بحوث استدلالية في مسائل خلافية
الجزء الاول
مقدمة فيها موعظة وتذكير
أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على أشرف الخلق المبعوث رحمة للعالمين محمدٍ وآله الطيبين الطاهرين.
موضوع بحثنا الاستدلالي هي المسائل الخلافية ولا نعني بها مطلق المسائل التي تعددت فيها آراء الفقهاء واختلفت لأن ذلك يعني استغراق أبواب الفقه كلها إذ لا توجد مسائل تحقق فيها إجماع مطبق إلا في الضروريات حتى في مسألة تقديم ابن العم على العم الأبي في الميراث التي ادعي فيها الإجماع والإطباق في الآراء فسميت (المسألة الإجماعية) يوجد من يخالف فيها كسيدنا الأستاذ الشهيد الصدر (قدس سره).
وإنما نريد بالمسائل الخلافية تلك المسائل التي أصبحت ساحة لسجال علمي عميق ودقيق بين الفقهاء وهي معدودة ويشار لها بالبنان في كتب الفقه. ومثلها تُعجّل في صقل المواهب وتختصر الطريق لأن العمر أقصر من استيفاء الخوض في كل المسائل.
على أننا سنلاحظ في المسائل المختارة حيثيات أخرى فقد تكون ابتلائية كَثُر السؤال عنها كمسألة من طُلقت طلاقاً غير صحيح في المحاكم الرسمية وتزوجت آخر أو يستفاد منها في علاج مشكلة اجتماعية او اقتصادية او سياسية أو أنها تتضمن بحوثاً من العلوم الأكاديمية العصرية للتأكيد على أهمية توظيف هذه العلوم في عملية الاستنباط الفقهي والذي تترتب عليه ثمرات عديدة أشرنا إليها في مقدمة كتابنا (الرياضيات للفقيه).
كما أن إشاعة هذه الثقافة التي هي جزء من ثقافة الحوار وفهم حجج الآخر مهما كان الموقف منها تساهم في التقارب وإزالة التشنج إذا تم التعامل مع الآراء بموضوعية وإنصاف لأنها ستكسر حواجز الانغلاق والتعصب. وستجد العذر والدليل لمواقف الآخرين مما يخفف الاحتقان تجاههم وفي ضوء هذا نعلم القيمة الكبرى لمثل كتاب (الخلاف) للشيخ الطوسي (قدس سره) الذي يمثل مدرسة علمية منفتحة ومنصفة وموضوعية.
ولإثراء البحث الاستدلالي باعتبار أن هذا النمط منه لا يكتفي بالتعامل مع الدليل وإنما يتوسع ليشمل وجهات النظر المعروضة من قبل الأساطين ويقارن بينها بعد تحليلها وتقييمها ومعرفة أسباب اختلاف الفقهاء ومناشئ أقوالهم وسينمي تلاقحاً فكرياً عميقاً. وسيعطي قدرة أكبر وصورة اوضح لاختيار الرأي الأصوب.
وجرياً على سيرة سلفنا الصالح -وهو أيضاً مقتضى الحركة العلمية المتنامية- أن نركز في النقاش مع اساتذتنا وجملة استفاداتي في الفقه والأصول من ثلاثة حيث حضرت عند كل واحد منهم حوالي (4-5) سنوات وهم سيدنا الأستاذ الشهيد محمد الصدر (قدس سره) والسيد الاستاذ سماحة السيد السيستاني وشيخنا الأستاذ محمد اسحاق الفياض (أدام الله ظلهما الشريف) كما استفدت مدة عامين من بحث الأستاذ الشهيد الميرزا علي الغروي (قدس سره).
ونتوسع بالنقاش الى من عاصرناهم لكن لم نحضر عندهم وعمدتهم السيد محسن الحكيم والسيد أبو القاسم الخوئي والسيد الشهيد الصدر الأول (قدس الله أسرارهم أجمعين).
ولا يفوتني هنا أن أعظ نفسي بما نُقل عن المرحوم الشيخ الأنصاري (قدس سره) أنه دخل المسجد يوماً فوجد أستاذاً يدرّس كتابه المكاسب وهو يشرح المطالب بعيداً عن مراد مؤلفه الانصاري فجلس ناحية يبكي ولما سُئل عن السبب أجاب ان هذا الأستاذ إنما ناقش مطالبي بسبب أنه لم يفهم مرادي ولعلّي أنا حينما ناقشت الفقهاء العظام لم أكن أفهم مرادهم فتكون إساءة بحقهم.
أقول: ولكن عذري أمام الله تعالى وأمام فقهائنا العظام أنني أردت أن استفيد منهم واستنطق علمهم وأوصل ذلك كله الى الفضلاء من طلبة العلم ليستفيدوا وليرتقوا في مراتب العلم وليواصلوا حمل الأمانة التي تفضّل علينا الله تبارك وتعالى بها وهي نشر فقه أهل البيت (سلام الله عليهم) وعلومهم ومعارفهم وإن في هذا إدخالاً للسرور على النبي وآله (صلى الله عليهم أجمعين) فقد ورد عنهم (عليهم السلام) (أحيوا أمرنا رحم الله من أحيا أمرنا) ولتبقى الحوزة العلمية الشريفة منجبة للفقهاء الذين يقول الإمام الباقر (عليه السلام) لأحدهم وهو أبان بن تغلب (إجلس في مسجد الميدنة وأفتِ الناس فإني أحب أن يُرى في شيعتي مثلك)([1]) وبالمقابل فقد كان يحزن الأئمة (سلام الله عليهم أجمعين) لموت العلماء وتعطيل حلقات العلم فلما مات أبان بن تغلب قال الإمام الصادق (عليه السلام) (أما والله لقد أوجع قلبي موت أبان) وكان اذا قدم المدينة تقوضت اليه الحلَق وأُخليت له سارية النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)([2]) وورد عن الإمام الصادق (عليه السلام) في عدد من كبار الفقهاء من أصحابه (بشّر المخبتين بالجنة: بريد بن معاوية العجلي، وأبا بصير ليث بن البختري المرادي ومحمد بن مسلم وزرارة أربعة نجباء امناء الله على حلاله وحرامه لولا هؤلاء انقطعت آثار النبوة واندرست)([3]) وقال (عليه السلام) فيهم (هم أحبُّ الناس اليّ أحياءاً وأمواتاً)([4]) وورد عن جدهم رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) أنه قال: (من حفظَ من أمتي أربعين حديثاً مما يحتاجون اليه من أمر دينهم بعثه الله يوم القيامة فقيها عالماً)([5]) ويريدون عليهم السلام بالحفظ حفظ الدراية والوعي وعدم الاقتصار على حفظ الرواية.
فتذكروا عظيم نعمة الله عليكم إذ يسّر لكم هذا السبيل وزيّنه لكم ووفقكم الله بلطفه وتذكروا أن الفقيه حينما يبلغ درجة الاجتهاد ويصبح قادراً على وممارسة الاستدلال الفقهي والتعاطي مع نصوص القرآن الكريم وأقوال المعصومين (عليهم السلام) فإنه يتلقى الأحكام من المعصوم (عليهم السلام) مباشرةً من خلال النص الذي يتعامل معه بعد أن يطمئن الى صدوره من المعصوم (عليه السلام) في حين كان قبل ذلك يتلقى الاحكام من الفقهاء ويعمل برؤيتهم وهم مهما بلغوا من جلالة القدر لا يرقون الى درجة المعصوم وهذا التلقي المباشر من المعصوم شرف ما بعده شرف.
نسأل الله تعالى
أن يجعلنا من حفظة دينه
وناشري الهداية والدعاة الى الله والأدلاء على طاعته
حتى يحشرنا مع الأنبياء والأئمة والصالحين وحسُنَ أولئك رفيقاً.
إلفات نظر
ضم هذا المجلد بفضل الله تبارك وتعالى مجموع المحاضرات التي ألقيت خلال الفترة من 2 شعبان 1427 (الموافق 27/8/2006) حتى 27 ربيع الأول 1428 (الموافق 16/4/2007) وقد كتبت البحوث في فترات متفرقة كتب تاريخ بعضها في ذيلها لنكتة معينة وهو يشير الى تاريخ كتابة أصل البحث ثم أجري عليه تنقيحٌ بدرجة ما عند إعداده للإلقاء في البحث وبعض هذه الأصول مطبوع سابقاً.
وقد جعلت عنوانه (المسائل الخلافية) لا (الفقه المقارن) الذي هو أليق بالمصطلحات المعاصرة لما قيل من أن الثاني يقتصر على سرد الآراء المختلفة والاكتفاء بعرضها دون الاستدلال عليها والحكم بترجيح بعضها الذي يتكفل به الأول والتعريف محل خلاف (وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ اللّهِ لَوَجَدُواْ فِيهِ اخْتِلاَفاً كَثِيراً) (النساء : 82).

بسم الله الرحمن الرحيم
الاصل في صلاة المسافر القصر في الرباعيات وقد دلّت عليه روايات كثيرة([6])وحددت شروطه وتفاصيله وقد استثنيت عناوين من هذا الوجوب كالمسافر سفر معصية ومن كانت بيوتهم معهم كأهل البوادي الذين لا مسكن لهم بل يدورون في البراري وينزلون في محل العشب والماء ولا يختص بسكان البوادي التعليل بل إنه يشملهم حتى لو كانوا يسكنون في بعض تنقلاتهم المدن للتسوق ونحوه كالغجر الذين يعبرون من مدينة الى مدينة ومن دولة الى دولة فصلاتهم تمام في كل حركتهم هذه -لا غيرها- لانهم ليسوا في سفر حقيقة فهم خارجون موضوعاً.
ولسنا بصدد البحث فيهما وإنما يهمنا عنوان محدد وهو من كان السفر عملاً لهم ولكن لتداخل العنوان الثاني (من كانت بيوتهم معهم) مع المقصود (من كان عملهم السفر) في كلمات الاصحاب فسنشير اليهما معاً بإذن الله تعالى.
فوردت في الأول موثقة اسحاق بن عمار (قال: سألته عن الملاحين والاعراب هل عليهم تقصير ؟ قال: لا بيوتهم معهم)([7]) ولا يضرها الاضمار لجلالة قدر اسحاق فلا ينقل إلا قول المعصوم (عليه السلام)، ومرسلة الجعفري عمن ذكره عن ابي عبد الله (عليه السلام) قال (الاعراب لا يقصرون وذلك أنَّ منازلهم معهم)([8]).
ووردت في الثاني طوائف من الروايات يأتي تصنيفها باذن الله تعالى منها صحيحة زرارة قال: (قال ابو جعفر (عليه السلام): اربعة قد يجب عليهم التمام في سفر كانوا او حضر: المكاري والكريّ والراعي والاشتقان لانه عملهم)([9]).
ورواه الصدوق في الخصال عن حماد بن عيسى الا انه ترك لفظ قد، قال السيد الخوئي (قدس سره) (ولعله الاصح) وربما كان السبب ما يعرف من ان (قد) اذا دخلت على الفعل المضارع فانها تفيد التقليل والمورد ليس كذلك لكن (قد) هنا تفيد التحقيق كقوله تعالى (قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الَّذِينَ يَتَسَلَّلُونَ مِنْكُمْ لِوَاذًا) النور : 63.
والمكاري، هو الذي يكري دابته للسفر، واما الكري،، فهو الذي يكري نفسه للخدمة في السفر اما لشخص المكاري لاجل إصلاح دابته ونحوها كالذي يسمى في عرف اليوم (الصانع) لسائق السيارة او لسائر المسافرين للقيام بحوائجهم في الطرق.
واما الاشتقان فقد فسرّه الصدوق بالبريد (ونقله عنه في الوسائل باب11، ح3) وقال عنه السيد الخوئي (قدس سره) ولم يعرف له وجه وان ورد ذلك في مرفوعة ابن ابي عمير عن ابي عبد الله (عليه السلام) (قال: خمسة يتمون في سفر كانوا او حضر: المكاري والكري والاشتقان وهو البريد والراعي والملاح لانه عملهم)([10]) اذ مضافاً الى ضعف السند لم يتضح كون التفسير من الامام (عليه السلام) لجواز كونه تكملة من الصدوق نفسه لا منه (عليه السلام) ولا من ابن ابي عمير والظاهر ان الكلمة غير عربية كما ذكره الشهيد وأنها معرب (اشت بان) (أي امير البيادر)([11]).
أقول: من البعيد ان لا يعرف الشيخ الصدوق ابن البلاد الفارسية والمدفون فيها والمقارب عصره لعصر صدور النص أصل هذه الكلمة - ان كانت معرّبة عن الفارسية- لذا فان بعضهم وهو من اهل المعرفة باللغة الفارسية ذكر لذلك وجهاً جامعاً فقال: (الاشتقان) معرب (دشتبان) الذي يرتبط بالصحراء مثل المربوط بالبيادر ينتقل من بيدر الى بيدر ومثله كل من يلاحظ الصحراء لاجل امر ولو كان بريداً وإن كان اطلاقه على مثل البريد إنما يكون بعناية)([12])، فالكلمة تتضمن معنى المراقبة والمتابعة والملاحظة ومنهم خفر الحدود مثلاً.
وعلى أي حال فنحن غير محتاجين لمعرفة معنى الكلمة بعد أن ذكر الامام (عليه السلام) العلة فيمكن التمسك بعموم التعليل لادخال امير البيادر والبريد فيه.
ووردت روايات أخرى تذكرهم بعناوينهم من دون التعليل السابق لكنها قيدتهم بالاوصاف كصحيحة هشام بن الحكم عن ابي عبد الله (عليه السلام) قال (المكاري والجمّال الذي يختلف وليس له مقام يتم الصلاة ويصوم شهر رمضان)([13])
وطائفة ذكرت مجرد العناوين كمعتبرة اسماعيل بن ابي زياد وموثقة السكوني عن الامام الصادق (عليه السلام) عن ابيه الباقر (عليه السلام) (سبعة لا يقصرون الصلاة: الجابي الذي يدور في جبايته، والامير الذي يدور في امارته، والتاجر الذي يدور في تجارته من سوق الى سوق، والراعي، والبدوي الذي يطلب مواضع القطر ومنبت الشجر ... الى آخر الحديث)([14]) وصحيحة محمد بن مسلم عن احدهما (عليهما السلام) قال (ليس على الملاحين في سفينتهم تقصير ولا على المكاري والجمال)([15]).
ولدى قراءة الروايات تظهر لنا عدة ملاحظات:
الأولى: ذكر السيد الحكيم (قدس سرة) ان (المعروف عندهم إرجاع هذا الشرط -من كانت بيوتهم معهم- وما بعده -من كان عملهم السفر- الى شرط واحد، وان اختلفت عبارتهم عنه، فعبر المعظم بأن لا يكون سفره اكثر من حضره، ومنهم صاحب الشرائع، وآخر: بأن لا يكون كثير السفر، وثالث: بان لا يكون السفر عملا له، ورابع: بأن لا يكون ممن يلزمه الاتمام في السفر، وخامس: بأن لا يكون سفره في حكم حضره، وسادس: اقتصر على العناوين الموجودة في النصوص) ثم قال (وما ذكره المصنف (رحمه الله) -تبعاً لجماعة- اولى، لاختلاف الشرطين مفهوماً، مع تضمن النصوص لكل منهما بخصوصه)([16]) ونبه الى هذه الملاحظة السيد الخوئي (قدس سره) أيضاً([17]).
ومن قبلهما صاحب الجواهر (قدس سره) تعليقاً على عبارة المحقق الحلي (قدس سره) المتقدمة في الشرائع فقال([18]): (وكيف كان فمما ذكرنا يظهر لك ان عنوان هذا الشرط بذلك أي اتخاذ السفر عملاً كما هو المستفاد من مجموع النصوص اولى مما في المتن وغيره من انه ان لا يكون سفره اكثر من حضره إذ هو –مع خلو النصوص عنه وإجمال المراد بالاكثرية بل هي على بعض الوجوه غير معتبرة قطعاً- يقتضي وجوب التمام على من اتفق اكثرية سفره على حضره وان لم يكن عملاً له ولا دليل عليه) ولذلك عدل عنها المحقق الحلي (قدس سره) في المعتبر حيث قال: (والاولى ان يقال: ان لا يكون ممن يلزمه الاتمام في سفره)([19]) وهي لا تقل اشكالاً عن سابقتها فان العاصي بسفره يدخل فيما ذكره مع انه غير مراد.
فالصحيح ما قالوه من الالتزام بمفاد النصوص خصوصاً وانهم رتبوا آثاراً على الملاكات التي استنبطوها كعنوان (كثير السفر) الذي فرّع عليه سيدنا الاستاذ الشهيد الصدر (قدس سره) عدة مسائل رغم انه عنوان منتزع ومستنبط لا وجود له في النصوص، الا ان يقال انه عرف بتنقيح المناط لكنه مردود كبروياً وصغروياً، اما كبروياً، فلعدم حجية هذا الدليل كالقياس واما صغروياً، فلأن النصوص ذكرت مناط الحكم وهو ان عملهم السفر فلا مجال لتنقيح المناط وبين عنواني (عمله السفر، كثير السفر) عموم من وجه، إذ قد يكثر السفر للزيارة او السياحة ونحوها من غير ان يتخذه عملا له، وربما يكون عملاً له قبل صدق كثر السفر عليه -كما سيأتي مثاله باذن الله تعالى- وقد يجتمعان كما هو الغالب، فلا عبرة بكثرة السفر لوحده ما لم يكن عملاً التزاماً بالنصوص.
ومع ذلك فقد قال سيدنا الاستاذ الشهيد الصدر (قدس سره) في تعداده لشروط القصر الى ان قال (ان لا يتخذ السفر عملا له) ثم ذكر العناوين المحتملة لهذا الشرط فقال: الرابع: ان يكون كثير السفر باختياره كالتنزه والزيارة والظاهر هو الاتمام ايضاً، اذا كانت المقاصد عقلائية او دينية، لكن يشترط صدق الكثرة عرفاً كثلاث سفرات في الاسبوع على الاقل، فان لم تكن المقاصد صحيحة عقلائياً او دينياً كالتنزه المستمر ونحو ذلك فانه لا يتم من هذه الجهة)([20])، وقال (قدس سره) (اذا لم يتخذ السفر عملاً وحرفة ولكن كان له غرض في تكرر السفر بلا فترة مثل ان يسافر كل يوم من البلد للتنزه أو لعلاج مرض، أو لزيارة إمام أو نحو ذلك مما لا يكون فيه السفر حرفة ومهنة، فإن كان الغرض عقلائياً أو دينياً في كل هذه السفرات وتكرر منه السفر في الاسبوع ثلاث مرات أو اكثر، كان كثير السفر عرفاً ووجب عليه التمام)([21]) .
وما يمكن ان يقال في تبرير الدمج بين العنوانين امران:
1- اتحاد بعض المصاديق كالملاحين في السفينة فانهم تارة يتخذون بيوتهم في سفنهم ويجهزونها باحتياجات المعيشة ويصطحبون عائلاتهم فيكونون من اهل العنوان الاول وتارة يكون عملهم الملاحة في السفن ولهم منازلهم الخاصة على الارض ويؤيده ورود الملاح في كلا العنوانين.
ففي صحيحة محمد بن مسلم عن احدهما (عليهما السلام) قال (ليس على الملاحين في سفينتهم تقصير، ولا على المكاري والجمال)([22]) وفي مرفوعة الجعفري عن ابي عبد الله (عليه السلام) قال (كل من سافر فعليه التقصير والافطار غير الملاح فانه في بيت وهو يتردّد حيث يشاء)([23]).
وفي حديث الامام الرضا (عليه السلام) لابي الصلت الهروي عن رجل انه (قام يسألني عن الملاح يقصر في السفينة. فقلت: لا، لان السفينة بمنزلة بيته، ليس بخارج منها)([24]).
2- امكان ادخال (من بيوتهم معهم) في (من عملهم السفر) لانهم كذلك خارجاً باعتبار تنقّلهم المستمر مع اختلاف مدة المكث بين التنقلات.
لكن كلاً من الوجهين غير تام فان ورود الملاحين في كلا العنوانين تابع لاختلاف اللحاظ فان الملاح في السفن الكبيرة والمستعملة للاسفار الطويلة يتخذ بيته فيها ويصطحب عائلته وتجهزّها بما يحتاج بيت الاسرة فهو حينئذٍ ممن بيوتهم معهم، وقد لا يكون الملاح كذلك وإنما يكون عمله فقط في الملاحة ويعود إلى أهله عند انتهاء كل سفرة فيكون ممن عمله السفر.
واما الثاني: فلأن الاعتبار والمعنى اللغوي لا يساعد عليه لأن من كان بيته معه فانه لا يصدق عليه السفر فهو خارج موضوعاً واشتراط عدمه لقصر الصلاة من باب تحقق الموضوع لا الحكم خلافاً لغيره من الشروط، اما الآخر فانه فعلاً وهو عمله.
الثانية: يوجد خلاف بين الفقهاء في اعتبار تكرّر السفر كشرط للصلاة التمام فاشترط بعضهم المرتين وبعضهم الثلاث واكتفى آخرون بالمرة ما دام عنوان (عمله السفر) صادقاً عليه عرفاً، وقد استدل من اعتبر التعدد باكثر من وجه:
الوجه الأول: ورود معنى الاختلاف والتردد في بعض الروايات وهو يستلزم التعدد ولتنقيح هذا الوجه نقول: إن من يتمون الصلاة في السفر في مسألتنا تعلق بهم الحكم بحسب ما تفيده الروايات الشريفة على اشكال ثلاثة:
1- ما علق الحكم فيها على عناوين خاصة كالمكاري والجمال والملاح ونحوها كصحيحة محمد بن مسلم عن أحدهما (عليهما السلام) قال (ليس على الملاحين في سفينتهم تقصير ولا على المكاري والجمال)([25]).
2- ما دلت على ذلك بعناية كون السفر عملا لهم كصحيحة زرارة قال (قال ابو جعفر (عليه السلام): اربعة قد يجب عليهم التمام في سفر كانوا أو حضر: المكاري والكرّي والراعي والاشتقان لانه عملهم)([26]).
3- ما دلت على عنوان الاختلاف وعدم وجود مقام لهم كصحيحة هشام بن الحكم عن ابي عبد الله (عليه السلام) قال (المكاري والجمال الذي يختلف وليس له مقام يتم الصلاة ويصوم شهر رمضان)([27]).
ولو كنا نحن والشكل الاول لحكمنا بالتمام متى تحققت ذوات العناوين وإن لم يصدق على المتلبس بها كونها عملاً له، كمن كانت له سيارة يستعملها في حوائجه الشخصية فصادف ان شاهد كثرة الزوار مثلا وارتفاع اجرة السفر فأجر سيارته في تلك السفرة فانه قد يُطلق عليه المكاري في هذه الحالة وإن لم يكن ذلك عملاً له.
الا ان الطائفة الثانية خصّت هذه العناوين بمن كان السفر عملاً له فيدور الحكم مدار صدق هذا العنوان الذي ربما يتفق بسفرة واحدة خصوصاً اذا كانت طويلة، بل قد يتفق في اثناء السفر امتهانه لهذا العمل كما لو سافر الى مدينة تباع فيها السيارات باسعار مناسبة فاشترى سيارة وتكسّب بتأجيرها.
الا ان الطائفة الثالثة اعتبرت عنوان الاختلاف المتقوم بالتكرّر مع البناء على الاستمرار على ذلك كما هو واضح.
وفي ضوء هذا قد يفكر البعض بإضافة قيد آخر وهو تكرار السفرة لصدق عنوان أن عمله السفر المتقوم بالاختلاف والتردد، وقد نقل السيد الخوئي (قدس سره) عن الشهيد الثاني احتماله التكرار إلى ثلاث سفرات فلا يتم قبلها كما لا يقصّر بعدها، وعن العلامة في المختلف اختياره اعتبار السفرتين([28]).
ولكن هذا غير صحيح لوجهين:
أولهما: ابتناؤه على ان يكون للوصف -وهو التقييد بالاختلاف- مفهوم والصحيح عدمه فلا يدلُّ على أنّ غير هذا المورد غير محكوم بهذا الحكم ليتنافى مع ما سبق.
وقد ذكر السيد الخوئي (قدس سره) هنا فائدة اصولية يحسن ذكرها، قال (قدس سره) (نعم ذكرنا في الاصول ان له مفهوما بمعنى آخر وهو الدلالة على عدم تعلق الحكم بالطبيعي على إطلاقه وسريانه وإلا لاصبح التقييد بالوصف لغواً محضاً، وأما ان الحكم خاص بهذا المورد ومنفي عما عداه كما هو معنى المفهوم اصطلاحاً فكلا، فغايته ان طبيعي المكاري غير محكوم بالتمام لا انه خاص بمن يختلف، ومن الجائز ثبوته لغير هذا الفرد كمن كان شغله السفر وان لم يختلف، فلا معارضة بين الطائفتين بوجه)([29]).
ثانيهما: ان قيد (يختلف وليس له مقام) توضيحي لبيان طبيعة عمل المكاري من دون التقييد به نظير قوله تعالى (وَرَبَائِبُكُمُ اللاتِي فِي حُجُورِكُمْ) باعتبار الغالب من دون ان يكون (فِي حُجُورِكُمْ) قيداً في الحكم.
الوجه الثاني: مكاتبة ابن جزك قال: كتبت إلى ابي الحسن الثالث (عليه السلام) إن لي جمالاً ولي قوّاماً عليها ولست اخرج فيها في طريق مكة لرغبتي في الحج أو في الندرة إلى بعض المواضع، فما يجب عليَّ اذا انا خرجت معهم ان اعمل، أيجب عليَّ التقصير في الصلاة والصيام في السفر أو التمام ؟ فوقّع (عليه السلام): اذا كنت لا تلزمها ولا تخرج معها في كل سفر الا في طريق مكة فعليك القصر والافطار)([30]) وقد فهم المستدل ان عدم التمام لعدم تكرر السفر وهو ليس بصحيح لان عدم التمام كون السفر ليس عملاً له فهي اجنبية عن المقام كما سيأتي باذن الله تعالى في الفروع الملحقة وانما نحن الآن بصدد قراءة الروايات.
الوجه الثالث: تقوّم عنوان (من عمله السفر) بذلك فلا يصدق ان عمله السفر اذا لم يتعدد وهو مردود لعدم استلزام الصدق العرفي ذلك.
فالمناط ما ذكرناه من صدق عنوان (عمله السفر) عرفاً وهو ما عبّر عنه صاحب العروة الوثقى (قدس سره) بقوله (والمدار على صدق اتخاذ السفر عملاً له عرفاً ولو كان في سفرة واحدة لطولها وتكرّر ذلك منه من مكان غير بلده إلى مكان آخر، فلا يعتبر تحقق الكثرة بتعدد السفر ثلاث مرات أو مرتين، فمع الصدق في اثناء السفر الواحد ايضاً يلحق الحكم وهو وجوب الاتمام، نعم، اذا لم يتحقق الصدق الا بالتعدد يعتبر ذلك).
وستأتي في ثنايا البحث تفاصيل واضافات أخرى.
الثالثة: ان العناوين المذكورة في النصوص ليست متحدة في كون عملها السفر (فبعضها) كذلك كالمكاري والسائق، وبعضهم يكون السفر مقدمة لعملهم كأمين البيدر او التاجر الذي يدور في تجارته من سوق الى سوق او الراعي والبدوي الذي يطلب مواضع القطر ومنبت الشجر وحكمهم التمام بمقتضى النصوص بلا اشكال.
وما نريد ان نتوصل اليه هو امكان تعميم الحكم الى كل من كان له عمل خاص وكان السفر مقدمة له كالموظف والطالب الجامعي وطالب العلوم الدينية والمدرس وغيرهم ممن يكون عملهم في مدينة تبعد عن محل سكناهم المسافة الشرعية حيث يذهبون يومياً او اسبوعياً او غيرها الى محل عملهم ويعودون الى اهلهم في مقابل من يقول بالاقتصار على مورد النص وهي العناوين الخاصة المذكورة ويضّم اليهم من كان عمله السفر ممن لم يذكر ضمن العناوين ولكنه مشمول بالتعليل كالسائق.
والصحيح هو التعميم وشمول من كان السفر مقدمة لعملهم لوجهين مرتبطين ببعضها:
1- تضمن نفس النصوص عناوين ليس عملها السفر وانما السفر مقدمة لعملهم او ان عملهم في السفر كالراعي فإن عمله الرعي وطلب الماء والعشب للغنم ومكانه -غالباً لا سيما في القرى- معين على ما قيل فيذهب كل يوم الى ذلك المكان لاجل رعي غنمه، كما يذهب الطبيب او المعلم الى بلد خاص لطبابته ودراسته.
وكذلك الاشتقان على ما تقدم من تفسيره بأمير البيادر المسؤول عن حفظها ورعايتها أو مراقب الصحراء للبريد أو حماية الحدود ونحوها.
2- صدق التعليل الوارد في النص عليهم عرفاً أي قوله (عليه السلام) (لانه عملهم) فمثلاً لا يبعد ان يقال عرفاً للموظف الذي يسافر يومياً الى دائرته او الطالب الى جامعته من دون ان يتوطن محل عمله كما سيأتي ان شاء الله تعالى: ان السفر عمل له والشاهد على ذلك جمع الامام لكل هذه العناوين بتعليلٍ واحد في نهاية الحديث.
قواطع الحكم بالتمام لمن عمله السفر
يستفاد من النصوص قطع حكم التمام في حالتين:
الأولى: ما إذا جدَّ في سفره وقد فُسِّر بأن يجعل المنزلين منزلاً واحداً وقد وردت في المسألة روايات كثيرة فيها صحاح كصحيحة محمد بن مسلم عن احدهما (عليهما السلام) قال: (المكاري والجمال اذا جدَّ بهما السير فليقّصروا)([31]) وصحيحة الفضل بن عبد الملك قال (سألت ابا عبد الله (عليه السلام) عن المكارين الذين يختلفون، فقال: اذا جدّوا السير فليقصّروا)([32])، وصحيحة علي بن جعفر عن اخيه قال: سألته عن المكارين الذين يختلفون الى النيل هل عليهم إتمام الصلاة ؟ قال: اذا كان مختلفهم فليصوموا وليتموا الصلاة، الا ان يجدَّ بهم السير فليفطروا وليقصروا)([33]).
وقد اهمل صاحب العروة الوثقى ككثير غيره العمل بظاهر هذه الروايات وحكم بوجوب القصر قائلاً (وكذا -أي في وجوب إتمام الصلاة في السفر- لا فرق بين من جدَّ في سفره بأن جعل المنزلين منزلاً واحداً وبين من لم يكن كذلك)([34]).
قال السيد الخوئي (قدس سره) (ولكن الظاهر انه لا سبيل للأخذ بهذه النصوص رغم صحة اسانيدها لمهجوريتها عند الاصحاب وعدم العامل بها الى زمن صاحب المدارك والمعالم وبعدهما المحقق الكاشاني، وصاحب الحدائق، حتى ان الكليني لم يعتنِ بها ولم يذكر شيئاً منها، بل اشار اليها بقوله: وفي رواية ان المكاري اذا جدَّ به السير ... الخ المشعر بالتمريض والتوقف وانها موهونة عنده، وإلا لكان عليه ان يذكرها ولا سيما مع صحة اسانيدها فيُفهم من التعبير عدم اعتنائه بشأنها)([35]).
وقد استدل (قدس سره) لمختاره من عدم الاخذ بظاهرها بنمط من الاستدلال استفاد منه في موارد كثيرة فقال (قدس سره) (هذا والمسألة كثيرة الدوران ومحل للابتلاء غالباً حتى ان بعض اصحاب الائمة (عليهم السلام) كان شغله ذلك كصفوان الجمال، فلو كان القصر ثابتاً للمكاري المجدّ في السير لاشتهر وبان وشاع وذاع وكان من الواضحات كيف ولا قائل به الى زمان صاحب المدارك كما عرفت، فيستكشف من هذه القرينة العامة التي تكررت الاشارة اليها في مطاوي هذا الشرح وتمسكنا بها في كثير من المقامات عدم ثبوت القصر للمكاري المزبور. اذاً لا بد من رد علم هذه الروايات الى اهله، او حملها على بعض المحامل المتقدمة)([36]).
ونحن لا نلتزم بأن اعراض الاصحاب عن العمل بالرواية الصحيحة يسقطها عن الاعتبار والحجية ألا ان يكون هذا الاعراض مستمراً عبر الاجيال ومتصلاً بزمان المعصومين (عليهم السلام) أو يكون اعراضاً تعبدياً غير مستند إلى اسباب ودواعٍ فيكون كاشفاً عن اعراض المعصومين (عليهم السلام) لو امكن ذلك فلا بد من دراسة دوافع الاعراض وظروفه فقد تكون كافية لاسقاط الحجية وقد تكون غير ذلك كما لو كان مدرك الاعراض عدم وضوح المقصود او عدم انسجامه مع الرأي المشهور يومئذٍ أو هيبة لرأي السلف الصالح بدرجة يصعب الخروج عليه حتى برواية صحيحة ونحوها وهذا كله غير كافٍ.
مضافاً الى انه يجب التفريق بين الاعراض وعدم العمل بالظاهر من اجل شيء من الدوافع التي ذكرناها ومجرد الفتوى على خلاف الظاهر من تلك الروايات لا يدل على اعراضهم عنها بل انه لازم أعم كما لو تركوها لمعارضتها لروايات أخرى أو انهم تمسكوا باطلاق الروايات الدالة على التمام فيمن عمله السفر بل تأوّل الاصحاب وتوجيههم للظاهر دليل على اخذهم بالروايات وليس اعراضهم فليس صحيحا ما قاله من مهجوريتها عند الاصحاب، كيف وقد نقلنا لك توجيه العلامة والشهيد (قدس سرهما).
اما ما ذكره السيد الخوئي (قدس سره) من القرينة العامة فمما يلتزم به عملياً الا ان المورد ليس صغرى له لوجود روايات عديدة نقلنا ثلاثة صحاح وتوجد غيرها تناسب الابتلاء بالمسألة، نعم، الموجود هو عدم العمل بها فعاد المانع الى الاول.
وقد استشكل شيخنا الاستاذ الفياض (دام ظله) على المشهور عدم اخذهم بهذه الروايات واستظهر التفريق بين الحالتين([37]) لكنه لم يذكر معنى مقبولاً لشرط (جد في سفره) فهل اذا كان معدل سير السائق (100كم/ساعة) فسار بسرعة (140كم/الساعة) يقصّر في صلاته أو كان يذهب إلى بغداد بين يوم ويوم فذهب في اليوم المتخلل فهل عليه ان يقصر ولعله لذلك احتاط في النهاية بالجمع بين القصر والتمام وترك الاشارة إلى المسألة في رسالته العملية (منهاج الصالحين، الجزء الاول).
ومن هنا فقد تعددّت محامل الاصحاب لفهم الروايات انسجاماً مع مبانيهم وقد تكلفوا في عدد منها:
فمنها ما عن الشهيد في الروض من الحمل على المكاري أول اشتغاله بالمكاراة فيقصد المسافة قبل تحقق الكثرة (بناءاً على اشتراط تعدد السفر لصدق عنوان من عمله السفر) ولاجله يجهد عليه السير ويتعب.
ومنها: ما عن العلامة (قدس سره) من الحمل على ما لو قصد المكاري إقامة عشرة أيام نظراً الى انه بعد هذه الفترة المستوجبة للاعتياد على الراحة يصعب عليه السير بعدئذٍ، فطبعاً يجدُّ به السير لو بدأ به، ويكون عسراً وشاقاً، فلأجله يقصر، فيكون المراد السفرة الاولى بعد العشرة لاختصاص الجد بها (وهي مبنية على انقطاع حكم المكاراة باقامة عشرة ايام واشتراط تعدد السفر مجدداً لصدق العنوان).
ومنها: ما عن الشيخ والكليني (قدس سرهما) من حمل ذلك على ما اذا اسرع في السير فجعل المنزلين منزلاً فسار سير غير عادي ولاجله وقع في جدٍ وجهد واستحق من الشارع المقدس ان يخفف عنه ويراعي حاله فيوجب تقصير الصلاة بخلاف الذي يسير وفق المتعارف فهو كالمقيم في بيته.
أقول: وحينئذٍ يكون الجد نسبياً وبحسب وسائل النقل المستعملة فمن كان يسافر من النجف الى بغداد يومياً مرة واحدة ذهاباً وإياباً يقصر اذا سافر مرتين وهكذا.
والتقصير انما يكون في الطريق دون المنزل كما هو صريح مرفوعة عمران بن محمد الاتية وظاهر الروايات الاخرى.
وقد استشهد الشيخ (قدس سره) لذلك بامرين:
احدهما: ما رواه في الكافي قال: وفي رواية اخرى المكاري اذا جدَّ به السير فليقصر، قال: ومعنى جدّ به السير جعل المنزلين منزلاً([38]).
ثانيهما: مرفوعة عمران بن محمد عن ابي عبد الله (عليه السلام) قال: الجمال والمكاري اذا جدَّ بهما السير فليقصرا فيما بين المنزلين ويتما في المنزل)([39]).
وفي كلا الامرين ما لا يخفى فان الاول: اجتهاد من الكليني نفسه وليس جزءاً من الرواية فلا شهادة فيه ولم يتضح مستنده في هذا التفسير فان (الجد) لغة بمعنى الشدة، واحد مصاديقها في المقام جعل المنزلين منزلاً، لا انها تختص به، وربما يكون جد السير من اجل الحر او البرد، او كون الطريق وعراً او مخوفاً ونحو ذلك.
والثاني: مضافاً الى ضعف السند من اجل الرفع والارسال وجهالة حميد بن محمد قاصر الدلالة لعدم التعرض لتفسير الجد بجعل المنزلين منزلاً، بل غايته التفصيل بالتقصير فيما بين المنزلين والاتمام في نفس المنزل. وهذا كما ترى اجنبي عما نحن بصدده، ولعله لذلك عمل بظاهرها جماعة من المتأخرين كصاحب المدارك والحدائق والمعالم وغيرهم)([40]). كما ان الشيخ لم يعمل في كتبه الفتوائية وظاهر الكليني توهينها)([41]).
والذي يقوى في الذهن ان معناها ان المكارين الذين دأبوا على السفر الى ما دون المسافة اذا عرضت لهم سفرة خارجة عن المتعارف يقصدون بها المسافة الشرعية او كانت مكاراتهم الى المسافة ولكن استجدت لهم سفرة غير مرتبطة بعملهم الذين كانوا يسافرون فيه كما لو سافروا الى التنزه او زيارة احد ونحوها فحكمهم التقصير ويكون معنى جد السير انشاء هذا السفر الطارئ الابعد من المتعارف.
وتكون الروايات حنيئذً قريبة المعنى من موثقتي اسحاق بن عمار قال (سألت ابا ابراهيم (عليه السلام) عن الذين يكرون الدواب يختلفون كل الايام أعليهم التقصير اذا كانوا في سفر ؟ قال: نعم)([42]) و(قال: سألته عن المكارين الذين يكرون الدواب وقلت: يختلفون كل ايام كلما جاءهم شيء اختلفوا، فقال عليهم التقصير اذا سافروا)([43]).
وهذا معنى قريب من ظاهر النصوص خصوصاً صحيحة علي بن جعفر حيث جعلت السفر في مقابل العمل الذي يختلفون فيه، نعم، الرواية الوحيدة الخارجة عن هذا المعنى مرفوعة عمران بن محمد وهي ساقطة عن الحجية كما تقدم.
وقد نقل السيدان الحكيم والخوئي (قدس سرهما) عن الشهيد في الذكرى هذا المعنى([44]) لكنه ذكر من امثلته الحج وهو غير متصور فان نية الحج لا تعرض بالشكل الذي تقدم وإنما تُنشأ ابتداءاً ومن وقت مبكّر لتحضير المقدمات.
الثانية: قال في العروة الوثقى (يعتبر في استمرار من شغله السفر على التمام ان لا يقيم في بلده او غيره عشرة ايام، والا انقطع حكم عملية السفر وعاد الى القصر، في السفرة الاولى خاصة دون الثانية فضلاً عن الثالثة، وإن كان الاحوط الجمع فيهما، ولا فرق في الحكم المزبور بين المكاري والملاح والساعي وغيرهم ممن عمله السفر، اما اذا اقام أقل من عشرة ايام بقي على التمام، وإن كان الاحوط مع إقامة الخمسة الجمع، ولا فرق في الاقامة في بلده عشرة بين ان تكون منوية او لا بل وكذا في غير بلدة ايضاً، فمجرد البقاء عشرة يوجب العود الى القصر)([45]).
قال في الجواهر: (كما هو المشهور بين الاصحاب شهرة كادت تكون إجماعاً، بل في المدارك وعن غيرها أنه مقطوع به في كلام الاصحاب تارة وأن ظاهر الاصحاب الاتفاق عليه أخرى، بل عن المعتبر نفي الخلاف فيه بينهم بل في شرح المقدس البغدادي انه حكى الاجماع عليه غير واحد، وهو الحجة التي يجب بسببها الخروج عن إطلاق أدلة التمام)([46]) فحكموا بالقصر في السفرة الاولى واختلفوا في الثانية والثالثة بحسب اختلاف مبانيهم، والتزم به السيد الخوئي (قدس سره) فقال (اذا اقام المكاري في بلده عشرة أيام وجب عليه القصر في السفرة الاولى دون الثانية فضلاً عن الثالثة، وكذا اذا اقام في غير بلده عشرة منوية، واما غير المكاري ففي الحاقه بالمكاري اشكال وان كان الاظهر جواز اقتصاره على التمام)([47]).
وقال في وجه ذلك (ان الحكم بالانقطاع باقامة عشرة ايام مما لا ينبغي التأمل فيه لصحيحة عبد الله بن سنان بطريقي الشيخ والصدوق (رضي الله عنهما)([48]).
وهذا الانقطاع في كلامه (قدس سره) يمكن فهمه على عدة وجوه:
1- الانقطاع في حكم وجوب التمام فيكون حكماً تعبدياً مخصصاً لعموم ما دل على التمام.
2- الانقطاع في صندق عنوان (من عمله السفر) باقامة عشرة ايام فيكون مشمولاً بعموم ادلة وجوب القصر على المسافر من باب تطبيق القاعدة وليس حكماً تعبدياً وهو مختار صاحب الجواهر قال: (ومنه يعلم حينئذٍ ان اقامة العشرة تخرجه عن حكم كثير السفر)([49]).
3- انقطاع في صدق عنوان المكاري وصحة سلب العنوان فيكون من التخصص لا التخصيص وهو ما نفاه (قدس سره):
وقد استبعد (قدس سره) في موضع آخر ان يكون هذا من التخصص وإنما هو من التخصيص فقال (قدس سره) (وقد ورد مخصص في خصوص المكاري وانه اذا سافر بعد إقامة عشرة ايام وجب عليه القصر والافطار، فان هذا من التخصيص دون التخصص لوضوح عدم خروج المكاري باقامة العشرة عن كونه مكارياً ولا سيما في الازمنة السابقة التي كانت تطول فيها مدة الاسفار، فكان المكاري يسافر من العراق الى خرسان مدة شهرين تقريباً، وبعد عوده الى بلده يبقى لعله شهراً ثم يأخذ في السفرة الاخرى وهكذا)([50]).
وهذا الحكم منه مناف لما التزم به (قدس سره) من عدم الحاجة الى تكرر السفر لصدق عنوان (ان عمله السفر) فقال (لا يعتبر في وجوب التمام تكرر السفر ثلاث مرات بل يكفي كون السفر عملا له ولو في المرة الاولى)([51]) فلو فرضنا انتفاء عنوان المكاراة عنه بهذه الاقامة او انقطاع حكم التمام عنه فانه بمجرد عودته لمزاولة مهنة المكاراة بانشاء السفر يصبح حكمه التمام بموجب الفتوى المذكورة، هذا غير الثغرات الموجودة في الحكم مثلاً لماذا يقصّر اذا سافر والمفروض انه في سفر (اذا كانت اقامة العشرة في البلد الذي يسافر اليه ولم تكن منوّية) فلماذا لا يقصر وهو في بلد الاقامة خصوصاً اذا تجاوز العشرة وهي الحد المشترط لانتفاء حكم التمام كما هو المدعى ؟ وهل هذا الشرط معتبر في الاسفار القريبة والبعيدة على حدٍ سواء مع انحفاظ قصد المسافة الشرعية طبعاً ؟
وعلى أي حال فلو عرض الشرط كقادح في صدق عنوان المكاري على بعض التقادير وليس مطلقاً أو في صدق عنوان (من عمله السفر) لكان له وجه كما قال في مسألة أخرى (الظاهر ان عملية السفر تتوقف على العزم على المزاولة مرة بعد اخرى، وعلى نحو لا تكون له فترة غير معتادة لمن يتخذ ذلك السفر عملا له، فالذي يكري سيارته في كل شهر مرة من النجف الى خراسان ربما يصدق ان عمله السفر، والذي يكري سيارته في كل ليلة جمعة من النجف الى كربلاء لا يصدق ان عمله السفر، فذلك الاختلاف ناشيء من اختلاف انواع السفر)([52]).
ولعل استبعاد الالتزام بهذا الشرط خصوصاً في الاسفار البعيدة في زيارة المعصومين (عليهم السلام) اذ من النادر عدم مكث المكاري في بلده او البلد الذي يسافر اليه عشرة ايام، والتفصيل بين الاسفار البعيدة والقريبة مما لا دليل عليه الا ان يرجع الى ما قلناه من صدق عملية السفر.
اقول: لعل هذا الاستبعاد هو الذي دفع الفقهاء المعاصرين (الشهيدين الصدرين (قدس سرهما) ، السيد السيستاني، الشيخ الفياض (دام ظلهما) الى عدم القول به بدليل عدم ذكره في احكام صلاة المسافر عند بعضهم بل ان الشيخ الفياض منع منه صريحاً فقال (المشهور ان المكاري اذا اقام في بلده عشرة ايام، وجب عليه القصر في السفرة الاولى دون الثانية، وكذلك اذا نوى إقامة عشرة ايام في غير بلده، ولكنه لا يخلو عنم اشكال بل منع، والاظهر التمام وان كان الاحوط والاجدر استحباباً ان يجمع بين القصر والتمام في السفرة الاولى)([53]) وقال في وجهه (لان النصوص التي استدل بها على هذا الحكم قاصرة إما سنداً أو دلالة)([54])، وكذا لم يأخذ بها سيدنا الاستاذ الشهيد الصدر الثاني (قدس سره) فقد قال: (اذا أقام من عمله السفر أو في السفر عشرة ايام في بلدة أو في أي بلد آخر، أتّم اذا خرج بعدئذٍ في عمله ولو لأول مرة)([55]).
وقد استدل المشهور على هذا الحكم بوجوه:
الأول: صحيحة هشام بن الحكم عن ابي عبد الله (عليه السلام) قال (المكاري والجمّال الذي يختلف وليس له مقام يتم الصلاة ويصوم شهر رمضان)([56]) بتقريب([57]) ان الظاهر من المقام المكث عشرة ايام اما لانها المتبادر منه عند الاطلاق في النص والفتوى او لان البناء على اطلاقه يوجب التقصير لكل مكارٍ غالباً، لتحقق الاقامة في الجملة ولو بعض يوم، وذلك مما لا يمكن الالتزام به اما لانه يلزم تخصيص الاكثر وهو قبيح او لانه قام الاجماع على منع التقصير باقامة ما دونها.
وفيه:
1- اننا نمنع هذا التبادر عند الاطلاق فقد يراد من المقام التوطن كما في الآية الشريفة (يَا أَهْلَ يَثْرِبَ لا مُقَامَ لَكُمْ) وسيأتي باذن الله تعالى.
2- ان هذا التقريب مبني على فهم (وليس له مقام) على انه قيد احترازي مضاف لما سبقه والاظهر انه تفسير وبيان لما قبله أي (يختلف) فهي تعرّف المكاري المشمول بحكم التمام انه المزاول لمهنته والمتردد في عمله وليس المقيم فلا يصح الاستدلال بها.
الثاني: مارواه الشيخ باسناده عن يونس عن بعض رجاله عن ابي عبد الله (عليه السلام) قال: (سألته عن حد المكاري الذي يصوم ويتم، قال: ايما مكار أقام في منزله او في البلد الذي يدخله اقل من مقام عشرة ايام وجب عليه الصيام والتمام ابداً، وإن كان مقامه في منزله او في البلد الذي يدخله اكثر من عشرة ايام فعليه التقصير والافطار)([58]).
والعشرة داخله في الشق الثاني بوجهين:
1- انها بمثابة التصريح بالمفهوم المقابل للشق الاول فتكون شاملة للعشرة وما فوقها.
2- ان مثل هذا التعبير في شموله للحد وارد في القرآن الكريم كقوله تعالى (فَإِنْ كُنَّ نِسَاءً فَوْقَ اثْنَتَيْنِ) أي الاثنتان فما زاد وكذا في الروايات وكلمات الفقهاء حينما يذكرون عدم العفو عما زاد عن الدرهم من الدم والمراد به الدرهم فما زاد.
فالرواية تامة الدلالة على المطلوب، لكن سندها قابل للمناقشة من جهتين:
1- ورود اسماعيل بن مرار في سندها وهو مجهول وقد قيل في دفع هذا الاشكال وجهان:
أ- ما ذكره السيد الحكيم (قدس سره)([59]) من ان اسماعيل من رجال نوادر الحكمة لمحمد بن احمد بن يحيى وان هذه الرواية قد رواها الشيخ في التهذيب من كتابه([60])، وقد استثنى ابن الوليد شيخ الصدوق وتبعه القيمون من رجال النوادر جماعة فصرح بعدم العمل برواياتهم([61])، بل قد صرح الصدوق بضعف بعضهم ولم يذكر الرجل في تلك الجماعة، فعدم الاستثناء يكشف عن الاعتماد على رواياته وكفى بذلك مصححاً على حد تعبيره (قدس سره).
وقد رده السيد الخوئي (قدس سره) بقوله (ان العمل بروايات الشخص لا يستلزم منه توثيقه لعدم العلم بمبنى العمل فلعل مستنده كبرى لا نقول بها كالبناء على اصالة العدالة كما هو مسلك العلامة وغيره).
لكن يمكن رده بوجهين:
1 ً- ان الاستثناء لو كان بلحاظ الروايات لتم ما قاله لكن الاستثناء كان للاشخاص فيكون المستفاد توثيق الشخص ولا اقل من العمل برواياته في هذا الكتاب والرواية هذه منقولة منه.
2 ً- ان الاستثناء حتى لو كان بلحاظ الروايات فان هذه الرواية وردت في كتاب النوادر ولم تُستثنى ونحن هنا لسنا بصدد توثيق الراوي وإنما قبول الرواية.
لكن الانصاف ان كلا الوجهين لا ينفعان لان غاية ما يدل عليه عدم الطعن في الرواية من وجهة نظر ابن الوليد وهو غير ملزم لغيره لاختلاف المباني في قبول الروايات وتوثيق الرجال.
ب- ما ذكره السيد الخوئي (قدس سره)([62]) من (ان اسماعيل مذكور في اسانيد علي بن ابراهيم وقد التزم هو في تفسيره -كجعفر بن محمد بن قولويه في كامله- بأن لا يروي الا عن الثقة، فكانت هذه منه شهادة عامة بتوثيق كل من وقع في اسناد التفسير ولا بد من الاخذ به فانه لا يقل عن توثيق مثل النجاشي بل هو اعظم لكون عهده اقرب).
لكن هذه الكبرى غير تامة اذ لا يستفاد منها اكثر من توثيق الرواة المباشرين الذين يروي عنهم او ان الروايات المذكورة موافقة لما عليه الثقات من الاصحاب ولا يدل على توثيق كل رجال الاسناد، قال الحر العاملي في الوسائل: (وقد شهد علي بن ابراهيم ايضاً بثبوت احاديث تفسيره وانها مروية عن الثقات عن الائمة (عليهم السلام) وكذلك جعفر بن محمد بن قولويه فانه صرّح بما هو أبلغ من ذلك في اول مزاره)([63]) يشير بها الى قوله (قدس سره) في مقدمة كتابه (كامل الزيارات) (وقد علمنا أنّا لا نحيط بجميع ما روي عنهم في هذا المعنى ولا في غيره، لكنه ماقع لنا من جهة الثقات من اصحابنا (رحمهم الله برحمته) ولا أخرجت فيه حديثاً روي عن الشذّاذ من الرجال يؤثر ذلك عنهم عن المذكورين غير المعروفين بالرواية المشهورين بالحديث والعلم) فاستفاد المحدث النوري من هذا البيان شهادة بن قولويه بوثاقة مشايخه فقط، وهم الذين صدَّر بهم سند احاديث كتابه دون بقية رجال السند([64]) وقد نقل ان السيد الخوئي (قدس سره) عدل عن هذه الكبرى لاحقاً.
2- من حيث الارسال فان يونس يرويها عن بعض رجاله وهو مجهول، وقد سلّم السيد الخوئي (قدس سره) بهذا الاشكال ولم ينفع في ردّه ان يونس من اصحاب الاجماع الذين اجتمعت العصابة على تصحيح ما يصح عنهم، ونفى ان يكون المراد عدم النظر الى من بعد هؤلاء ممن وقع في السند بحيث يعامل معه معاملة الصحيح وان كان الراوي مجهولاً بل المراد اتفاق الكل على جلالة هؤلاء ووثاقتهم بحيث لم يختلف في ذلك اثنان وبذلك يمتازون عن غير اصحاب الاجماع)([65]).
لكننا كتبنا بحثاً مفصلاً([66]) في هذه النظرية أي مراسيل محمد بن ابي عمير ونظرائه كيونس الذي عدوّه افقه من ابن عمير وان الاصل في هذه الدعوى وهو كلام الشيخ الطوسي في العدة لم يقتصر على الثلاثة محمد بن ابي عمير وصفوان بن يحيى واحمد بن محمد بن ابي نصر وانما قال وغيرهم ونحن وان كنّا لا ندّعي تعميمها إلى كل اصحاب الاجماع لعدم الدليل الا ان تعميمها لمثل يونس ليس بعيداً لما ذكره وكانت النتيجة ان الارسال لا يضر بها من هذه الجهة خصوصاً اذا عبر بمثل ما في المقام بقوله (عن بعض رجاله) فانها تشير الى درجة عالية من الوثاقة ولا يبعد انه عبد الله بن سنان كما في الرواية الآتية لاتحاد السند والموضوع تقريباً اما دقة المضمون فيمكن ان بعض رجال السند نقله في ضوء فهمه لموضوعية العشرة وكونها حداً، نعم، ان هذه المراسيل قابلة للقدح من جهات آخر، أي لو حصلت قرائن على الخلاف هذا فيما لو لم يذكر اسم من يروي عنه يونس وامثاله اما اذا ذكر فلا بد من التحقيق فيه لان ذكر يونس له لعله للخروج من عهدة توثيقه وتحمل مسؤوليته.
فالاشكال في السند ثابت ولا يرقى ما قلناه من الوجوه إلى درجة الاطمئنان.
الثالث: ما رواه الشيخ في التهذيب والصدوق في من لا يحضره الفقيه بالاسناد عن عبد الله بن سنان عن ابي عبد الله (عليه السلام) قال: (المكاري اذا لم يستقر في منزله الا خمسة ايام او اقل قصّر في سفره بالنهار وأتم صلاة الليل وعليه صيام شهر رمضان، فان كان له مقام في البلد الذي يذهب اليه عشرة ايام او أكثر وينصرف الى منزله ويكون له مقام عشرة ايام او اكثر قصر في سفره وافطر)([67]) وروى الشيخ ايضاً بالاسناد عن اسماعيل بن مرار عن يونس بن عبد الرحمن عن عبد الله بن سنان مثله الا انه اسقط قوله (وينصرف الى منزله ويكون له مقام عشرة ايام او اكثر)([68]).
واذا نوقش في اسماعيل بن مرار في سند الرواية الثانية فان طريق الشيخ الصدوق (رحمه الله) الى عبد الله بن سنان صحيح.
وعلق صاحب الوسائل على هذا الحديث بقوله (قد عمل بعض الاصحاب بظاهر حكم الخمسة، واكثرهم حملوا تقصير الصلاة بالنهار على سقوط النوافل وحكموا بالاتمام، ويمكن حمل حكم الخمسة هنا على التقية لموافقته لكثير من العامة) يريد ان يقول ان اكثر الاصحاب اعرضوا عن العمل بظاهر صدور الحديث بالنسبة للخمسة وهو ما سنناقشه لاحقاً باذن الله تعالى ومحل الاستدلال هو النصف الثاني من الرواية أي قوله (عليه السلام) (فان كان له مقام ... الخ).
وقد أضاف هذا الحديث شيئاً جديداً وهو ان قاطعية الاقامة عشرة ايام لحكم التمام لا تختص بالبلد الذي يسافر اليه وانما تتحقق بالاقامة في منزله ايضاً بقوله (عليه السلام) (وينصرف) بناءاً على دلالتها على تنوّع السبب وليس الاتحاد بين جزئيه.
وبقرينة المقابلة بين الصدر والذيل يكون السفر المذكور في الصدر من منزله والسفر المذكور في الذيل من البلد الذي سافر اليه واقام فيه فيقصّر فيه ويفطر.
وفي الحقيقة فان علينا ان نقدم فهماً مقبولا للرواية ويجنبنا الاستبعادات والثغرات التي ذكرناها سابقاً والتي نجملها فيما يلي مع اضافة امور اخرى:
1- التفريق بين صلاة النهار وصلاة الليل فيقصر في الاولى ويتم في الثانية وحملهما على النوافل بمعنى ترك نوافل النهار واداء نوافل الليل كما قال صاحب الوسائل بعيد.
2- التفكيك في الملازمة بين صلاة التمام والصوم فيصلي قصراً في النهار لكنه يصوم. (كما في صدر الرواية) وعاد الى الملازمة بينهما في الذيل من دون تعليل واضح.
3- القصر في السفر اذا اقام في منزله خمسة ايام او اقل الشاملة ليوم او بعض يوم وهو مما لا يلتزم به أحد.
4- ان المكث في المنزل او البلد الذي يسافر اليه عشرة أيام طبيعي جداً في ذلك الزمان خصوصاً في الاسفار البعيدة وتخصيص الحكم بما سوى هؤلاء بعيد لانه تخصيص بالفرد النادر وهو قبيح والتخصص ابعد أي انتفاء عنوان (المكاراة) مطلقاً بالاقامة هذه المدة.
5- ان عنوان (من عمله السفر) يصدق بالعزم على مزاولة المهنة والشروع فيها فلو فرضنا ان حكم التمام او عنوان المكارة انقطع بالاقامة عشرة ايام فانه يعود الى الحكم بمجرد الشروع من جديد فلماذا يقصّر في السفرة الاولى ؟
6- ان اطلاق الروايات يفيد ان إقامة العشرة في البلد الذي يسافر اليه قاطعة لحكم التمام سواء كانت منوية او غير منوية كما التزم به صاحب العروة الوثقى في النص الذي نقلناه وبالغ فيه فقال في العشرة في بلده بلا فرق بين ان تكون منوية أو غير منوية والاقامة في الوطن لا تحتاج إلى نية، واستظهر شيخنا الاستاذ الفياض ان تكون منوية في بلده([69]) وعلى الثاني فانه لا يحتاج الى سفر لكي يقصر لانه في سفر فعلي لذا اشترط بعضهم ان تكون العشرة منوية كما في منهاج الصالحين للسيد الخوئي (قدس سره).
7- اشتراط الاقامة عشرة ايام في المنزل الذي يسافر اليه وعشرة في منزله كشرط واحد لقصر الصلاة بناءاً على فهم الاتحاد والجمع من الواو في (وينصرف) وهو الظاهر ما لم تدل على خلافه قرينة وهي غير موجودة في المقام والمشهور أو الاجماع الذي التزم بذلك ليس بحجة وهذا ما لم يقل به احد، فلا يبقى وجه لما قالوه.
وبتعبير آخر: يقول انه اذا كان دليل المشهور على قاطعية العشرة لحكم التمام صحيحة عبد الله بن سنان فهي تشترط إقامة عشرة في البلد المسافر اليه وعشرة في الوطن وهذا ما لم يلتزم به احد فما هو دليلهم اذن.
أقول: وفي ضوء هذه التساؤلات فاننا لا بد ان نفهم الرواية بالشكل الذي يجنبنا اياها ولا يسعنا ان نطوي عنها كشحا بعد الاعتراف بصحة سندها كما فعل شيخنا الاستاذ الفياض([70]) ولعله (دام ظله) حين وصف الرواية بالضعف لم يلحظ طريقها الاخر الصحيح، وهنا شكلان من الفهم:
الشكل الاول: ان نقول ان العشرة هنا لم تؤخذ من باب الحد أي لا على نحو الموضوعية وإنما على نحو الطريقية لبيان انقطاع حكم المكاري من الاتمام في السفر من خلال انتفاء موضوعه أي عنوان المكاراة أو انتفاء عنوان ان عمله السفر فإن من يستأجر سيارته من النجف الى كربلاء كل ليلة جمعة ويمضي بقية الايام في النجف لا يصدق عليه ان عمله السفر، ومن يؤجر نفسه لخدمة الحجاج في السنة ثلاثة اسابيع او شهر لا يصدق عليه ان عمله السفر، وهكذا فهذه المدد ذكرت بازاء هذا المعنى الذي ربما يلوح من كلمات المحقق الحلي (قدس سره) في الشرائع فانه بعد ان ذكر شروط قصر الصلاة للمسافر ومنها (ان لا يكون سفره اكثر من حضره) قال (قدس سره) (وضابطه ان لا يقيم في بلده عشرة أيام، فلو أقام أحدهم عشرة ثم أنشأ سفراً قصر) فقوله (وضابطه) ظاهر في قدح هذه المدة بصدق العنوان وليست امراً تعبدياً. وقد تقدم تعريف السيد الخوئي (قدس سره) لعملية السفر بانها (تتوقف على العزم على المزاولة مرة بعد اخرى، على نحو لا تكون له فترة غير معتادة لمن يتخذ ذلك السفر عملاً له).
وقد استبعد السيد الخوئي (قدس سره) هذا المعنى فقال (قدس سره): (لوضوح عدم خروج المكاري باقامة العشرة عن كونه مكارياً ولا سيما في الازمنة السابقة التي كانت تطول فيها مدة الاسفار فكان المكاري يسافر من العراق الى خراسان مدة شهرين تقريباً، وبعد عوده الى بلده يبقى لعله شهراً ثم يأخذ في السفرة الاخرى وهكذا).
واستبعاده (قدس سره) مبني على فهم الخروج عن العنوان حقيقة لكن من قاله يقصد الخروج الحكمي التنزيلي بمعنى عدم ترتيب الاثار الشرعية عليه فكأنه بمنزلة من انتفى عنه العنوان، قال استاذه الكبير الشيخ محمد حسين الاصفهاني (قدس سره) (ان الاقامة المذكورة رافعة للموضوع اعتباراً وتنزيلاً ويترتب على كون الاقامة رافعة للموضوع كون المسافر بعد الاقامة كالمبتدئ بالسفر لا بد في اتمامه من سفرتين اوثلاث على الخلاف وهو يتوقف على تنزيل المكاري مع الاقامة منزلة من لم يكن مكارياً نظير تنزيل المقيم في اخبار عرفات منزلة اهل مكة بعنوانه في لسان الاخبار) ولم يستظهره لعدم دلالة الروايات على ازيد من ان المقيم يجب عليه القصر في سفره ويرتفع عنه وجوب التمام مضافاً الى ان ظاهر التعليل بقوله (عليه السلام): (لانه عملهم) ان الكبرى الكلية من كان عمله السفر يتم ولا يزول هذا العنوان الا بالاعراض عن الحرفة لا باقامة العشرة فمع انحفاظ العنوان وقصور دليل الشرطية في غير السفرة الاولى يجب العمل بتلك الكبرى الكلية. لكنه نسبه الى الشيخ الانصاري (قدس سره) فقال: (وعن شيخنا العلامة الانصاري (قدس سره) في بعض تحريراته في صلاة المسافر تقوية رافعية الاقامة للموضوع شرعاً وانه لا بد بعد الاقامة من تحقق سفرتين او ثلاث كالابتداء بدعوى استفادته من صحيحة هشام المتضمنة لقوله (عليه السلام) يختلف وليس له مقام فانه علق وجوب التمام على الاختلاف غير المقرون بالاقامة فاذا تحققت الاقامة فلا يجوز الاتمام)([71]) وقد ناقشناه.
الشكل الثاني: ويتكون من عدة معطيات يمكن استظهارها من الرواية وهي:
1- ان المدد هنا ذكرت للمثال على ما سيأتي ولم يلحظ فيها الحد.
2- إن (المقام) هنا بمعنى التوطن كما ورد في قوله تعالى (وَإِذْ قَالَتْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ يَا أَهْلَ يَثْرِبَ لا مُقَامَ لَكُمْ فَارْجِعُوا) (الاحزاب : من الاية 13).
3- ان المراد بصلاة النهار أي الصلاة التي يؤديها في طريق السفر لان السفر يكون في النهار ويعتبر ما يقطعه المسافر في اليوم مقياساً للمسافة فالمسافة الشرعية للقصر وهي ثمانية فراسخ هي مسيرة يوم، ففي موثقة سماعة (عن المسافر في كم يقصر الصلاة ؟ فقال: في مسيرة يوم وذلك بريدان وهما ثمانية فراسخ)([72]) وصحيح ابي أيوب: (سألته عن التقصير، قال فقال في بريدين او بياض يوم)([73]).
والمراد بصلاة الليل الصلاة التي يؤديها في المنزل الذي يقيم فيه وينهي سفره.
وحينئذ نخرج بنتيجة وهي ان الشخص الذي يكون منزله في بلد وعمله في بلد آخر ويتردد بينهما بغضّ النظر عن مدة مكثه في أي من البلدين حالتان:
الأولى: ان يتوطن ذلك البلد الآخر ويأتي بين فترة واخرى مع قطع النظر عن مقدارها ليتفقد اهله ويرعى مصالحه ويدبّر شؤونه ونحوها كبعض طلبة العلوم الدينية الوافدين على النجف الاشرف ويتخذونها وطناً لهم من دون قطع العلاقة التي ذكرناها ببلدهم الاصلي او كالطالب الجامعي الذي يتخذ من الاقسام الداخلية لجامعته وطناً له بهذا المعنى او كالمهندس المقيم في مشروع معين بعيداً عن وطنه او كالعمال في مصانع او مناجم بعيدة عن حريم المدن.
الثانية: ان لا يتوطن ذلك المكان وانما يبقى يتردد اليه بحكم عمله كالموظف او الاستاذ الجامعي او الطبيب وغيرهم ممن ذكرنا من العناوين في الحالة الاولى ولكن من دون اتخاذ البلد الآخر وطناً له.
فوظيفة الاول الصلاة تماماً في البلد الآخر ويقصر في الطريق لأنه لا يصدق عليه ان عمله السفر باعتباره ليس مسافراً في البلد الآخر وإنما هو متوطن وسفره في قطع المسافة فقط كأي مسافر اعتيادي.
اما الثاني فيتم في البلد الآخر وفي الطريق ذهاباً واياباً لصدق ان عمله السفر.
فالرواية حينما قالت يقصر في سفره بالنهار أي في الطريق لان السفر يكون نهاراً ويتم صلاة الليل أي الفرائض التي يؤديها في المنزل الذي اتخذه وطناً ويصوم رمضان طبعاً في هذا المنزل اما الطريق فله ان يفطر وعليه نحمل الشق الثاني من الرواية.
ولا عبرة حينئذٍ بايام المكث سواء كانت خمسة او عشرة او اكثر او اقل في كلا المنزلين.
ويساعد الاعتبار والعرف على هذا الفهم للرواية لان الاول