتاب الحج، أبواب رمي جمرة العقبة، باب 4، ح1.

([63]) مدارك الأحكام: 8/9.

([64]) مستدرك الوسائل: كتاب الحج، أبواب رمي جمرة العقبة، باب 6، ح1.

([65]) وسائل الشيعة: كتاب الحج، أبواب رمي جمرة العقبة، باب 7، ح1.

([66]) تعاليق مبسوطة: 10/491.

([67]) الأعلام للزركلي: 6/252.

([68]) مهذب الأحكام: 14/256، طبعة النجف.

([69]) وسائل الشيعة: كتاب الحج، أبواب العود إلى منى، باب 4، ح6.

([70]) مهذب الأحكام: 14/256، طبعة النجف.

([71]) و(2) و(3) وسائل الشيعة: كتاب الحج، أبواب العود إلى منى، باب4، ح4،3،7.

(4) تعاليق مبسوطة: 10/491-492.

(5) تعاليق مبسوطة: 10/491.

([74]) جواهر الكلام: 19/105.

[ عدد الزيارات: ]