الأسوة الحسنة للقادة والمصلحين
(لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيراً)
(الأحزاب : 21)
الاسوة الحسنة
للقادة والمصلحين
دروس في بناء الذات وسياسة الأمة مستفادة من سيرة رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم).
القاها
سماحة آية الله العظمى
الشيخ محمد اليعقوبي
حققت الروايات وأخرجتها لجنة المراجعة والتقييم
في مكتب سماحة آية الله العظمى
الشيخ محمد اليعقوبي (دام ظله الوارف)
ه
ذه مجموعة محاضرات القيت على فضلاء واساتذة الحوزة العلمية في النجف الأشرف في مسجد الرأس الشريف المحاذي لمرقد امير المؤمنين (عليه السلام) وجامعة الصدر الدينية في مناسبات عديدة بين عامي 1421 – 1423 هجرية المصادف 2000 / 2002 ميلادية وأعيد تسجيلها سنة 1426 هـ / 2005 ميلادية لقناة الانوار الفضائية مع تغييرات طفيفة.
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله كما هو أهله، والصلاة والسلام على رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)، السلام على خيرة الله، السلام على البشير النذير السراج المنير ورحمة الله وبركاته، السلام على الطهر الطاهر، السلام على العلم الزاهر، السلام على المنصور المؤيد، السلام على ابي القاسم محمد، ورحمة الله وبركاته؛ السلام على أنبياء الله المرسلين وعباد الله الصالحين، السلام على ملائكة الله الحافِّين بهذا الحرم وبهذا الضريح، اللائذين به.
قلنا في مناسبة سابقة(1): إن أي رسالة إصلاحية ومنها رسالة الإسلام، لا بد لها، لكي تنجح في بناء أمة، من شكلين من المقومات سميناها الذاتية والموضوعية، وقلنا إن الذاتية منها على دعامتين:
الأولى: ما يرجع إلى ذات الرسالة، أعني شريعة الإسلام التي توفرت فيها كل عناصر الكمال من الإستيعاب لكل شيء (مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ)(2) ، ومن خطابها للجميع: (وَهُدىً لِلْعَالَمِينَ)(3) ، ومن خلودها: (حتى يردا علي الحوض يوم القيامة)(4) ، ومن صيانتها من الانحراف والتغيير: (إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ)(5) ، وغيرها مما لا يحتاج إلى بيان، لأنها صنعة الله تبارك وتعالى الذي له الأسماء الحسنى.
الثانية: ما يرجع إلى ذات الرسول، وهو النبي محمد (صلى الله عليه وآله وسلم)، وهو أكمل الخلق، ربّتهُ يد الرعاية الإلهية، لعدم وجود من هو أكمل منه حتى يربيه ويأخذ بيده في مدارج الكمال، وعن ذلك قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): (أدَّبني ربي فأحسن تأديبي)(6).
ولا تكون الرسالة فاعلة ومؤثرة وتؤدي دورها في حياة الامة إذا لم يكن حاملها مستوعباً لها قد أشرب بها، وتمثَّلها في حياته، وجسَّدها في سلوكه وواقعه، حتى عاد صورة خارجية لها، وعادت صورة نظرية له، لذا لما سُئِلتْ إحدى أمهات المؤمنين عن سيرة رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) وأخلاقه قالت باختصار: (كان خلقه القرآن) (7).
ولعدم إمكانية التفكيك بين النظرية، ولا اقصد بالنظرية ما يُراد منها في المصطلح، أعني المعلومة القابلة للصحة والخطأ، وإنما أعني مجموع ما اْحتوت عليه الرسالة من الأصول والفروع والأخلاق التي أسسها القرآن الكريم، والتطبيق أي بين الرسالة وسلوك القائمين عليها، صار الناس لا يقتنعون بأي رسالة مهما كانت ترفع من مبادئ ومُثل وأخلاق عالية ونبيلة، إذا كان حاملوها والقائمون عليها أول من يخالفها.
وهذا أحد أسباب اْنحطاط المسلمين، وتشوّه صورة الإسلام، فكيف يقتنع الناس بحرمة شرب الخمر إذا كان الخليفة، أو ولاته يشربونها على منابر المسلمين، وكيف يقتنعون بحرمة الغناء، أو، السفور، أو، ممارسة الفاحشة، إذا كان الخليفة يعقد الليالي الحمراء لإقامتها، ونحن، الحوزة العلمية وكل مؤمن رسالي، حملة رسالة إصلاحية، كيف نستطيع أن نردع الناس عن الغيبة وإهانة المؤمن، إذا كنا نلوكها بألسنتنا، وكيف نمنعهم من مشاهدة الأفلام والمسلسلات إذا كان هذا الجهاز اللعين في بيوتنا، وكيف نأمرهم بالصلاة في أوقاتها إذا كنا ننام عن صلاة الصبح، وكيف نحثّهم على صلاة الليل ونحن لا نؤديها، أو، نحثهم على إفشاء السلام ونحن لا نرد التحية بمثلها، فضلاً عما هو أحسن منها، وكيف نقنعهم بترك التدخين ونحن نتناوله، ونصرف الأموال في سبيله، بدلاً من أن ننفقها في قضاء حوائج المؤمنين، وما أكثرهم اليوم.
هذا الترابط الوثيق بين الرسالة وسلوك حاملها عَبَّر عنه أمير المؤمنين (عليه السلام): ( إِنِّي وَاللَّهِ مَا أَحُثُّكُمْ عَلَى طَاعَةٍ إِلاَّ وَأَسْبِقُكُمْ إِلَيْهَا وَلاأَنْهَاكُمْ عَنْ مَعْصِيَةٍ إِلاَّ وَأَتَنَاهَى قَبْلَكُمْ عَنْهَا)(8) ، ولذا قالوا: إن الواعظ إذا لم يكن متعظاً فلا يؤثر في القلوب ولا يهذب النفوس.
ومن هنا أكدت أحاديث المعصومين (عليهم السلام) على ضرورة اقتران العلم بالعمل، وأنه لا قيمة للعلم إذا لم يقترن بالعمل، فعن أبي عبد الله (عليه السلام) في قول الله عز وجل
(إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ)(9) ، قال: (يَعْنِي بِالْعُلَمَاءِ مَنْ صَدَّقَ فِعْلُهُ قَوْلَهُ، وَمَنْ لَمْ يُصَدِّقْ فِعْلُهُ قَوْلَهُ فَلَيْسَ بِعَالِمٍ)(10) ؛ وعن سليم بن قيس الهلالي قال: سمعت أمير المؤمنين (عليه السلام) يحدِّث عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) أنه قال في كلام له: (الْعُلَمَاءُ رَجُلانِ: رَجُلٌ عَالِمٌ آخِذٌ بِعِلْمِهِ فَهَذَا نَاجٍ، وَعَالِمٌ تَارِكٌ لِعِلْمِهِ فَهَذَا هَالِكٌ، وَإِنَّ أَهْلَ النَّارِ لَيَتَأَذَّوْنَ مِنْ رِيحِ الْعَالِمِ التَّارِكِ لِعِلْمِهِ، وَإِنَّ أَشَدَّ أَهْلِ النَّارِ نَدَامَةً وَحَسْرَةً رَجُلٌ دَعَا عَبْداً إِلَى اللَّهِ فَاسْتَجَابَ لَهُ وَقَبِلَ مِنْهُ فَأَطَاعَ اللَّهَ فَأَدْخَلَهُ اللَّهُ الْجَنَّةَ، وَأَدْخَلَ الدَّاعِيَ النَّارَ بِتَرْكِهِ عِلْمَهُ وَاتِّبَاعِهِ الْهَوَى وَطُولِ الأَمَلِ، أَمَّا اتِّبَاعُ الْهَوَى فَيَصُدُّ عَنِ الْحَقِّ، وَطُولُ الأَمَلِ يُنْسِي الآخِرَةَ )(11) ؛ وعن الإمام الصادق (عليه السلام) قال: ( الْعِلْمُ مَقْرُونٌ إِلَى الْعَمَلِ، فَمَنْ عَلِمَ عَمِلَ، وَمَنْ عَمِلَ عَلِمَ، وَالْعِلْمُ يَهْتِفُ بِالْعَمَلِ، فَإِنْ أَجَابَهُ وَإِلا ارْتَحَلَ عَنْهُ )(12) ؛ وعن أمير المؤمنين (عليه السلام): (أَيُّهَا النَّاسُ، إِذَا عَلِمْتُمْ فَاعْمَلُوا بِمَا عَلِمْتُمْ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ، إِنَّ الْعَالِمَ الْعَامِلَ بِغَيْرِهِ كَالْجَاهِلِ الْحَائِرِ الَّذِي لايَسْتَفِيقُ عَنْ جَهْلِهِ، بَلْ قَدْ رَأَيْتُ أَنَّ الْحُجَّةَ عَلَيْهِ أَعْظَمُ، وَالْحَسْرَةُ أَدْوَمُ عَلَى هَذَا الْعَالِمِ الْمُنْسَلِخِ مِنْ عِلْمِهِ مِنْهَا عَلَى هَذَا الْجَاهِلِ الْمُتَحَيِّرِ فِي جَهْلِهِ، وَكِلاهُمَا حَائِرٌ بَائِرٌ(13) )(14) ، وعن أبي جعفر (عليه السلام) في قول الله عز وجل: (فَكُبْكِبُوا فِيهَا هُمْ وَالْغَاوُونَ)(15) ، قال (عليه السلام): (هُمْ قَوْمٌ وَصَفُوا عَدْلاً بِأَلْسِنَتِهِمْ ثُمَّ خَالَفُوهُ إِلَى غَيْرِهِ)(16).فحينما نحتفل بذكريات المعصومين (عليهم السلام)، وأولهم رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)، فإنما نستعيد بها ذكرى التطبيقات الكاملة للشريعة، كما نحتفل بذكريات الشريعة نفسها، كيوم الغدير الذي هو يوم تمام الشريعة وكمالها، بحسب ما نطقت به الآية الشريفة.
هذه الوشيجة بين النظرية والتطبيق، أو، قُلْ بين الرسالة وسلوك حاملها، نخرج منها بعدة نتائج:
1- إن الشريعة كلما كانت أكمل فحاملها يكون أكمل ولما كانت شريعة الإسلام أكمل الشرائع الإلهية فيكون رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) أكمل الخلق وأشرفهم.
2- إن شريعة الإسلام خالدة ودائمة، فيكون وجود المعصوم (عليه السلام) دائمياً ومستمراً، وهو ما نعتقد به، ودَلَّت عليه الأحاديث الشريفة التي مضمونها ( لاتَخْلُو الأَرْضُ مِنْ قَائِمٍ لِلَّهِ بِحُجَّةٍ إِمَّا ظَاهِراً مَشْهُوراً وَإِمَّا خَائِفاً مَغْمُوراً)(12) وما جاء في حديث الثقلين ( إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمُ الثَّقَلَيْنِ مَا إِنْ تَمَسَّكْتُمْ بِهِمَا لَنْ تَضِلُّوا كِتَابَ اللَّهِ وَعِتْرَتِي أَهْلَ بَيْتِي وَإِنَّهُمَا لَنْ يَفْتَرِقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ)(17).
3- إن الإعتداء على حامل الرسالة وممثليها من أنبياء، أو، أئمة، إنما هو إعتداء على الشريعة نفسها، وبالعكس، فإن أي إعتداء على الشريعة بتحريفها، أو، تمييعها، أو، مخالفتها، إنما هو إعتداء على حامل الرسالة نفسه، لذا ورد في تفسير قوله تعالى (وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ)(18) ، أي بتحريف تعاليمهم ومخالفتها وتشويهها، فليعلم هؤلاء الذين يعصون الله تبارك وتعالى بترك الصلاة، أو، الخمس، أو، السفور، أو، التبرج، أو، ترك فريضة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، أو، يشيعون الفاحشة في المجتمع المسلم، بنشر الصور الخلاعية، وفتح محلات الفسق والفجور، إنما يقتلون بها رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)، وأمير المؤمنين والأئمة الأطهار (عليهم السلام).
4- إن الإسلام إنما يتقدم وينتشر وتحصل القناعة به بتقدم أبنائه، خصوصاً: العلماء، والحوزة الشريفة، والمؤمنين الرساليين، وتكاملهم، وحُسن تجسيدهم له، فحينما يقول الحديث: (الْفُقَهَاءُ أُمَنَاءُ الرُّسُلِ، مَا لَمْ يَدْخُلُوا فِي الدُّنْيَا)(15) إنما يشير إلى هذه المسئولية المزدوجة، (أعني المسئولية النظرية، أو، قل العلمية، ببيان محاسن الإسلام، وعظمة تشريعاته، وتكاملها، وقدرتها على قيادة البشرية نحو السعادة والصلاح، والمسئولية العملية بتمثيل الإسلام في سلكوهم وتفاصيل حياتهم) فهاتان مسئوليتان لا تنفكان عن بعضهما.
وقد وعدت الأحاديث الشريفة بأنَّ الله تعالى يقيِّض لهذا الدين في كل زمان من يمثله هذا التمثيل ليكون حصناً حقيقياً للإسلام، قال (عليه السلام): ( فَإِنَّ فِينَا أَهْلَ الْبَيْتِ فِي كُلِّ خَلَفٍ عُدُولاً، يَنْفُونَ عَنْهُ تَحْرِيفَ الْغَالِينَ، وَانْتِحَالَ الْمُبْطِلِينَ، وَتَأْوِيلَ الْجَاهِلِينَ)(19) فكونوا من هذا الخلف فإنها فرصة متاحة لأي أحد يعمل بجد واجتهاد، لتأهيل نفسه لهذا الموقع، والله تعالى لا يبخل عن إعطاء المستحق حقه، وهو القائل (وَلا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ)(20).
لأجل هذه النقاط ركّز القرآن الكريم على أهمية الأسوة الحسنة في تربية البشر وهدايتهم وإصلاحهم، قال تعالى: (لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيراً)(21) فقد تؤثِّر الأسوة الحسنة في حياة الناس أكثر مما تؤثِّر فيهم كتب كثيرة، وأكَّدته الأحاديث الشريفة: (كونوا لنا دعاة صامتين)(22) ، و(كونوا لنا دعاة بأفعالكم لا بأقوالكم)، وبمقدار ذلك تكون خطورة القدوة السيئة(23)، والعياذ بالله، لذا ورد التهديد الكبير للعلماء إذا نكبوا عن الصواب، وفارقوا الطريقة المثلى، لأن هذا يؤدي إلى إعراض الناس عن الشريعة، فعن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: ( إِذَا رَأَيْتُمُ الْعَالِمَ مُحِبّاً لِدُنْيَاهُ فَاتَّهِمُوهُ عَلَى دِينِكُمْ، فَإِنَّ كُلَّ مُحِبٍّ لِشَيْءٍ يَحُوطُ مَا أَحَبَّ، وَقَالَ (عليه السلام): أَوْحَى اللَّهُ إِلَى دَاوُدَ (عليه السلام): لا تَجْعَلْ بَيْنِي وَبَيْنَكَ عَالِماً مَفْتُوناً بِالدُّنْيَا فَيَصُدَّكَ عَنْ طَرِيقِ مَحَبَّتِي، فَإِنَّ أُولَئِكَ قُطَّاعُ طَرِيقِ عِبَادِيَ الْمُرِيدِينَ، إِنَّ أَدْنَى مَا أَنَا صَانِعٌ بِهِمْ أَنْ أَنْزِعَ حَلاوَةَ مُنَاجَاتِي عَنْ قُلُوبِهِمْ )(24) ، وعن حفص بن غياث عن الإمام الصادق (عليه السلام) قال: (يَا حَفْصُ، يُغْفَرُ لِلْجَاهِلِ سَبْعُونَ ذَنْباً قَبْلَ أَنْ يُغْفَرَ لِلْعَالِمِ ذَنْبٌ وَاحِدٌ)(25) وعنه أنه قال: قال أبو عبد الله (عليه السلام): قال عيسى بن مريم (عليه السلام): (وَيْلٌ لِلْعُلَمَاءِ السَّوْءِ كَيْفَ تَلَظَّى عَلَيْهِمُ النَّارُ)(26) وقد اشتهرت كلمة بعضهم (إذا فسد العالِم فسد العالَم).
إننا اليوم أحوج ما يكون إلى عرض صورة الأسوة الحسنة في حياتنا، فنحن مسؤولون أكثر من أي وقت مضى عن دراسة حياة رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) وسيرته دراسة تحليلية، لكي نتمثلها في حياتنا، وتكون نبراساً لنا، ليس فقط في حياته الشخصية الخاصة، لكونه أكمل المخلوقات وأشرفها وأحقها بالإقتداء، وإنما ايضاً في حياته العامة، لكونه أعظم مصلح إجتماعي عرفته البشرية، ولكونه مؤسس خير أمة أُخرجت للناس من العدم، ولكون قيادته المباركة وفَّرت للبشرية أسعد عصر من عصورها.
هذه الأبعاد المتعددة في شخصيته (صلى الله عليه وآله وسلم) جعلته أولى الناس بالتأسي والإقتداء لمن كان يرجو الله واليوم الآخر، وأراد السعادة لنفسه ولأمته.
وقد ذكرتُ في بعض المناسبات وجهاً لمعنى الكلمة العامية (سفرة الحسين واسعة) ويمكن أن يراد لها معنى واقعي غير ما ذكروه، وهو أن حياة الحسين (عليه السلام) سفر مبارك يتسع كل ما يريده الطامحون إلى الكمال، التواقون إلى السعادة، الفارون من الحضيض، وجده رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) أولى بهذه السعة منه (عليه السلام)، فلنأخذ من هذا السفر المبارك ما يعيننا على مسئولياتنا، التي قلنا إنها أضخم من أي يوم مضى من أكثر من جهة.
1- إننا نواجه جاهلية عاتية تضرب بأطنابها أرجاء الأرض، في أفكارها واعتقاداتها، وفي سلوكياتها واهوائها ونزعاتها(27)، بل إن جاهلية اليوم جمعت كل مساوئ جاهليات الأمس القريب والبعيد، وقد عقدتُ فصلاً طويلاً في كتاب (شكوى القرآن) لبيان مفهوم الجاهلية بحسب ما يستفاد من القرآن، وقد ذكرتُ خمس عشرة نقطة إلتقاء بين الجاهليتين(28).
وخرجنا بنتيجة: أن الجاهلية ليست فترة زمنية ومرحلة تاريخية إنتهت بظهور الإسلام، وإنما هي نمط من أنماط الحياة، تتردى إليها البشرية وتسقط فيها كلما ابتعدت عن شريعة الله تبارك وتعالى، فما أحوجنا إلى أن نستلهم من سيرته (صلى الله عليه وآله وسلم) كيفية مواجهة هذه الجاهلية، بحيث استطاع ان ينقلهم (صلى الله عليه وآله وسلم) في مدة ضئيلة من عمر الزمن، وهي ثلاثة وعشرون عاماً، من حضيض الجاهلية إلى قمة الإسلام السامقة(29)، وقد ذكرتُ في نفس الكتاب عدة دروس مستفادة من هذه التجربة(30).
2- إننا نقترب بسرعة من يوم الظهور المبارك لبقية الله الأعظم، ومن شروطه وصول البشرية إلى قناعة كاملة بالإسلام، وقد قلنا قبل قليل: إن القناعة بالإسلام كنظام ورؤية للحياة لا تنفك عن القناعة بسلوك حامليه ومعتنقيه، فكلما كان التطبيق أكثر صدقاً كان أسرع في حصول هذه القناعة، وقد وردت التطمينات بأن الإسلام لا يحتاج إلى جهد كبير من أبنائه لتحصل قناعة الآخرين به، لأنه يغلب العقول، ويفتح القلوب، بلا عناء كثير، عكس المبادئ الأرضية التي لا تستطيع ان تحصل هذه النتيجة بكل أساليب الإغراء، أو، البطش والتهديد، وقد ورد عن الإمام الرضا (عليه السلام): (... فإن الناس لو علموا محاسن كلامنا لاتبعونا)(31) ، (كونوا لنا زيناً، ولا تكونوا علينا شيناً)(32) ، والتاريخ شاهد على ذلك، فان المغول، وهم أكثر الشعوب وحشية، ما لبثوا أن دخلوا الإسلام بعد أن اكتسحوا بلاده قتلاً ونهباً وتدميراً، وها هو ذا الغرب ينتابه القلق من إقبال أبنائه على الإسلام، فتقول إحصائية في بريطانيا: إن عشرين ألف إمرأة بريطانية إعتنقت الإسلام، احداهن استاذة جامعية أعلنت إسلامها في كلمة ألقتها في تجمع في حدائق (هايد بارك) الشهيرة في قلب لندن، وسوف ترى عن قريب كيف أن الإسلام يفتح قلوب أعدائه، إلا من ضرب عليها إبليس بالأغلال كالصهاينة.
ألسنا ندعوا الله تبارك وتعالى أن ينتصر بنا لدينه، وأن يجعلنا من أنصار وليه الأعظم
؟، بل نقرأ في دعاء الإفتتاح: أن نكون من الدعاة إلى طاعته تبارك وتعالى، والقادة إلى سبيله في دولته الكريمة، فها هي الخطوة الأولى والمهمة التي رسمها القرآن الكريم (لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيراً)(33) وشرحها أمير المؤمنين (عليه السلام) نفس رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): (ولكن أعينوني بورع واجتهاد وعفة وسداد)(34).3- إننا نعيش حرباً شعواء على الإسلام بأشكال مختلفة، أحدها الحرب العسكرية، التي يسمونها الحرب ضد الارهاب، وقد إتحدوا جميعاً وتناسوا خلافاتهم وكل عداواة الأمس، ليكونوا يداً واحدة في هذه الحرب، وقد أعلنت الأخبار اليوم (28/5/2002)، وأنا أكتب هذه السطور، أنهم وضعوا المسمار الأخير في نعش الحرب الباردة بين المعسكرين الشرقي والغربي واتحدوا واتفقوا على الاشتراك في إتخاذ القرار بين روسيا وحلف شمال الأطلسي، فيا ترى من غير الاسلام والمسلمين العدو الذي اتحدوا لمواجهته ؟ وهذا الشكل من الحرب واضح وملتفَتٌ إليه، لكن الأخطر منه هو الحرب الخفية بتشويه صورة الإسلام، وتمييع أحكامه، وإفراغه من مضامينه، والإكتفاء بالشكليات، فلا مانع من أن تتحجب المرأة ولكن على الطريقة الأمريكية، أو، الفرنسية، ولا بأس بأن يلتزم الشاب بالصلاة والصوم ما دام غربياً في أفكاره وولائه ومظهره، وأن يكون إهتمام الناس منصبَّاً على الإزدياد من المظاهر الدنيوية، فلا يستقر في دار حتى يطمح إلى أحسن منها، وسرعان ما يبدّل سيارته إلى أحدث موديل، أو، أثاثه، أو، يتفاخر بكثرة أمواله، هذا غير ضياعه في المتع المتنوعة من رياضة وفن، فلا يلبث أن يمل من متعة حتى يأتوه بغيرها، ليبقى في هذه الدوامة والدائرة المفرغة، ولا يلتفت إلى أهدافه الحقيقية، رغم ان القرآن صريح وواضح (قُلْ إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ)(35) ومحل الشاهد، أننا لو درسنا أسباب هذا الضياع لوجدنا أن أهمها غياب القدوة الحسنة التي تبهر العقول، وتدخل القلوب، وتقنعهم بالإتبَّاع والتأسي، وتلغي كل ما سواها، وقد دأب الانسان على المتابعة والمشاكلة للشخصيات التي ينبهر بها، حتى في الاشياء التي لا علاقة لها بسبب انبهاره، فمثلاً هو يُعجب به كبطل أفلام، أو، رياضي، إلا أنه يقلده في ملبسه وحركاته ومظهره، بل حتى أفكاره ومعتقداته أحياناً، فإذا غابت عن حياته الأسوة والقدوة الحسنة، نعم، فإنه سينجذب إلى الأسوة السيئة من رياضي، أو، فنان، أو، بطل فلم وهمي، أو، نحوه.
علينا أن لا نتبوء موقعاً إلا بجدارة
لذا تجد من أهم العوامل التي جذبت الناس إلى الإسلام: الإنبهار والذوبان في شخصية رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) التي ظلت مؤثِّرة في نفوس أصحابه حتى بعد وفاته (صلى الله عليه وآله وسلم)، بل إلى اليوم، فان الكثير ممن اعتنقوا الإسلام إنما اعتنقوه إعجاباً بسيرة رجاله كرسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)، وأمير المؤمنين (عليه السلام)، والصديقة الطاهرة فاطمة الزهراء (عليها السلام)، والحسن والحسين (عليهما السلام).
وهذا، أي تأثير شخصية النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) في نفوس اصحابه، مما شهد به الأعداء، وجعل الرعب يتملكهم فملأهم شعور بالإحباط واليأس من المواجهة عندما خرج وفد من قريش لاستطلاع أخبار النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وأصحابه، فوجدهم محدقين به يتبركون بتراب أقدامه، ولا يدعون ماء وضوءه يسقط إلى الأرض بل يتقاسمون قطراته.
وقد حرص (صلى الله عليه وآله وسلم) أن لا يتبوأ هذا المقام الرفيع إلا بعد أن ملك القلوب، وخطف الألباب بأخلاقه وحسن سيرته، حتى سموه (صلى الله عليه وآله وسلم) في الجاهلية بالصادق الامين، وما وجدوا له خطلة في قول، ولا زلة في فعل، وألقى عليهم الحجة بذلك حين أعلن (صلى الله عليه وآله وسلم) دعوته قائلاً: ( لو أخبرتكم أن بسفح هذا الجبل خيلاً أكنتم مصدقيّ
؟، قالوا: نعم، قال: فإني نَذِيرٌ لَكُمْ بَيْنَ يَدَيْ عَذابٍ شَدِيدٍ)(36).وهذا درس يمكن أن نستفيده من سيرة رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)، غيرما ستأتي الإشارة إليها، وهو أن لا نتبوء مقعداً إجتماعياً إلا حينما نكون أهلاً له، بحيث تتوفر القناعة الكاملة لدى الأمة باستحقاق هذا الموقع.
وحياته (صلى الله عليه وآله وسلم) حافلة بالكثير مما يُتأسى به، وكيف لا يكون كذلك وهو صنو القرآن الذي هو (تِبْيَاناً لِكُلِّ شَيْءٍ) (37)، و(مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ) (38)، وهو (صلى الله عليه وآله وسلم) كذلك، والقرآن شفاء وهدى ورحمة ونور وبيان وذكر ومبارك وحكيم، وهو (صلى الله عليه وآله وسلم) كذلك، وقد أشبعنا البحث عن هذه الملازمة في كتاب شكوى القرآن.
دراسة سيرة رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) كقائد ومصلح
لم تتعرض كتب التاريخ لسيرة المعصومين (عليهم السلام) بعنوانهم قادة ومصلحين إجتماعيين مارسوا عملية التغيير في النفس والمجتمع بأعظم أشكاله وبحسب ما أُتيح لهم من الفرص، بل إن بعضهم، وهم رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) وامير المؤمنين والحسن المجتبى (عليهما السلام- قاد دولة، واضطلع بأعباء الرئاسة الدنيوية، على تعبيرهم، إضافة إلى الإمامة الدينية التي لا تنفك عنهم بحال.
وإنما تناولتْ المصادر حياتهم كأشخاص، واكتفت بالسرد التاريخي لتفاصيل حياتهم على أنها جزئيات متفرقة.
ويمكن إيجاد أكثر من مبرر لهذا النقص في المصادر التاريخية بالنسبة للأئمة الطاهرين، ومنها:
1- إقصاؤهم (عليهم السلام) عن موقع القيادة الإجتماعية، فلم تُعط لهم الفرصة الكاملة لممارسة هذا الدور، مما طبع على سلوكهم النشاط الفردي، أو، هكذا يتراءى للناظرين في حياتهم بالنظرة الساذجة، وإلا فإن لهم أدواراً مهمة أدَّوها في حياة الأمة، تناولناها تفصيلاً في كتابنا المطبوع (دور الأئمة في الحياة الإسلامية).
2- عدم نضج الفكر الاجتماعي لدى مؤرخي تلك الأجيال، ليتناولوا بالدراسة والتحليل ما كان يصدر عن الأئمة (عليهم السلام) من تصرفات ومواقف، وإنما كانوا ينقلون الوقائع التاريخية على أنها روايات لمشاهدات، أو، مسموعات مشتتة متفرقة لا تنتظم ضمن إطار محدد يُعبِّر عن مشروع حضاري، أو، برنامج إصلاحي تغييري، كالذي عرضناه في كتابنا المذكور آنفاً.
3- الإخفاء المتعمد لكثير من تفاصيل حياتهم، إما حسداً، أو، تعصباً، وهذا شأن مخالفيهم، أو، تقية وهذا شأن مواليهم خصوصاً، وإن أغلب التواريخ قد كُتبت في عصر العباسيين ألد اعداء البيت النبوي الشريف، لذلك يقول أحدهم واصفاً علي بن أبي طالب (عليه السلام) باستغراب: (لقد أخفى فضائله أولياؤه خوفاً، وأعداؤه حسداً، ومع ذلك فقد ظهر له ما ملأ الخافقين)، فكيف ستكون الحصيلة لو نقلت لنا الأقوال والأفعال بأمانة وموضوعية.
4- إن جُلَّ ما وصل إلينا من تاريخهم (عليهم السلام) هو ما كتبه أصحابهم واتباعهم ومحبوهم، وقد ركَّز هؤلاء على الجوانب التي تدعم عقيدتهم فيهم (عليهم السلام)، وتثبت أحقيتهم بالأمر، وما ينفعهم عند الجدال والمخاصمة والاحتجاج، فاهتموا بالمناقب والفضائل والمعجزات والنص على الإمامة والدلالة عليها، ولم يعيروا إهتماماً معتداً به لجوانب حياتهم الأخرى.
5- تَلَفُ الكثير من الآثار بسبب الفتن المذهبية والأحداث السياسية.
أقول: ولو كان العذر متوفراً في الأئمة الطاهرين (عليهم السلام) من جهة هذه المبررات وغيرها، إلا أن عدداً منها لا يأتي فيما يتعلق برسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)، فقد تسلَّم موقع القيادة، وأسَّس دولة ومجتمعاً مدنياً، ومارس عملية التغيير بأوسع أشكالها، مما لم يستطع فعله أحد، وإن تفاصيل حياته الشريفة مدونة حتى في الأمور العادية كالمأكل والملبس، ولا مصلحة لأحد من المسلمين في إخفاء آثاره، فإن الكل يفتخرون بالإنتساب اليه.
فما علينا إلا أن نعيد قراءة سيرته (صلى الله عليه وآله وسلم) بنظرة جديدة تهمنا نحن كقادة ومصلحين إجتماعيين، إمتثالاً للآية الشريفة التي حثت على التأسي به (صلى الله عليه وآله وسلم)، وهو لا يختص بمفردات حياته الشخصية، وإنما ينبغي أن يكون على جميع الأصعدة، وبجميع المستويات، وبكل الإتجاهات، مما سيأتي تفصيله إن شاء الله تعالى.
إن عملية التغيير التي قام بها رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) معجزة من معجزاته (صلى الله عليه وآله وسلم)، يتعزز بها إيمان المسلم المؤمن برسالته (صلى الله عليه وآله وسلم)، وتكون حجة على غير المؤمن به (صلى الله عليه وآله وسلم)، وهي بين هذا وذاك مثال يحتذى لأي قائد يريد أن يؤسس أمة ويسوسها، ويبني مجتمعاً فاضلاً صالحاً، كذاك الذي أقامه رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) في المدينة، ولم يشهد له التاريخ مثالاً، فلم نسمع أن أحداً سرق، أو، قتل، أو، زنى، ولا بأي إنحراف آخر مما تعجُّ به الدول المتقدمة مادياً اليوم، والمتشدقة بحقوق الانسان، إلا حوادث نادرة، إذ لا يُتصور في تلك الفترة القصيرة أن يصل كل المجتمع إلى درجة التكامل المنشود، أما السمة الغالبة فهي الأخوة، والتآلف، والتكامل، والإيثار، والسمو عن الماديات، والتضحية بالغالي والنفيس في سبيل الله والمبدأ الذي آمنوا به.
مقارنة بيـن حال العرب قبل الإسلام وبعده
إن نظرة واحدة تقارن بين حالي العرب قبل الإسلام وبعده تكفي لمعرفة عظمة النقلة الكبيرة التي عاشتها الأمة، مما يعكس الإعجاز في العلاج والمعالج، أما العلاج فهو القرآن الكريم، هذه الوصفة الإلهية التي وهبها خالق البشر لهذه المخلوقات البائسة التائهة المنحرفة، التي تعاني الآلام والمصاعب والمآسي، بسبب إبتعادها عن الله تبارك وتعالى، والمعالج هو رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)؛ المعجزة في أخلاقه وسلوكه مع الآخرين، ونموذج التربية الإلهية (أدّبني ربي فأحسن تأديبي)، ولقد تناولنا الجهة الأولى في كتاب (شكوى القرآن)، أما الثانية فهي ما سنحاول عرضه بمقدار ما يوفق الله سبحانه في هذه الكلمات.
ولنستمع الآن إلى بعض النصوص التي تصف حال العرب قبل الإسلام وبعده، قال الله تبارك وتعالى: (وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَاناً وَكُنْتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْهَا)(39) ، وقال تعالى: (وَاذْكُرُوا إِذْ أَنْتُمْ قَلِيلٌ مُسْتَضْعَفُونَ فِي الأَرْضِ تَخَافُونَ أَنْ يَتَخَطَّفَكُمُ النَّاسُ فَآوَاكُمْ وَأَيَّدَكُمْ بِنَصْرِهِ وَرَزَقَكُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ)(40) ، وقال تعالى: (فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَذَا الْبَيْتِ، الَّذِي أَطْعَمَهُمْ مِنْ جُوعٍ وَآمَنَهُمْ مِنْ خَوْفٍ)(41) ، وقال تعالى بصدد النهي عن بعض الحالات الاجتماعية المنحرفة التي كانت موجودة: (وَلا تَقْتُلُوا أَوْلادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُهُمْ وَإِيَّاكُمْ إِنَّ قَتْلَهُمْ كَانَ خِطْئاً كَبِيرا، وَلا تَقْرَبُوا الزِّنَى إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلاً، وَلا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلا بِالْحَقِّ وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُوماً فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَاناً فَلا يُسْرِفْ فِي الْقَتْلِ إِنَّهُ كَانَ مَنْصُوراً، وَلا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْؤُولاً، وَأَوْفُوا الْكَيْلَ إِذَا كِلْتُمْ وَزِنُوا بِالْقِسْطَاسِ الْمُسْتَقِيمِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً)(42).
وهكذا كان حالهم، قليلٌ مشتتون، يقتل بعضهم بعضاً، وهم محاطون بدول عتيدة تنتهز الفرص لاستعبادهم، وتنتشر الفواحش بينهم: كالزنا، وشرب الخمر، ونكاح زوجات الآباء، وأكل مال اليتيم، والبخس في الميزان، ووأد البنات، وغيرها مما يندى لها جبين الإنسانية.
وقال أمير المؤمنين (عليه السلام) وقد عاش الفترتين: (إِنَّ اللَّهَ بَعَثَ مُحَمَّداً (صلى الله عليه وآله وسلم) نَذِيراً لِلْعَالَمِينَ، وَأَمِيناً عَلَى التَّنْزِيلِ، وَأَنْتُمْ مَعْشَرَ الْعَرَبِ عَلَى شَرِّ دِينٍ، وَفِي شَرِّ دَارٍ، مُنِيخُونَ بَيْنَ حِجَارَةٍ خُشْنٍ وَحَيَّاتٍ صُمٍّ، تَشْرَبُونَ الْكَدِرَ، وَتَأْكُلُونَ الْجَشِبَ، وَتَسْفِكُونَ دِمَاءَكُمْ، وَتَقْطَعُونَ أَرْحَامَكُمْ، الأَصْنَامُ فِيكُمْ مَنْصُوبَةٌ، وَالآثَامُ بِكُمْ مَعْصُوبَةٌ)(43).
وقال (عليه السلام): (تَأَمَّلُوا أَمْرَهُمْ فِي حَالِ تَشَتُّتِهِمْ وَتَفَرُّقِهِمْ، لَيَالِيَ كَانَتِ الأَكَاسِرَةُ وَالْقَيَاصِرَةُ أَرْبَاباً لَهُمْ، يَحْتَازُونَهُمْ عَنْ رِيفِ الآفَاقِ، وَبَحْرِ الْعِرَاقِ، وَخُضْرَةِ الدُّنْيَا، إِلَى مَنَابِتِ الشِّيحِ، وَمَهَافِي الرِّيحِ، وَنَكَدِ الْمَعَاشِ، فَتَرَكُوهُمْ عَالَةً مَسَاكِينَ، إِخْوَانَ دَبَرٍ(وهي القرحة في ظهر الدابة) وَوَبَرٍ، أَذَلَّ الأُمَمِ دَاراً، وَأَجْدَبَهُمْ قَرَاراً، لا يَأْوُونَ إِلَى جَنَاحِ دَعْوَةٍ يَعْتَصِمُونَ بِهَا، وَلا إِلَى ظِلِّ أُلْفَةٍ يَعْتَمِدُونَ عَلَى عِزِّهَا، فَالأَحْوَالُ مُضْطَرِبَةٌ وَالأَيْدِي مُخْتَلِفَةٌ، وَالْكَثْرَةُ مُتَفَرِّقَةٌ، فِي بَلاءِ أَزْلٍ (أي شدة) وَأَطْبَاقِ جَهْلٍ، مِنْ بَنَاتٍ مَوْءُودَةٍ، وَأَصْنَامٍ مَعْبُودَةٍ، وَأَرْحَامٍ مَقْطُوعَةٍ، وَغَارَاتٍ مَشْنُونَةٍ، فَانْظُرُوا إِلَى مَوَاقِعِ نِعَمِ اللَّهِ عَلَيْهِمْ حِينَ بَعَثَ إِلَيْهِمْ رَسُولاً، فَعَقَدَ بِمِلَّتِهِ طَاعَتَهُمْ، وَجَمَعَ عَلَى دَعْوَتِهِ أُلْفَتَهُمْ، كَيْفَ نَشَرَتِ النِّعْمَةُ عَلَيْهِمْ جَنَاحَ كَرَامَتِهَا، وَأَسَالَتْ لَهُمْ جَدَاوِلَ نَعِيمِهَا، وَالْتَفَّتِ الْمِلَّةُ بِهِمْ فِي عَوَائِدِ بَرَكَتِهَا، فَأَصْبَحُوا فِي نِعْمَتِهَا غَرِقِينَ، وَفِي خُضْرَةِ عَيْشِهَا فَكِهِينَ، قَدْ تَرَبَّعَتِ الأُمُورُ بِهِمْ فِي ظِلِّ سُلْطَانٍ قَاهِرٍ، وَآوَتْهُمُ الْحَالُ إِلَى كَنَفِ عِزٍّ غَالِبٍ، وَتَعَطَّفَتِ الأُمُورُ عَلَيْهِمْ فِي ذُرَى مُلْكٍ ثَابِتٍ، فَهُمْ حُكَّامٌ عَلَى الْعَالَمِينَ، وَمُلُوكٌ فِي أَطْرَافِ الأَرَضِينَ، يَمْلِكُونَ الأُمُورَ عَلَى مَنْ كَانَ يَمْلِكُهَا عَلَيْهِمْ، وَيُمْضُونَ الأَحْكَامَ فِيمَنْ كَانَ يُمْضِيهَا فِيهِمْ، لا تُغْمَزُ لَهُمْ قَنَاةٌ، وَلا تُقْرَعُ لَهُمْ صَفَاةٌ (الحجر الصلد، وقرعها أي كسرها))(44).
وفي خطبة الصديقة الطاهرة فاطمة الزهراء (عليها السلام)، التي ألقتها في مسجد أبيها (صلى الله عليه وآله وسلم) على مسامع أصحابه، لما غُصب حقها وحق بعلها أمير المؤمنين (عليه السلام): (وكنتم على شفا حفرةٍ من النار، مُذقة الشارب، ونهزة الطامع (أي الفرصة التي ينتهزها)، وقبسة العجلان (مثل في الاستعجال)، وموطئ الأقدام (مثل للمغلوبية والمذلة)، تشربون الطرق (ماء السماء الذي تبول به الأبل وتبعر)، وتقتاتون القِد (جلد غير مدبوغ يُقدّ) والورق، أذلة خاسئين، تخافون أن يتخطفكم الناس من حولكم، فانقذكم الله تبارك وتعالى بمحمد (صلى الله عليه وآله وسلم) بعد اللتيا واللتي، وبعد ان مُنِيَ ببُهم الرجال، وذؤبان العرب، ومردة أهل الكتاب، كلما أوقدوا ناراً للحرب اطفأها الله، أو، نجم قرن الشيطان، أو، فغرت فاغرة من المشركين، قذف أخاه في لهواتها، فلا ينكفئ حتى يطأ جناحها بأخمصه، ويخمد لهبها بسيفه)(45).
هكذا كانوا فكيف أصبحوا ببركة رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)، قال تعالى: (مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعاً سُجَّداً يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَاناً سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الأِنْجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْراً عَظِيماً)(46) ، وقال تعالى: (الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَاناً وَيَنْصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ، وَالَّذِينَ تَبَوَّأُوا الدَّارَ وَالأِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ)(47).
ونحاول أن نستعرض الآن بعض النماذج الرسالية الفذة التي تربَّت في أحضان النبوة الكاملة، لنرى الأثر العظيم الذي أحدثه رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) في مجتمعه، وسوف لا نذكر أمير المؤمنين (عليه السلام) والزهراء (عليها السلام) النموذجين الكاملين لهذه التربية، لأن لهم موضوعهم الخاص من الكلام التفصيلي في كتاب (دور الأئمة في الحياة الاسلامية) ونتطرق إلى نماذج أخرى:
1- عن أبي جعفر وأبي عبد الله (عليهما السلام) قال: إن أبا ذر عيّر رجلاً على عهد النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) بأمه فقال له: يا ابن السوداء - وكانت أمه سوداء- فقال له رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): تعيّره بأمه يا أبا ذر؟ قال: فلم يزل أبو ذر يمرغ وجهه في التراب ورأسه حتى رضي رسول الله (صلى الله عليه وآله) عنه.(48) وهناك نص آخر أفضل، ان أبا ذر تساب هو وبلال الحبشي المؤذّن فقال له : يابن السوداء فلما شكا بلال إلى رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) قال له : شتمت بلالاً وعيّرته بسواد أمّه
؟ قال: نعم، قال: حسبت أنّه بقي فيك شيء من كبر الجاهلية. فألقى أبو ذر خدّه على التراب ثمّ قال : لا أرفع خدّي حتى يطأ بلال خدّي بقدمه. فشعر أبو ذر بزهو الانتصار على أعدى أعدائه وهي نفسه التي بين جنبيه.يبعث اليه الخليفة عثمان بمالٍ جزيل هو باشدِّ الحاجة اليه بيد عبدٍ له ويعده بالحرية إن قبلها ابو ذر ثمناً لغيرته الدينية ورفضه الانحراف والفساد والظلم المستشري في حاشية الخليفة وولاته فعلم ابو ذر بالنية فرفض قبول الصلة فاراد العبد ان يستغلَّ طيبة قلب ابي ذر وحبه للخير والتقرب إلى الله سبحانه فقال لأبي ذر: اقبلها فإن فيها عتقي، فقال: إن كان فيها عتقك فإن فيها رقي(49). لأن أبا ذر علم أنه بقبولها عليه أن يجامل السلطة ويداهنها ويسكت عن مظالمها ولا يقول لها كلمة الحق فيحشر في سرادق الظلمة وانتصر ابو ذر مرة أخرى.
فليس غريباً أن يودِّعه أمير المؤمنين (عليه السلام) حينما نفاه عثمان إلى الربذة بكلمات حزينة مؤلمة لقلب كل غيور على الإسلام ورجالات الحق، لكنها كبيرة وعظيمة ومما جاء فيها: (إِنَّ الْقَوْمَ خَافُوكَ عَلَى دُنْيَاهُمْ وَخِفْتَهُمْ عَلَى دِينِكَ، فَاتْرُكْ فِي أَيْدِيهِمْ مَا خَافُوكَ عَلَيْهِ، وَاهْرُبْ مِنْهُمْ بِمَا خِفْتَهُمْ عَلَيْهِ)(50).
2- يحدِّث أحدهم أنه في معركة القادسية سمع جريحاً يئِنُّ ويطلب الماء، وقد أعياه نزف الدم، فلما قُرِّب وعاء الماء إليه سمع جريحاً آخر يطلب الماء فأبى أن يشرب، وقال: إسقِ أخي، لئلا يموت؛ فقام إلى الثاني ليسقيه، فسمع ثالثاً يطلب الماء، فأمر بسقيه أولاً، فلما وصل إليه لم يدركه وفارقته الحياة، فعاد إلى الثاني فوجده كذلك، فعاد إلى الأول فوجده كذلك؛ فتراهم يؤثرون غيرهم على أنفسهم ولو كلفهم ذلك الحياة؛ إنه غاية السمو والرفعة.
3- كان لإمرأة وزوجها ولد وحيد، مرض هذا الولد فاشفقا عليه، وهو وحيدهما، ولما حان وقت الصلاة خرج الأب إلى المسجد فمات الولد في غيبته، فلم تجزع الأم ولم يتغير حالها، بعد أن استوعبت القرآن، وعلمت منه ما أعدَّ الله للصابرين، وأن الله سيوفيهم أجورهم بغير حساب، وأنّ هذا الولد فَرْطٌ لهم على الحوض، لا يدخل الجنة حتى يدخل أبواه، مثلت كل هذه المعاني أمامها، فغطّت الوليد وجعلته في إحدى غرف الدار، وتزّينت، فلما جاء الزوج استقبلته بعواطف جياشة، ملأت عليه كيانه، وقدَّمت له الطعام، فسألها عن ولدها، فقالت: إنه بأهدأ حال، ولما أتمَّ طعامه مَكَّنته من نفسها، فلما قضى حاجته، وعلمت من قوله تعالى: (وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ وَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ)(51) أن الله لا يخذل المتقين، وسيهبها ولداً بدلاً منه، أخبرت الزوج المفجوع بولده باسلوب ذكي، حيث قالت له: لو أن أحداً استودع عندك أمانة ثم إستردها ماذا كنتَ تصنع ؟ قال: إنها حقه واخذه، فقالت: فاعلم أن الله تعالى قد استودع الولد عندنا ثم استرده. فاسترجع واحتسبه عند الله تعالى، ولما خرج إلى المسجد والتقى برسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) هنأه على زوجته، وبارك له فيها، وأخبره أن الله تعالى أوحى إليه: بأنه قضى لهما من ذلك الجماع ولداً صالحاً، هو هدية معجَّلة لهذا الموقف النبيل، وما عند الله خيرٌ وأبقى.
4- كان حنظلة بن أبي عامر في ليلة زفافه حينما دعا رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) المسلمين للخروج إلى أحد فأخذ عدة الحرب وترك عروسه التي لم ينفعها تشبثها به، وخرج مسرعاً لتلبية نداء رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)، وقاتل ببسالة حتى استشهد، ولما عاد رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) إلى المدينة عزَّى زوجته وحدَّثها بشيء غريب حصل بعد المعركة، إذ إنه (صلى الله عليه وآله وسلم) رأى الملائكة تغسل حنظلة، فسألها عن السبب، فقالت: لأنه كان في ليلة عرسه وخرج مسرعاً، حتى إنه لم يغتسل من الجنابة، فسُمِّي غسيل الملائكة، وظل هذا اللقب شرفاً له ولذريته.(52)
5- أعلن داعي الجهاد للخروج إلى ملاقاة قريش في أُحُد، فجاء عمر بن الجموح وولده وأخو زوجته هند، وهو عبد الله بن عمر بن حرام، والد الصحابي الجليل جابر بن عبد الله الانصاري، فقال له رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): إن الله قد أسقط عنك الجهاد، وكان أعرج، فقال: يا رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) لا أرجع حتى أطأ بعرجتي الجنة، فدعا له رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)، وخرجوا معه (صلى الله عليه وآله وسلم) إلى أحد، فاستشهد عمرو، واستشهد عبد الله، فجاءت بهما هند على بعير، وأحدهما عدل الآخر، فمرَّت على ملأ فيهم رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)، فقال (صلى الله عليه وآله وسلم) ملمحاً إليها: إن منكم مَنْ لو أقسم على الله لأبرَّه، ودفنتهما في قبر واحد.(53)
6- كان مصعب بن عمير من بني عبد الدار، وهم من وجهاء قريش، وكانوا حملة لوائها، وكان مصعب من فتيان مكة المنعمين المترفين، الذين يضرب المثل بجمالهم وترفهم ونعومة عيشهم، فلما صدع رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) بالإسلام اعتنقه، وتنازل عن ترفه ونعيمه، وأصابه ما أصاب المسلمين من العنت والضيق، فافترش الأرض، ولبس الخلق من الثياب، فحاول ذووه ثنيه عن معتقده، ووعدوه ما شاء من اللذات، فأصرَّ على مبدأه؛ وبعثه النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) إلى يثرب قبل هجرة النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)، ليعلمهم القرآن، ويمهد لمجيئه (صلى الله عليه وآله وسلم)، فأثر في أهل يثرب، وأقنع أسيادها بالإسلام، لأنه كان مثالاً للشاب الرسالي المخلص، وتنازل عن كل شيء حتى ذاته، طالباً ما عند الله تبارك وتعالى حتى أستشهد في أحد.
7- خرج المسلمون للقاء الفرس في معركة الجسر، وكان على الجيش أبو عبيدة الثقفي والد المختار، ومعه من عيون الصحابة ثابت بن قيس بن شماس المعروف بخطيب الأنصار، ولما وصلوا إلى الجسر حيث يعسكر الفرس في الجبهة الأخرى من النهر استشارهم القائد فيما يفعل، فأشار ثابت بعدم العبور لتبقى الصحراء من خلفهم ملاذاً إن كانت الواقعة للفرس، وإن إنتصروا عبروا بسلام، أما إذا عبروا للفرس فسيكون العدو من أمامهم والنهر من خلفهم، لكن أبا عبيد أمر بالعبور، وقال: إننا ما جئنا لنطلب النجاة، بل أحد الحسنين: إما النصر، أو، الشهادة؛ وأمر ثابتاً أن يكون أول من يعبر، فعبر ثابت وعبر أبو عبيد والمسلمون، ودارت الدائرة عليهم، واستشهد أبو عبيد، واستشهد ثابت، ليعطينا درساً في الطاعة المطلقة للقائد، وإن كان مخالفاً له في الرأي، فإن أي خلاف معه يؤدي إلى الإختلاف والتنازع، وهما منشأ الفتن والإضمحلال والزوال، وعَوَّضهم الله تعالى على صبرهم ووعيهم بعد فترة وجيزة بنصر مؤزر في القادسية، وفتح لهم بلاد فارس كلها.
8- كان جويبر إنساناً معدماً، ومن الطبقة المسحوقة في المجتمع، كما يعبرون، فسأله رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) يوماً: أليست لك رغبة، يا جويبر، بامرأة تلطف حياتك، وتعينك على دنياك وآخرتك
؟، فقال جويبر: ومَنْ تقبل بالزواج مني، وأنا معدم وأسود، (وكان يوصف بأنه من قباح السودان)، فبعثه (صلى الله عليه وآله وسلم) إلى إمرأة ثرية من أسرة وجيهة إجتماعياً، وعزيزة في قومها، وقال له: قل لأبيها: إني رسول رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) إليك، أخطب إليك إبنتك، وفعل جويبر ذلك، ولم يستطع وليها الجواب، ودخل عليها عارضاً الأمر، فلما علمت أنها رغبة رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) وافقت وأطاعت(54)، لتعطينا درساً عملياً في تطبيق الحديث الشريف: (إِذَا جَاءَكُمْ مَنْ تَرْضَوْنَ خُلُقَهُ وَدِينَهُ فَزَوِّجُوهُ قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَإِنْ كَانَ دَنِيّاً فِي نَسَبِهِ؟، قَالَ: إِذَا جَاءَكُمْ مَنْ تَرْضَوْنَ خُلُقَهُ وَدِينَهُ فَزَوِّجُوهُ إِنَّكُمْ إِلا تَفْعَلُوهُ تَكُنْ فِتْنَةٌ فِي الأَرْضِ وَفَسادٌ كَبِيرٌ) (55)، وكانت مصداقاً للآية الشريفة (وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْراً أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالاً مُبِيناً)(56).9- مَرَّ مالك الأشتر في السوق، فاستهزأ به رجل من أهل النفوس الضعيفة، الذين يغترون بحلم المقابل، ولم يكن يعرفه، فسكت عنه مالك، وهو يومئذٍ صاحب أمير المؤمنين (عليه السلام) وقائد جيوشه، وقال أمير المؤمنين (عليه السلام): رحم الله مالكاً فلقد كان لي كما كنت لرسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) (57)؛ فقال الناس لهذا الرجل: أما عرفت هذا؟، قال: لا، ومن عسى أن يكون؟، قيل: هذا مالك الأشتر، فارتعدت فرائصه، وأيقن بالهلاك، ورأى أن لا نجاة إلا بالمضي إليه والإعتذار منه، فسأل: أين ذهب مالك؟، قيل: إلى المسجد. فجاء إليه ووجده يصلي، حتى إذا فرغ من صلاته توسل إليه معتذراً. فقال (رضي الله عنه): لا عليك، فإني ما دخلت المسجد إلا لكي أصلي لك ركعتين وأستغفر لك.(58)
10- (سعد بن الربيع) من سادة الخزرج، بايع رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) في العقبة قبل الهجرة، وكان من النقباء الإثني عشر، شارك في بدر، وأبلى بلاءاً حسناً، وكان من المدافعين عن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) حين فَرَّ عنه اصحابه في أحد، وبعد أن حَلَّ الظلام وافترق الجيشان إفتقده رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)، فقال: مَنْ يستعلم لي حال ابن الربيع، أفي الأحياء هو، أم، في الأموات؟، فانتدب أحدهم، وفحص عنه فوجده يصارع الموت مرتثاً بالجراح، فقال له: سأل عنك رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)، يريد ان يستعلم حالك. فقال كلماته الأخيرة: أبلغ عني رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) السلام، وقل له: جزاك الله خير ما جزى نبياً عن أمته، ثم قال وأبلغ قومي من الأنصار: أن لا عذر لكم عند الله إذا خلص عدوكم إلى رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) وفيكم عين تطرف
(59).هذه النماذج وأمثالها كثير، هي التي أنشأها رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)، وتعب على تربيتها في مدة (23) سنة، وهذه هي النقلة العظيمة(60) التي قام بها رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) في ذلك المجتمع الذي عرفت حاله، ولعل من الحكمة الإلهية أن يُبعث رسوله (صلى الله عليه وآله وسلم) في ذلك المجتمع المنحط إلى الحضيض لتكون المعجزة أعظم، بينما لو بُعث في أمة متحضرة لشكك في صحة رسالته، وأنه ليس نبياً، وإنما هو من إفرازات تلك الحضارة والمدنية الراقية.
فما أحرانا نحن الحوزة الشريفة والسياسيين والقادة، وقد نصبنا أنفسنا مرشدين ومصلحين للمجتمع، بل ما أحرانا نحن المسلمين جميعاً أن نستوعب هذه الدروس من حياة رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)، لنفعل كما فعل، وننتج كما أنتج، مع سهولة الأمر أمامنا بالقياس إليه (صلى الله عليه وآله وسلم)، لأننا نتعامل مع أناس تربوا في أحضان الإسلام قروناً طويلة، ونهلوا من نميره، وأن الوازع الديني موجود في بواطنهم، وما علينا إلا اثارته وتوجيهه وتهذيبه، فلماذا نحتار، ولماذا نتعثر في المسيرة، ونحن نملك هذا التراث الضخم والمعين الذي لا ينضب من التجارب.
قلة المصادر التي كتبت في السيرة من مدرسة أهل البيت (عليهم السلام)
إن تقصيرنا نحن الإمامية من أتباع مدرسة أهل البيت (عليهم السلام) في كتابة تاريخ رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) غير مبرر أبداً، ولا يغني عنه الإهتمام المتزايد بسيرة المعصومين (عليهم السلام)، رغم أنهم (عليهم السلام) منه(صلى الله عليه وآله وسلم) ينهلون وعنه ينقلون، وما قيل فيه من مبررات فإنها غير كافية.
لقد ترتّبت على هذا التقصير نتائج كثيرة:
1- الخسارة الكبيرة بعدم الإستفادة من هذه التجربة العظيمة، والانقطاع عن هذا التراث الضخم، بكل ما يحتويه من دروس ومواقف، وأوضح شاهد على هذه الخسارة ندرة ما نستشهد به في كلماتنا بأحاديث رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)، مع وفرتها وتنوعها، كما ستمرُّ عليه خلال هذه الدراسة، بإذن الله تبارك وتعالى.
2- إن تاريخه (صلى الله عليه وآله وسلم) كُتب بيد غير أهله، فإن (أهل الدار أعرف بالذي فيه)، فأهل البيت (عليهم السلام) أعلم بتفاصيل حياته (صلى الله عليه وآله وسلم) وأنقى مصدراً، فلما كُتب تاريخه (صلى الله عليه وآله وسلم) بيد غير أتباع أهل البيت، حيث تجد أغلب السير النبوية باقلامهم، نقلوا في هذه التواريخ ما ينزهون عنه المسلم العادي، وتجدهم يحطّون من مقامه (صلى الله عليه وآله وسلم)، من أجل رفع عناوين يعتقدون أنها كبيرة، كحضوره (صلى الله عليه وآله وسلم) مجلس الغناء، فقد رووا في مصادرهم أن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) كان جالساً وعنده جوار يغنين ويلعبن، فجاء عمر فاستأذن، فقال النبي للجواري: اسكتن؛ فسكتن، فدخل عمر وقضى حاجته ثم خرج، فقال لهن: عدنَّ، فعدن إلى الغناء، فقلن: يا رسول الله، مَنْ هذا الذي كلما دخل قلت اسكتن، وكلما خرج قلت عدن إلى الغناء؟، قال: هذا رجل لا يؤثر سماع الباطل(61)؛ وكأن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) يرضى بالباطل(62)، ولا حظ الفرق بين رواية الإمامية لحديث الإفك المشار اليه في سورة النور ونقل غيرهم، وغيرها من الشواهد، وعلى أية حال فانهم لا يعتقدون فيه (صلى الله عليه وآله وسلم) سمو المرتبة التي نعتقدها، فبعضهم لا يشترط العصمة قبل النبوة، فيجوِّز أن يرسل الله تبارك وتعالى عابد وثن
!!، وبعضهم يشترطها في خصوص تبليغ الأحكام ويجوِّز عليه السهو والنسيان والغفلة، وينسب إليه الجهل كحادثة تأبير النخل فقد رووا ان رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) مَرَّ بقوم على رؤوس النخل فقال: ما يصنع هؤلاء؟، فقالوا: يلقحونه، يجعلون الذكر في الأنثى فيتلقح، فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): ما أظن يغني ذلك شيئاً، قال: فاخبروا بذلك فتركوه، فأخبر رسول الله بذلك قال: ان كان ينفعهم ذلك فليصنعوه فإني إنما ظننت ظناً فلا تؤاخذوني بالظن(63)، وفي حديث آخر أنه (صلى الله عليه وآله وسلم) قال: لعلكم لو لم تصنعوا كان خيراً فتركوه، فنقصت. قال: فذكروا ذلك له فقال: إنما أنا بشر إذا أمرتكم بشيء من دينكم فخذوا به، وإذا أمرتكم بشيء من رأيي فإنما أنا بشر(64) فالى هذه الدرجة من الفضول والتطفل ينزلون درجة رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم).3- التقصير بحقه (صلى الله عليه وآله وسلم) علينا، وهو صاحب الحق العظيم، إلذي اليه يرجع الفضل في هداية كل شخص على وجه المعمورة، وما نعيش من خير فهو فيض بركاته ونفحات رحمته، وما ادخر لأمته في الآخرة أعظم، فقد فُسِّر قوله تعالى: (وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى)(65) بالشفاعة يوم القيامة، وورد أن الله تعالى له نصف الحشر يقول فيه: رحمتي رحمتي، ولرسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) النصف الآخر يقول فيه، أمتي أمتي، هذا الرجل العظيم الذي كان سبباً لإفاضة كل هذا الوجود كما في حديث الكساء: (ما خلقت سماءاً مبنية ولا أرضاً مدحية ولا فلكاً يجري ولا ... الا من أجل هذه الأنوار الخمسة) وأصلها رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم).
أقول: هذا الرجل العظيم تمر ذكرياته علينا من دون اهتمام يذكر، عدا ما شاهدناه في السنين المتأخرة، وإن كان ما يزال دون المستوى المطلوب.
4- تربَّصُ الأعداء بشخصيته (صلى الله عليه وآله وسلم)، للحط من كرامته، وتشويه سمعته، وإلصاق التهم به، لأنه أساس الإسلام، فالطعن فيه تقويض لهذا الأساس، والقضاء على الإسلام، وها هم المأجورون الأذلاء كسلمان رشدي، والقس الفلاني في الولايات المتحدة، والمخرج الفلاني في هولندا، والكاتبة الفلانية في مصر، وأمثالهم يؤلفون الكتب، ويخرجون الأفلام، التي تشوّه صورة نبي الإسلام (صلى الله عليه وآله وسلم)، وتصفه بالعناوين السيئة، ولا تنبض دماء الغيرة في عروق رجالات الإسلام للرد عليهم، وربما لا يكلفون أنفسهم بالإطلاع على تلك الكلمات، والمسلمون بين جاهل بمقامه (صلى الله عليه وآله وسلم)، وهم العامة الذين قدَّموا هذه الخدمة الجليلة للأعداء من مستشرقين وغيرهم على طبقٍ من ذهب بما أودعوا في كتبهم من روايات تحطّ من مقامه العظيم، وبين معرضٍ عن الإهتمام به، وهم أتباع أهل البيت (عليهم السلام).
ومن خبث أولئك أنهم يمجدون علياً ويرفعونه إلى القمة، ولا يثيرون عليه أي اشكال، وهو اسمى مما يتصورون، بينما يتناولون شخص رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) بالقدح والتشويه، وما ذاك منهم حباً بعلي، واعترافاً بفضله، وإلا لأقروا بمثله لمحمد (صلى الله عليه وآله وسلم)، وهو مربيه وصانع كماله، ولكن لإمتصاص غضب مفكري الشيعة وعلمائهم، الذين لهم الصولة في الكلام والجدال والفكر العميق، ولهم ألسنة حداد تدافع عن الحق، فيسترخون لهذا المدح، ويغضّون الطرف عما يُوجَّه إلى نبيهم (صلى الله عليه وآله وسلم)، الذي هو الأصل، وما علي (عليه السلام) وشيعته إلا فرع ذلك الأصل.
ومن المؤسف أننا صرنا لا نشعر بمسئولية الرد والدفاع عن الإسلام ونبيه (صلى الله عليه وآله وسلم)، كشعورنا بمسئولية الدفاع عن مدرسة أهل البيت (عليهم السلام)، وأئمتها الطاهرين (عليهم السلام)، ونظرة واحدة إلى المكتبات الشيعية تجد فيها آلاف الكتب التي تعرِّف المذهب، وتبيِّن تفاصيله، وتدافع عنه، وترد الشبهات الموجهة إليه، ومعهم حق، لكثرة ما تعرضت له مدرسة أهل البيت (عليهم السلام) من التشويه والدس والكذب والإفتراء والطعن، ولكن لا تجد عدد الاصابع من الكتب التي تؤدي نفس الشيء عن الإسلام ونبيه العظيم، وتحتاج إلى تأمل طويل لكي تجد كتاباً مناسباً تقدِّمه لشخص يريد أن يتعرف على الإسلام، بينما ينهضون نهضة رجل واحد للذبِّ ضد شبهة جزئية موجهة إلى هذا المذهب، أو، ذاك من هذه الطائفة، أو، تلك.
ومهما قلنا من دفاعٍ عن أنفسنا بأن الأئمة (عليهم السلام) هم الإمتداد الطبيعي له (صلى الله عليه وآله وسلم)، وهم نفسه (صلى الله عليه وآله وسلم)، كما قال الإمام الصادق (عليه السلام): (حَدِيثِي حَدِيثُ أَبِي، وَحَدِيثُ أَبِي حَدِيثُ جَدِّي، وَحَدِيثُ جَدِّي حَدِيثُ الْحُسَيْنِ، وَحَدِيثُ الْحُسَيْنِ حَدِيثُ الْحَسَنِ، وَحَدِيثُ الْحَسَنِ حَدِيثُ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ (عليه السلام)، وَحَدِيثُ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ حَدِيثُ رَسُولِ اللَّهِ (صلى الله عليه وآله وسلم)، وَحَدِيثُ رَسُولِ اللَّهِ قَوْلُ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ)(66).
وانهم يمثلون المسار الصحيح والحقيقي للإسلام، كل ذلك صحيح، لكنه لا يغني عن الإهتمام الذي يجدر بنا أن نوليه لشخصية رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)، وتصرفاته على مختلف الأصعدة.
القرآن هو المصدر الرئيسي لدراسة سيرته (صلى الله عليه وآله وسلم)
وينبغي الإلتفات إلى أن المصدر الرئيسي لدراسته سيكون هو القرآن الكريم، لأكثر من سبب:
1- إعادة تفعيل دور القرآن في حياة الأمة، وإخراجه من عزلته، وإعطاءه دور الريادة في كل عملية إصلاحية، وهو ما أشرنا اليه في كلمات سابقة.
2- أنه (صلى الله عليه وآله وسلم) كان تجسيداً عملياً للقرآن، بحيث لو حَوَّلْتَ القرآن من كتاب مقروء إلى رجل يمشي على الأرض لكان هو (صلى الله عليه وآله وسلم)، ولو حَوَّلْتَ سيرة رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) إلى كتاب يقرأ لكان القرآن، ومن هنا أجابت أم المؤمنين حينما سُئِلت عن أخلاق رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) فقالت باختصار: كأنه القرآن.
ومن أجل التصنيف الفني للدراسة يمكن أن نقسم سيرته (صلى الله عليه وآله وسلم) بعدة لحاظات، فتارة نستقرىء سيرته (صلى الله عليه وآله وسلم) على صعيد العلاقة بربه، وأخرى علاقته بنفسه، أو، قل حياته الخاصة، وثالثة علاقته بمجتمعه وأمته، والتي يقوم برعايتها وسياستها، ورابعة على صعيد علاقاته بخصومه في داخل المجتمع، أو، على مستوى الأمم والدول الأخرى، مع التحفظ على جعل العلاقة بربه قسماً مقابل بقية الأقسام، لأننا سنرى من سيرته (صلى الله عليه وآله وسلم) أنه (صلى الله عليه وآله وسلم) كان يعيش في كل لحظة لله، ومع الله، وفي الله، ولكنه مجرد تقسيم فني.
وهذه كلها محاور للبحث، وكل محور غني بالدروس والمواقف والنتائج الكبيرة.
ولكننا نحاول في هذه الدراسة توظيف هذه الأقسام ضمن إطارين، لتحقيق هدفين من خلال التأسي به (صلى الله عليه وآله وسلم):
الأول: بناء الذات، أي تكميل النفس، وهو ما نستطيع أن نسميه بالجانب الفردي من سيرته (صلى الله عليه وآله وسلم) الشامل لعلاقته بربه ولعلاقته بنفسه.
الثاني: إصلاح المجتمع أو سياسة الأمة الذي يشمل سلوكه مع أتباعه وغيرهم، وطريقة تعامله مع الآخرين أفراداً ودولاً، ويمكن تسميته بالجانب الإجتماعي من سيرته (صلى الله عليه وآله وسلم)، وإنما إلتجأنا إلى هذا الدمج لأكثر من أمر:
1- العلاقة الوثيقة بين الأصناف، بحيث يصعب إدراج المفردة في هذا القسم، أو، ذاك.
2- إننا شخصنا خلال تجربتنا وجود خلل كبير في تربية الأمة بهذين الإتجاهين، أعني الجانب الأخلاقي المتكفل بتهذيب النفس وإصلاحها وتطهير القلب، والجانب الإجتماعي: أي الوعي الحركي، الذي يستهدف فهم شمولية الإسلام، وقابليته على قيادة الحياة، واستيعابه لكل الفعاليات البشرية ومتطلبات الحضارة الإنسانية؛ فبهذا التقسيم الثنائي يكون تغطية هذين الجانبين واضحاً، حيث يمثل الأول فيهما الأول، والثاني الثاني، وان الخطوة الأولى في السعي لإصلاح المجتمع والتصدي للمسئوليات العامة هو إصلاح الذات، ففي الحديث (مُعَلِّمُ نَفْسِهِ وَمُؤَدِّبُهَا أَحَقُّ بِالإِجْلالِ مِنْ مُعَلِّمِ النَّاسِ وَمُؤَدِّبِهِمْ)(67) ، ولا قيمة للثاني من دون الأول، أي لا قيمة للعمل الإجتماعي مهما عظم إذا خلا من الإخلاص والهدف الحقيقي المتمثل برضا الله تبارك وتعالى.
المحور الأول : في بناء الذات أساس البناء المعرفة بالله تبارك وتعالى
واساس هذا البناء المعرفة بالله تبارك وتعالى، كما قال أمير المؤمنين (عليه السلام): (أول الدين معرفته)(68) ، وقد كانت معرفته (صلى الله عليه وآله وسلم) بالله تبارك وتعالى أكملها، فقد كان (صلى الله عليه وآله وسلم) يعيش لله ومع الله تبارك وتعالى في كل حركاته وسكناته، ويجد الله تعالى في كل شيءٍ، فما من كلمة يقولها، أو، فعل يفعله، أو، تركٍ يتركه، إلا وفيه لله سبحانه رضا، ولو خُيِّر بين فعلين اختار أرضاهما لله، ولو كان هو الأشد على نفسه، قال لتلميذه الأول أمير المؤمنين (عليه السلام) والمتأدب بأدبه (صلى الله عليه وآله وسلم): (الْجَلْسَةُ فِي الْجَامِعِ خَيْرٌ لِي مِنَ الْجَلْسَةِ فِي الْجَنَّةِ، لأَنَّ الْجَنَّةَ فِيهَا رِضَى نَفْسِي، وَالْجَامِعَ فِيهِ رِضَى رَبِّي)(69).
كان (صلى الله عليه وآله وسلم) في حالة ذكر دائم لله سبحانه وتعالى، دلَّ عليه ما روي من مكارم أخلاقه، حيث تجد له في كل حالٍ ذكراً، فللأكل دعاء، وللنوم دعاء، وللتخلِّي دعاء، وللوضوء دعاء، وللسفر دعاء، إذا انتبه من نومه أجال نظره في السماء، وقرأ قوله تعالى: (إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لآياتٍ لأُولِي الأَلْبَابِ، الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَاماً وَقُعُوداً وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلاً سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ)(70) ، وينهي يومه حين يأوي إلى فراشه بتلاوة سور المسبحات التي تبدأ بكلمات التسبيح كسورة الحديد والحشر والصف والجمعة والتغابن، فكانت حياته (صلى الله عليه وآله وسلم) كلها عبارة عن فناء تام في الله سبحانه، وإذا إقتضت طبيعته البشرية وجسده المادي أن يعطيه حقه من نوم، أو، نحوه مما يراه (صلى الله عليه وآله وسلم) غفلة عن الله تبارك وتعالى، وإعراضاً عن ذكره، وتقصيراً في مقام العبودية، فكان يستغفر الله سبحانه من ذلك، حتى نزل الوعد من قبل المولى تبارك وتعالى (إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحاً مُبِيناً، لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ وَيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَيَهْدِيَكَ صِرَاطاً مُسْتَقِيماً، وَيَنْصُرَكَ اللَّهُ نَصْراً عَزِيزاً)(71) وإن كان الإعتقاد فيهم أنهم (عليهم السلام) إذا ناموا نامت أعينهم فقط، أما قلوبهم فهي واعية متصلة ببارئها، كما هو المنقول عنهم (عليهم السلام)، قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): (تنام عيني ولا ينام قلبي)(72).
كان (صلى الله عليه وآله وسلم) يوظِّف كل شيء حباه الله به لطاعة الله ونيل رضوانه: نفسه وماله وولده وجاهه ومشاعره وأحاسيسه، وهو (صلى الله عليه وآله وسلم) الذي يقول لأبي ذر: (يا أبا ذر ليكن لك في كل شيء نية صالحة حتى في النوم والأكل)(73)، فتعجب أبو ذر: كيف تكون هذه العملية التي هي أوضح مصداق لتلبية شهوات النفس طاعة وعبادة لله سبحانه، فشرح (صلى الله عليه وآله وسلم) له: أليس فيها إدخال للسرور على أهلك، وتحصين نفسك وزوجتك من الحرام، وزيادة في عدد النسمات التي تلهج بتوحيد الله تبارك وتعالى، وكل تلك النيات يمكنك أن تجعلها طاعات وقربات إلى الله سبحانه.
تنازل (صلى الله عليه وآله وسلم) عن كل شيء لله سبحانه، وأول ما تنازل عنه نفسه، فذبح شهواتها على منحر الإخلاص لله سبحانه، (والجود بالنفس اقصى غاية الجود)، وتحرَّر منها، فلم يعد لها سبيل عليه، فكان عبداً مخلصاً لله سبحانه، بل النموذج الأكمل لعباد الله المخلصين، الذين اعترف الشيطان وأقرَّ بأنه لا سبيل له عليهم (قَالَ فَبِعِزَّتِكَ لأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ، إِلا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ)(74).
ما عرف الله أحد مثله، وهو القائل لعلي (عليه السلام): (يا علي ما عرف الله إلا أنا وأنت)(75) ، لذلك كانت له مع الله تعالى حالاً وصفها (صلى الله عليه وآله وسلم) بأنها لا يحتملها ملك مقرَّب ولا نبي مرسل، عندما عُرج به (صلى الله عليه وآله وسلم) إلى السماء حتى كان قاب قوسين، أو، أدنى دنواً وإقتراباً من العلي الأعلى، وكان معه الروح الأمين جبرئيل (عليه السلام) فتخلف عنه حينذاك وقال: (تقدَّم يا رسول الله ليس لي أن أجوز هذا المكان، ولو دنوت أنملة لاحترقت) (76) ولمعرفته بحقيقة العبودية لله سبحانه كان كثير العبادة لا يفتر عنها، وقد قال(صلى الله عليه وآله وسلم): (قرة عيني الصلاة)(77) ، لأنها معراجه (صلى الله عليه وآله وسلم) وقربانه واتصاله بالحبيب، يصلي حتى تتورم قدماه، فيقف على واحدة ويرفع الأخرى لتستريح قليلاً، فعوتب من قبل الرب (طه، مَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقَى)(78).(79)
إن العبودية الحقيقية هي الطاعة المطلقة لله سبحانه، ونبذ كل معبود دونه، وأية معصية هي شرك بالله العظيم لأنها ناشئة من عبادة وطاعة غيره، سواء كانت النفس الأمَّارة بالسوء، أو، شياطين الجن، أو، شياطين الإنس وطواغيتهم، الذين نصبوا أنفسهم أرباباً من دون الله سبحانه، أو، العرف والعادة التي يرضخ لها الإنسان ويطيعها، وإن كان في ذلك معصية الله سبحانه، أو، السلف الذي يُقدَّس أحياناً ويُتبَّع، ويُجعل هو المقياس للحق لا الحق مقياساً لصالحه من باطله، كل هذه الآلهة التي تُعبد من دون الله تعالى نبذها رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)، وأشار إليها الله تبارك وتعالى في كتابه الكريم (أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَى عِلْمٍ)(80) (اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَاباً مِنْ دُونِ اللَّهِ)(81) (مَا أُرِيكُمْ إِلا مَا أَرَى)(82) (فَاسْتَخَفَّ قَوْمَهُ فَأَطَاعُوهُ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْماً فَاسِقِينَ)(83) (قَالُوا يَا شُعَيْبُ أَصَلاتُكَ تَأْمُرُكَ أَنْ نَتْرُكَ مَا يَعْبُدُ آبَاؤُنَا أَوْ أَنْ نَفْعَلَ فِي أَمْوَالِنَا مَا نَشَاءُ)(84) (وَلا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضاً أَرْبَاباً مِنْ دُونِ اللَّهِ)(85) واعترض بعضهم على الإمام (عليه السلام): إننا لم نعبد أحبارنا ورهباننا، قال (عليه السلام): نعم، لم تسجدوا لهم، لكنهم أمروكم فأطعتم، ونهوكم فانتهيتم، وشرَّعوا لكم قوانين وأنظمة مخالفة لشريعة الله، فاتبعتموهم، وهذا هو المعنى الحقيقي للعبادة، وفي الحديث (مَنْ أَصْغَى إِلَى نَاطِقٍ فَقَدْ عَبَدَهُ، فَإِنْ كَانَ النَّاطِقُ يُؤَدِّي عَنِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ فَقَدْ عَبَدَ اللَّهَ، وَإِنْ كَانَ النَّاطِقُ يُؤَدِّي عَنِ الشَّيْطَانِ فَقَدْ عَبَدَ الشَّيْطَانَ)(86).
وقد تكفَّل الله تبارك وتعالى بحمايته (صلى الله عليه وآله وسلم) من هذه المؤثرات، وانقطاعه عن كل تلك الأسباب التي تحرف الفطرة، وتوقع في الخطأ، منذ ولادته (صلى الله عليه وآله وسلم)، كما ينقل لنا أمير المؤمنين (عليه السلام): (ولقد قرن الله به من لدن أن كان فطيماً أعظم ملك من ملائكته، يسلك به طريق المكارم ومحاسن أخلاق العالم ليله ونهاره)(87) ، وعن الإمام الباقر (عليه السلام) (ووكّل بمحمد ملكاً عظيماً منذ فصل عن الرضاع، يرشده إلى الخيرات ومكارم الأخلاق، ويصده عن الشر ومساوئ الاخلاق)(88) .
ومن مظاهر هذه الرعاية ما ورد عن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): (أذكر وأنا غلام إبن سبع سنين، وقد بنى إبن جذعان داراً له بمكة، فجئت مع الغلمان نأخذ التراب والمدر في حجورنا فننقله، فملأت حجري تراباً، فانكشفت عورتي، فسمعت نداءاً من فوق رأسي: يا محمد أرخ ازارك، فجعلت أرفع رأسي فلا أرى شيئاً، إلا أني أسمع الصوت، فتماسكت ولم أرخه، فكأن انساناً ضربني على ظهري فخررت لوجهي، وانحل إزاري، وسقط التراب إلى الأرض، فقمت إلى دار أبي طالب عمي ولم أعد)(89).
لذلك كان (صلى الله عليه وآله وسلم) رافضاً منذ أيامه الأولى للأوثان التي يعبدها قومه، وللآثام التي يفعلونها، ففي سن الثانية عشرة جرى بينه (صلى الله عليه وآله وسلم) وبين الراهب النصراني بحيرا حوار، فسأله الراهب واستحلفه باللات والعزى، فقال (صلى الله عليه وآله وسلم): (لا تسألني باللات والعزى، فوالله ما أبغضت شيئاً بغضهما)(90).
إن العبودية الكاملة لله سبحانه هي معنى العصمة التي نعتبرها الشرط الأول في مقامات النبوة والإمامة، وفي الخبر (إن الله إتخذ ابراهيم عبداً قبل أن يتخذه نبياً، واتخذه نبياً قبل أن يتخذه رسولاً، واتخذه رسولاً قبل أن يتخذه خليلاً، ثم إبتلاه بكلمات فأتمهن قال: إني جاعلك للناس إماماً) وهذه المقامات كلها قد تجاوزها رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)، وإذا كانت إمامة خليل الرحمن إبراهيم محدودة فإن إمامة رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) لتكميل نفوس العالمين، والإرتقاء بهم، مفتوحة وواسعة، ولا زالت تتكامل البشرية ببركاته (صلى الله عليه وآله وسلم).
وليعلم الإنسان أنه لا بد من إلهٍ يُعبد، وشيء يطاع، فإن لم يكن الله تبارك وتعالى كان غيره مما ذكرناه، وكفى بذلك خسراناً مبيناً أن يرمي نفسه في أحضان هذه الآلهة، التي لا تملك لنفسها فضلاً عن غيرها ضراً ولا نفعاً ولا موتاً ولا حياة ولا نشوراً، فليعرف الإنسان قيمة هذه الجوهرة الثمينة التي حباه الله بها، وجعلها قابلة لأن ترتقي فوق مقام الملائكة المقربين: (من عرف نفسه فقد عرف ربَّه)(91) ، ولا يفرِّط بها فيبيعها بثمنٍ بخس.
ولذا كانت المعرفة بالله سبحانه، أي المعرفة بحقيقته وكنه مقام الربوبية ومقام العبودية رأس الفضائل وأساس التكامل، قال أمير المؤمنين (عليه السلام): (أول الدين معرفته)(92) ، والعمل بلا علم ومعرفة لا قيمة له مهما كثُر، بينما له كل القيمة إذا كان مع معرفة وإن قلَّ، وإن الله سبحانه يقيِّم عباده في ضوء معرفتهم به تبارك وتعالى، لذا كان رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) أفضل الأنبياء وأشرف الخلق، لأنه أكملهم معرفة.
إن هذه الحياة الدائمة في رحاب الله سبحانه، والذكر المستمر له وعدم الغفلة عنه، ترشحت منه نتائج كثيرة رسمت ملامح شخصيته (صلى الله عليه وآله وسلم)، وكانت العلة وراء كل تصرفاته وسلوكياته، وهنا أودُّ إلفات نظر القادة والمصلحين إلى سنة إلهية، تختصر علينا الطريق وتزيدنا بصيرة في العمل، وأُحيل التفاصيل إلى كتب أخرى: كـ(دور الأئمة في الحياة الاسلامية)، و(شكوى القرآن)، و(شكوى الإمام) ونحوها.
فقد ذكرتُ في أكثر من مناسبة:
الالتفات إلى العلل أهم من المعلولات
أنه ينبغي على كل مصلح يريد أن يتأسى بقيادة القادة وسادة السادة ويسعى للتغيير في النفس والمجتمع أن يلتفت إلى جانب العلل قبل جانب المعلولات، وإذا فكر بعكس ذلك فانه سيتعب نفسه ويضيِّع جهوده، ولا تتحقق إلا نتائج بسيطة لا تناسب حجم الجهد المبذول، ومثاله في طب الأبدان: أن الطبيب الحاذق لا يكتفي بمعالجة الأعراض والظواهر كارتفاع درجة الحرارة، أو، الألم وعدم الشهية ونحوها، وإنما يشخِّص العلة الحقيقية وراء هذه الأعراض فيعالجها، ولو اكتفى بمعالجة الأعراض والآثار والمعلولات دون العلة فهو ليس بطبيب، ونفس الكلام يأتي في طب النفس والمجتمع، فإذا كان المجتمع يعاني من تسلط الاشرار، وما أكثر إبتلاء أمتنا الإسلامية عبر التاريخ والى اليوم بهذا البلاء، فليس من الحكمة أن تعمل لإزالة الأشرار بالسلاح ونحوه، مع بقاء السبب لوجودهم، وهو إنتفاء الإخلاص لله سبحانه في العمل، وإبتعاد الأمة عن تطبيق الشريعة وعدم إرتقائها إلى مستوى المسئولية، وترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وقد بيَّنتْ كثيرٌ من الأحاديث العلاقة الحميمة بين ترك هذه الفريضة وتسلّط الأشرار وعدم إستجابة الدعاء، لأن شكل المتسلطين مناسب للإتجاه العام في المجتمع ومن إفرازاته، ولا يمكن له الدوام والبقاء إذا كان من سنخ مغاير، لذا لما إستشرى في المجتمع الميل إلى الدنيا وحب الدِّعة والراحة، وترك العمل من أجل الله سبحانه والتضحية في سبيله، كانت النتيجة الحتمية أن لا يدوم الأمر لأمير المؤمنين (عليه السلام)، والإمام الحسن (عليه السلام)، مما إضطره إلى التصالح والمهادنة، وعلى العكس حينما تقوى إرادة الأمة وترفض الواقع المنحرف، فسوف لا تكون فرصة البقاء متاحة أمام الأشرار، قال تعالى: (فَلَوْلا كَانَتْ قَرْيَةٌ آمَنَتْ فَنَفَعَهَا إِيمَانُهَا إِلا قَوْمَ يُونُسَ لَمَّا آمَنُوا كَشَفْنَا عَنْهُمْ عَذَابَ الْخِزْيِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَتَّعْنَاهُمْ إِلَى حِينٍ)(93) ، وقال تعالى: (فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ أَنْجَيْنَا الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ السُّوءِ وَأَخَذْنَا الَّذِينَ ظَلَمُوا بِعَذَابٍ بَئِيسٍ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ)(94) ، ومن أهم أشكال العذاب تسلُّطُ الأشرار الذين يتخذون عباد الله خولاً وماله دولاً، والإلتفات إلى مثل هذه السنن الإلهية يختصر الطريق على المصلحين، وتبيِّنُ لهم برامج عملهم، وهو ما شخَّصناه بفضل الله تبارك وتعالى في زمن الطاغية المدحور، وعملنا به بأوسع أشكاله وساحاته، حتى مَنَّ الله تعالى على الأمة بزواله، وجرياً على هذه السنة الإلهية كان الأئمة (عليهم السلام) يكرِّسون عملهم في عصر الأمويين والعباسيين للتغيير في جانب العلة (إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ)(95) وحتى لو أُتيحت لهم فرصة الإستفادة من المعلولات والآثار، أعني إمكانية تسلُّم مناصب قيادية، فإنهم لم يعيروها إهتماماً، لأنها لا قيمة لها، وكالورقة في مهب الريح، ما دام العمل غير تام في جانب العلل، وحادثة الإمام الصادق (عليه السلام) مع أبي مسلم الخرساني حينما أسقط الدولة الأموية وطَهَّر الأرض من أدناسها، عرض تسليم الأمر إلى الإمام (عليه السلام)، لكن الإمام أجابه بوضوح: لستَ من رجالي، ولا الزمان زماني، لأن الأمة لم تصل إلى مستوى من التربية تؤهلها لوعي الإسلام، والحرص على تطبيقه في الحياة، والتضحية في سبيل إعلاء كلمة الله تعالى، بل (الناس عبيد الدنيا والدين لعق على ألسنتهم يحوطونه ما درّت معائشهم فاذا مُحصّوا بالبلاء قلَّ الدّيانون)(96).
ولذلك كان الأئمة (عليهم السلام) يميِّزون بوضوح بين شكلين من الحركات التي تحمل السلاح في وجه السلطة:
الأولى: تلك الحركات التي كانت تستهدف التغيير والإصلاح في المجتمع، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والحفاظ على منهج الإسلام النقي الأصيل وإحياء الوازع الديني في النفوس، كحركة زيد الشهيد (عليه السلام)، فكانوا يشيدون بأصحابها، وهي نادرة، كترحُّم الإمام الصادق (عليه السلام) على عمه زيد، وكذا الإمام الرضا (عليه السلام)، ودعاء الإمام الصادق (عليه السلام) ويداه ترتعشان على من هجا زيداً بالبيتين المعروفين:
|
صلبنا لكم زيداً على جذع نخلةٍ |
ولم نر مهدياً على الجذع يصلبُ ... الخ |
بأن يسلط عليه كلباً من كلابه، فافترسه الأسد، وقد أدلج (97).
الثانية: الحركات التي تتوجه إلى تغيير الحكام من دون العمل على إصلاح الواقع الفاسد، فهؤلاء كان الأئمة (عليهم السلام) ينأون بأنفسهم بعيداً عنهم، وينهونهم عن الخروج، لعدم صلاح نياتهم، وربما تبرأوا منهم، وهذا التبرّي له عدة وجوه، أحدها ما ذكرناه من الإختلاف في وجهات النظر في أسلوب العمل.
وبالإلتفات إلى هذين الشكلين نستطيع أن نفهم إتجاهين من الروايات:
أحدهما: التي تحثُّ على الحركة والخروج على السلطات الجائرة، ومنها كتاب الإمام الحسين (عليه السلام) الذي أرسله إلى أشراف الكوفة: (فقد علمتم أن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) قد قال في حياته: من رأى سلطاناً جائراً مستحلاً لحرم الله ناكثاً لعهد الله مخالفاً لسنة رسول الله يعمل في عباد الله بالإثم والعدوان، ثم لم يغيّر بقول ولا فعل، كان حقيقاً على الله أن يُدخله مدخله)(98) ، ومثل قول الإمام الصادق (عليه السلام): (لوددتُ أن الخارجي يخرج من آل محمد، وعَلَيَّ نفقة عياله)(99) ، وقوله (عليه السلام): (لا أزال أنا وشيعتي بخير ما خرج الخارجي من آل محمد)(100).
ثانيهما: الروايات الناهية عن كل ذلك، والمحذِّرة من إتِّباع مثل هذه الحركات، وأنها ضالة، كحديث (كُلُّ رَايَةٍ تُرْفَعُ قَبْلَ قِيَامِ الْقَائِمِ فَصَاحِبُهَا طَاغُوتٌ يُعْبَدُ مِنْ دُونِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ)(101).
حيث ظهر وجه الجمع بينهما، بحمل الأولى على الشكل الأول، والثانية على الثاني، وهو ليس جمعاً تبرعياً لا دليل عليه، بل إن سيرتهم (عليهم السلام) ومواقفهم من تلك الأحداث تؤيد هذه النظرة.
عودة الى الحديث عن المعرفة بالله تبارك وتعالى
يقول أهل المعرفة: إن يعقوب (عليه السلام) لما بكى حتى إبيضت عيناه من الحزن فهو كظيم، لم يكن ذلك لأجل فقدان يوسف (عليه السلام)، وإن كان خطباً عظيماً، وإنما بكى لأجل التوبة من التقصير الذي ظهر منه أمام المولى، حتى عوقب بذلك، وأيُّ واحدٍ منا عندما يبتلى ببلاء، أو، يُحرم من طاعة كصلاة الليل، أو، صلاة الفجر، فعليه أن يفكِّر بإصلاح ما فسد من حاله الذي أدَّى به إلى هذه النتيجة(102).
إن مقام النبوة والإمامة، وكذا ما ينوب عنهما من المرجعية، يمكن أن يُفهم على كلا المستويين، مستوى العلل، وحينئذٍ يكون كاشفاً عن تلك الدرجة من الكمال والتربية التي يصل إليها الإنسان ليستحق هذه المقامات الشريفة، ويمكن أن يُفهم في جانب المعلولات، ويكون معناه ذلك التشريف العظيم حين يختاره الله تبارك وتعالى ويصطفيه من بين عباده ليتبوأ هذه المقامات الشريفة.
ومن خطل التفكير أن تشرأبَّ الأعناق لنيل هذه المقامات دون السعي إلى تهيئة عللها، كما فعل أصحاب رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) حينما قال (صلى الله عليه وآله وسلم) في معركة خيبر: (لأعطينَّ الراية غداً رجلاً يُحبُّ الله ورسوله، ويُحبُّه الله ورسوله، كرار غير فرار، لا يرجع حتى يفتح الله على يديه) (103)وقد وصفهم الأزري في هائيته:
فاستطالت أعناق كل فريقٍ ليروا أي ماجدٍ يعطاها
ولم يفكِّر أحدٌ منهم بأنه هل وصل إلى المستوى الذي يؤهله للتشرف بهذه الكرامة، ولم يستحقها إلا أمير المؤمنين (عليه السلام).
كلُّ واحدٍ منا يود أن يكون من المتقين، ومن المفلحين، ومن الذين يرثون الفردوس، ومن الذين يحبهم الله، ومن السابقين السابقين، وغيرها من العناوين الشريفة، التي لها إستحقاقات عظيمة، وهذا شيء جيد وحسن أن يطمح الانسان في هذه المراتب، ويتسابق إليها، لكن هذه الإستحقاقات لا تنال إعتباطاً، وإنما لها مبادئ وعلل، فمثلاً ذكر الله تعالى مبادئ وعللاً وأوصاف لورثة الفردوس، فمن أراد أن يكون منهم فليحققها فيه، قال تعالى: (بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ، الَّذِينَ هُمْ فِي صَلاتِهِمْ خَاشِعُونَ، وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ، وَالَّذِينَ هُمْ لِلزَّكَاةِ فَاعِلُونَ، وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ، إِلا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ، فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ، وَالَّذِينَ هُمْ لأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ، وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَوَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ، أُولَئِكَ هُمُ الْوَارِثُونَ، الَّذِينَ يَرِثُونَ الْفِرْدَوْسَ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ)(104).
وهكذا في وصف عباد الرحمن والمتقين وغيرهم، فاْسعَ إذن لتحقيق هذه المبادئ والعلل، وستكون المعلولات، وهي الأوصاف والمقامات التشريفية، نتيجة حتمية لتلك العلل.
قلتُ في أكثر من مناسبة: أن أحدكم(105) قد يتأذى لو كان مدرِّساً فترك أحد الطلبة حلقة درسه، أو، كان إمام جماعة فترك أحد المأمومين الصلاة خلفه، أو، كان مرجعاً فعدل أحد المقلدين عن تقليده، وكان عليه بدلاً من أن يتأذى من هذا المسكين، ويصب عليه جام غضبه، أن يفتش في نفسه عن العلة التي أوجبت ذلك فيسعى في إصلاحها.
كانت هذه الفكرة واضحة في ذهن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)، حيث كانت إرهاصات بعث نبي جديد تدور في أرجاء الجزيرة، نتيجة لما بَشَّرت به الديانات السابقة، ووضعت له من علامات تحقَّق أغلبها، وكان أكثر من شخص وطائفة يتمنونها فكان اليهود (وَلَمَّا جَاءَهُمْ كِتَابٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَهُمْ وَكَانُوا مِنْ قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا فَلَمَّا جَاءَهُمْ مَا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ فَلَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الْكَافِرِينَ)(106) وكان أبو عامر الراهب الفاسق والد حنظله غسيل الملائكة في أحد، حنظلة الذي ترك قومه في المدينة مغضباً حينما بايعوا رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)، وكان مَنْ يقول (لَوْلا نُزِّلَ هذَا الْقُرْآنُ عَلى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ)(107) وهو الثقفي، أما رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) فكان تفكيره حكيماً، لأنه علم أن هذا المنصب الشريف لا يُعطى إلا بعد تربية مكثفة، وإنعزال تام عن إنحرافات المجتمع وشروره، فحبِّب إليه الإختلاء في غار حراء(108) لينفرد بالخالق، ويتفكر في المخلوقات، ويطيل التأمل في الوجود والحياة وسرهما، والهدف من وراء هذا الكون المترامي الأطراف بكل ما يحمله من دقة وتناسق وتنظيم، وتجرَّدَ عن الماديات حتى يفنى بالعظيم الذي بيده كل ذلك.
ولما تكاملت التربية التي تولاها الله تبارك وتعالى بنفسه، لعدم وجود من هو أكمل منه يربيه، وتَمَّ الأدب: (أدَّبني ربي فأحسن تأديبي)، كان من الطبيعي جداً أن يحضى بالشرف العظيم: السفارة الإلهية، والرسالة عن الله سبحانه وتعالى الخالق إلى المخلوقين، وأن يكون الواسطة في الفيض الإلهي على البشرية جميعاً، والسبب في هداية الناس، وتكميل نفوسهم بالفضائل، وتطهيرها من الرذائل، وفي الحديث عن الصادق (عليه السلام): ( إِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ أَدَّبَ نَبِيَّهُ فَأَحْسَنَ أَدَبَهُ، فَلَمَّا أَكْمَلَ لَهُ الأَدَبَ قَالَ: (إِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ) ثُمَّ فَوَّضَ إِلَيْهِ أَمْرَ الدِّينِ وَ الأُمَّةِ لِيَسُوسَ عِبَادَهُ، فَقَالَ عَزَّ وَجَلَّ: (ما آتاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَما نَهاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا) وَإِنَّ رَسُولَ اللَّهِ (صلى الله عليه وآله وسلم) كَانَ مُسَدَّداً مُوَفَّقاً مُؤَيَّداً بِرُوحِ الْقُدُسِ، لا يَزِلُّ وَلا يُخْطِئُ فِي شَيْءٍ مِمَّا يَسُوسُ بِهِ الْخَلْقَ)(109).
وفي حديث آخر (إِنَّ اللَّهَ اتَّخَذَ إِبْرَاهِيمَ عَبْداً قَبْلَ أَنْ يَتَّخِذَهُ نَبِيّاً ) (110)، فالخطوة الأولى: التربية المتكاملة حتى بلوغ العبودية المحضة لله سبحانه، ومن ثَمَّ إفاضة المناصب الإلهية، ولكل منصب تربيته المناسبة، فإن تكملة الحديث السابق: (وَإِنَّ اللَّهَ اتَّخَذَهُ نَبِيّاً قَبْلَ أَنْ يَتَّخِذَهُ رَسُولاً، وَإِنَّ اللَّهَ اتَّخَذَهُ رَسُولاً قَبْلَ أَنْ يَتَّخِذَهُ خَلِيلاً، وَإِنَّ اللَّهَ اتَّخَذَهُ خَلِيلاً قَبْلَ أَنْ يَجْعَلَهُ إِمَاماً، فَلَمَّا جَمَعَ لَهُ الأَشْيَاءَ قَالَ: (إِنِّي جاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِماماً)(111))(112).
هذه هي مرتبة الإمامة وسمو مقامها، فهي فوق كل منصب، لأنها قيادة البشرية نحو تكميل النفوس بالفضائل، وتخليتها عن الرذائل، فلا يقوم بها إلا من بلغ أعلى درجاتها.
ومما يضحك الثكلى أن يُعطى هذا اللقب إلى من تفصله مسافة طويلة عن كمال النفس، فكيف سيكون سبباً لتكميل الآخرين، وفي الحديث: (لا يَكُونُ السَّفِيهُ إِمَامَ التَّقِيِّ)(113) وكل مَنْ تصدر منه معصية فهو سفيه حتى يتوب، لأن: (العقل ما عبد به الرحمن)(114)، كما في الحديث، فمعصيته تبارك وتعالى سفاهة، وتغييب للعقل، وبه استدل على عصمة الإمام (عليه السلام).
خصائص نفسية للنبي (صلى الله عليه واله وسلم)
وقد تحصلت إلى الآن عدة خصائص نفسية له (صلى الله عليه وآله وسلم).
الأولى: الفناء التام في الله تبارك وتعالى، والعبادة الدائمة له سبحانه، بحيث يكون الله تبارك وتعالى، هدفه دائماً، والمحور الذي ترتكز عليه كل تفاصيل حياته، والإخلاص في الطاعة.
الثانية: المعرفة التامة بحقيقة الربوبية وحقوقها، والعبودية ووظائفها .
الثالثة: عدم التصدي لموقع، أو، منصب إلا أن يولِّيه الله سبحانه إياه، وغاية ما يفعله أن يهيء في نفسه الإستعداد والأهلية للعطاء الإلهي، وعندئذ يفيض الله سبحانه على العبد ما يستحقه، فانه تبارك وتعالى لا بخل في ساحته، ولا يحجب عطاءه عن أحد، إلا أن تحجبهم الذنوب دونه، وقد طبَّق (صلى الله عليه وآله وسلم) ذلك على أصحابه، فكان (صلى الله عليه وآله وسلم) يقول: لا نولِّي الأمر أحداً يطلبه ويسعى إليه، وإنما نحن الذين نختار للأمر من نشاء.
الرابعة: الأدب الرفيع مع الله سبحانه بالتسليم المطلق له تبارك وتعالى، فلا يقترح على الله شيئاً، ولا يعزم على أمر دون أن يستاذنه تبارك وتعالى، حتى في مثل تسمية سبطيه، فحينما قال له علي وفاطمة (عليهما السلام): سم
ِّ الوليد هذا فنحن لا نسبقك، قال (صلى الله عليه وآله وسلم): ما كنت لاسبق ربي بتسميته فنزل عليه الوحي من الله تبارك وتعالى يخبره بتسميته حسناً، وكذا تسمية أخيه الحسين (عليه السلام). وكان (صلى الله عليه وآله وسلم) لا يبتُّ في أمر حتى يقول (صلى الله عليه وآله وسلم): أمهلني حتى يأتيني حبيبي جبرئيل؛ حتى في لحظاته الأخيرة حينما خَيَّره ملك الموت بإذن الله بين اللحوق بالرفيق الأعلى، أو، الخلود في الدنيا، وهو على ما هو عليه من المنزلة الرفيعة، فاستمهله حتى يستأذن ربه(115)، فنزل عليه جبريل يقرأ عليه الآية الشريفة (وَلَلآْخِرَةُ خَيْرٌ لَكَ مِنَ الأُْولى وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضى)(116) ؛ فمثَّل بذلك العبودية الحقيقية لله سبحانه، وهذا وجه لفهم ما ورد: أن الله سبحانه وتعالى خلق الكون وما فيه من أجله (صلى الله عليه وآله وسلم) وأهل بيته، والوجه أن الله سبحانه يقول (وَما خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِْنْسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ)(117) ولم تتحقق العبودية الكاملة إلا فيه (صلى الله عليه وآله وسلم) وأهل بيته، فصحَّ أن خلق الجن والانس كان لأجلهم (عليهم السلام). وقد أدَّب الله تعالى عباده بذلك فضلا عن رسوله الكريم (صلى الله عليه وآله وسلم)، فقال تبارك وتعالى: (فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيما شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجاً مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيماً)(118).5- تطبيق الشريعة في كل تفاصيل حياته، ومراجعة بسيطة لكتاب مكارم الأخلاق تعطيك الشاهد على ذلك، فكل
ُّ حركاته وسكناته كانت وفق الشريعة، بل كانت أفعاله عين الشريعة وتأسيساً لها .
صفات القائد الرسالي المبنية على المعرفة بالله تبارك وتعالى
وقد قلنا إن هذه الخصائص ترشَّحت عنها نتائج كثيرة رسمت ملامح شخصيته (صلى الله عليه وآله وسلم)، وكانت العلة لتصرفاته وسلوكه (صلى الله عليه وآله وسلم)، وهي تمثِّل صفات وخصائص من يتولى أمر الأمة تأسياً برسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)، ومن هذه الصفات:
التذكُّر الدائم لقدرة الله عليه والتصرف بحاله، ومن ذلك توقعه الموت في أية لحظة، كان (صلى الله عليه وآله وسلم) يقول: (مَا طَرَفَتْ عَيْنَايَ إِلا ظَنَنْتُ أَنَّ شُفْرَيَّ(119) لا يَلْتَقِيَانِ حَتَّى يَقْبِضَ اللَّهُ رُوحِي، وَمَا رَفَعْتُ طَرْفِي وَظَنَنْتُ أَنِّي خَافِضُهُ حَتَّى أُقْبَضَ)(120) ؛ إشترى أسامة بن زيد وليدة(121)، وأجَّل الثمن مدة شهر، فقال (صلى الله عليه وآله وسلم): إن إسامة لطويل الأمل(122)، وكان ينهى ويحذر من طول الأمل، ويوصي بتذكر الموت دائماً فانه خير واعظ: قال (صلى الله عليه وآله وسلم) لأصحابه يوماً: (إِنَّ الْقُلُوبَ تَصْدَأُ كَمَا يَصْدَأُ الْحَدِيدُ، قِيلَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ وَمَا جَلاؤُهَا؟، قَالَ: قِرَاءَةُ الْقُرْآنِ وَذِكْرُ الْمَوْتِ)(123) ؛ ويقول عن طول الأمل: إنه ينسي الآخرة(124)؛ وفي الحديث (يشيب المرء وتشبُّ معه خصلتان، إتباع الهوى وطول الأمل)، وهما خصلتان رذيلتان، وينبع منهما الكثير من الشرور؛ كَانَ ضَحِكُ النَّبِيِّ (صلى الله عليه وآله وسلم) التَّبَسُّمَ؛ فَاجْتَازَ ذَاتَ يَوْمٍ بِفِتْيَةٍ مِنَ الأَنْصَارِ، وَإِذَا هُمْ يَتَحَدَّثُونَ وَيَضْحَكُونَ مِلْءَ أَفْوَاهِهِمْ؛ فَقَالَ: مَهْ، يَا هَؤُلاءِ مَنْ غَرَّهُ مِنْكُمْ أَمَلُهُ وَقَصَرَ بِهِ فِي الْخَيْرِ عَمَلُهُ فَلْيَطَّلِعِ الْقُبُورَ، وَلْيَعْتَبِرْ بِالنُّشُورِ، وَاذْكُرُوا الْمَوْتَ فَإِنَّهُ هَادِمُ اللَّذَّاتِ(125).إن لذكر الموت ثمرات عديدة :
1- يحجز المرء عن عمل المعاصي وإتباع الشهوات، فان من يكون متوقعاً للموت في أية لحظة كيف يقدم على معصية وهو يعتقد أنه قد يأتيه الأجل وهو على ذلك الحال فيختم له بالشقاء، فلو فكَّر كل مَنْ يهم
ّ بمعصية هذا التفكير لكان خير رادع عن القيام بها .2- يدعوه إلى الإسراع بالخيرات، والإزدياد من الطاعات، وإغتنام كل لحظة، وإستثمار كل آن في حياته، ليتقرب إلى الله سبحانه، ما دام يعتقد أنه قد لا يبقى إلى الزمن الثاني، وما دام كل رأسماله هو هذه اللحظات التي يعيشها، فلماذا لا يستثمرها في تجارة لن تبور؛ قال أمير المؤمنين (عليه السلام) في غرر كلامه: (فَمَنِ اشْتَاقَ إِلَى الْجَنَّةِ سَلا عَنِ الشَّهَوَاتِ، وَمَنْ أَشْفَقَ مِنَ النَّارِ رَجَعَ عَنِ الْمُحَرَّمَاتِ، وَمَنْ زَهِدَ فِي الدُّنْيَا هَانَتْ عَلَيْهِ الْمُصِيبَاتُ، وَمَنْ رَاقَبَ الْمَوْتَ سَارَعَ إِلَى الْخَيْرَاتِ)(126).
3- عدم تسويف التوبة، بل المبادرة إليها، والقيام بكل متطلباتها، من الاستغفار، والندم، وعقد العزم على عدم العود، وأداء الحقوق، ورَدِّ المظالم إلى أهلها .
4- عدم التكبر والغرور والطيش، ما دام يعلم أن نهايته إلى الموت والفناء، وهل يرضى عاقل أن يغتر، أو، يطغى بشيء زائل مهما كان عظيما في تصوره، فتزول اللذة وتبقى التبعة .
5- جلاء القلوب من الرين والصدا الذي يعتريه بسبب الذنوب، كالمرآة التي تصدأ من الغبار والدخان الذي تتعرض له، فتتضائل قابليتها على عكس الصور الخارجية بوضوح، كذلك القلب الذي هو مرآة الحقائق الواقعية يتكدر بغبار الذنوب ويسوَدُّ، وجلاؤه في الموعظة وذكر الموت، كما نقلنا عن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) قبل قليل وكما اوصى امير المؤمنين (عليه السلام) ولده الحسن (عليه السلام): اي بني أحي قلبك بالموعظة وأمته بالزهادة(127). ومن كلمات له (صلى الله عليه وآله وسلم) في الإهتمام بذكر الموت وبيان آثاره (أكثروا ذكر هادم اللذات، فانكم إن ذكرتموه في ضيق وسَّعه عليكم، فرضيتم به، فأُثبتم، وان ذكرتموه في غناء بغَّضَه إليكم، فجدتم به، فأُجرتم؛ فان المنايا قاطعات الآمال، والليالي مدنيات الآجال، فان أحدكم إذا مات فقد قامت قيامته، ويرى ماله من خير، أو شر، وإن المرء بين يومين، يوم يومٌ قد مضى احصي فيه عمله فختم عليه، ويومٌ قد بقي فلا يُدرى لعله لا يصل اليه، وإن العبد عند خروج نفسه وحلول رمسه يرى جزاء ما أسلف، وقلة غناء ما خلف، ولعله من باطل جمعه، أو، من حق منعه)(128).
فالموت، يا أحبتي، آت وكل آت قريب، ومن كلمات أمير المؤمنين (عليه السلام): (نَفَسُ الْمَرْءِ خُطَاهُ إِلَى أَجَلِهِ)(129) ، لأنه بكل نَفَس، يخطو خطوة إلى أجله، لذا ورد في بعض الكلمات: (إنك منذ يوم هبطت من بطن أمك استقبلت الآخرة واستدبرت الدنيا)(130). وفي رسالة بعثها الإمام الكاظم (عليه السلام) من سجنه المظلم إلى هارون العباسي: (أنه لن ينقضي عني يوم من البلاء إلا انقضى عنك معه يوم من الرخاء، حتى نقضي جميعاً إلى يوم ليس له انقضاء، يخسر فيه المبطلون)(131).
فلماذا إذن الإغترار بالدنيا مهما عظمت، ولماذا التنافس على أمور وهمية ليست حقيقية لأنها زائلة، كان الإمام الكاظم (عليه السلام) في تشييع جنازة، فوقف على القبر، ونظر إلى ذلك المكان الموحش المظلم الذي سيدفن فيه وحيداً غريباً، لا قرين معه إلا عمله، فقال (عليه السلام): (إِنَّ شَيْئاً هَذَا آخِرُهُ لَحَقِيقٌ أَنْ يُزْهَدَ فِي أَوَّلِهِ، وَإِنَّ شَيْئاً هَذَا أَوَّلُهُ لَحَقِيقٌ أَنْ يُخَافَ مِنْ آخِرِهِ)(132).
قال (صلى الله عليه وآله وسلم) لأحد أصحابه قيس بن عاصم المنقري: (يا قيس، إن مع العز ذلاً، وإن مع الحياة موتاً، وإن مع الدنيا آخرة، و إن لكل شيء حسيباً، وعلى كل شيء رقيباً، وإن لكل حسنة ثواباً، ولكل سيئة عقاباً، وإن لكل أجل كتاباً، وإنه يا قيس، لا بد لك من قرين يُدفن معك وهو حي، وتُدفن معه وأنت ميت، فإن كان كريماً أكرمك، وإن كان لئيماً أسلمك، لا يُحشر إلا معك، ولا تُحشر إلا معه، و لا تُسأل إلا عنه، ولا تُبعث إلا معه، فلا تجعله إلا صالحاً، فإنه إنْ كان صالحاً لم تأنس إلا به، وإن كان فاحشاً لا تستوحش إلا منه، وهو عملك)(133).
نزل جبرئيل الأمين على رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) يوماً وقال له: (يا محمد، السلام يقرئك السلام، ويقول لك: إن شئتَ صَيَّرْتُ معك جبال تهامة ذهباً وفضة، وخذ هذه مفاتيح كنوز الأرض، ولا ينقص ذلك من حظك يوم القيامة، قال: يا جبرئيل، وما يكون بعد ذلك؟، قال: الموت؛ فقال: إذن لا حاجة لي في الدنيا، دعني أجوع يوماً وأشبع يوماً، فاليوم الذي أجوع فيه أتضرع إلى ربي وأسأله، واليوم الذي أشبع فيه أشكر ربي وأحمده، فقال له جبرئيل: وفقتَ لكل خير يا محمد(134) فليكن هاجس (ثم ماذا) يراودنا دائماً حينما نغتر بالدنيا، ونزهو بالموقع، ونتنعم على حساب الآخرين .
وها قد وصلنا إلى صفة ثانية ترشحت عن المعرفة الإلهية بترابط وثيق لا يكاد ينفك، وهي :
الصفة الثانية: الإعراض عن زخارف الدنيا وزينتها وزبرجها، وهو شرط من شروط تشريفهم بهذا المنصب الجليل، كما ورد في دعاء الندبة (إذ اخترت لهم جزيل ما عندك من النعيم المقيم، الذي لا زوال له ولا اضمحلال، بعد أن شرطتَ عليهم الزهد في درجات هذه الدنيا الدنية وزخرفها وزبرجها، فشرطوا لك ذلك، وعلمتَ منهم الوفاء به، فقبلتهم وقربتهم وقدَّمتَ لهم الذكر العلي، والثناء الجلي، وأهبطتَ عليهم ملائكتك، وكرَّمتهم بوحيك، ورفدتهم بعلمك، وجعلتهم الذريعة إليك، و الوسيلة إلى رضوانك)(135) أدَّبه بذلك ربه (وَلا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلى ما مَتَّعْنا بِهِ أَزْواجاً مِنْهُمْ زَهْرَةَ الْحَياةِ الدُّنْيا لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ وَرِزْقُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَأَبْقى)(136) ، أي لا تنظر نظر راغب إلى ما متعنا أصنافاً من الكفار، فانه لا قيمة له مقابل ما أُوتي من القرآن العظيم، الذي يقودك إلى النعيم المقيم الدائم.
وخاطَبه ربه مذكِّراً بنعمة الله تعالى بإيتاء القرآن التي تندك أمامها كل نعمة، وخصوصاً الدنيوية فقال تعالى: (وَلَقَدْ آتَيْناكَ سَبْعاً مِنَ الْمَثانِي وَالْقُرْآنَ الْعَظِيمَ، لا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلى ما مَتَّعْنا بِهِ أَزْواجاً مِنْهُمْ وَلا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَاخْفِضْ جَناحَكَ لِلْمُؤْمِنِينَ)(137).
وقد صاغ (صلى الله عليه وآله وسلم) هذه التربية بقوله: (مَنْ أُوتِيَ الْقُرْآنَ فَظَنَّ أَنَّ أَحَداً مِنَ النَّاسِ أُوتِيَ أَفْضَلَ مِمَّا أُوتِيَ فَقَدْ عَظَّمَ مَا حَقَّرَ اللَّهُ، وَحَقَّرَ مَا عَظَّمَ اللَّهُ) (138)، وأدَّبه ربه أيضاً بقوله: (وَلا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَداةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ...، وَلا تَعْدُ عَيْناكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَياةِ الدُّنْيا ....)(139) ، فالحياة الحقيقية هي في رحاب الله تعالى ووسط أهل الله، في هذه الزخارف التافهة، وزَجَرَ من يخالف هذه المعايير في التعامل (عَبَسَ وَتَوَلَّى أَنْ جاءَهُ الأَْعْمى وَما يُدْرِيكَ لَعَلَّهُ يَزَّكَّى)(140). وكيف تطمح نفسه او ترنو عينه إلى شيء من متاع هذه الدنيا وهو (صلى الله عليه وآله وسلم) الذي شبهها بسحابة أظلتك، ثم لم تلبث أن زالت عنك، أو، أنت ظعنت عنها، وقال الشاعر:
ألا إنما الدنيا كظل سحابة أظلتك يوماً ثم عنك اضمحلت
وفي الحديث: لو كانت الدنيا تعدل عند الله من الخير جناح بعوضة ما سقى فيها كافراً شربة ماء(141)؛ وكيف يقبل (صلى الله عليه وآله وسلم) بهذه الدنيا الفانية المليئة بالمنغصات بديلاً عن الآخرة، التي لا زوال لنعيمها ولا اضمحلال، كما مَرَّ عليك في الدعاء، بل إن أهل المعرفة يقولون: إنه لم يقبل بالآخرة أيضاً بديلاً عن الله سبحانه كما جاء عن أمير المؤمنين (عليه السلام) أنه قال: (الدنيا حرام على أهل الآخرة، والآخرة حرام على أهل الدنيا، وهما حرامان على أهل الله)(142) ، فهل تشغله الحور العين، ولحم طير مما يشتهون، والولدان المخلدون، عن (رضوان من الله أكبر وذلك هو الفوز العظيم)، وهو سر تقسيم أهل الجنة إلى أصحاب يمين، والسابقين السابقين.
يعطيه (صلى الله عليه وآله وسلم) القرآن مثلاً عن حقارة الدنيا: (وَلَوْلا أَنْ يَكُونَ النَّاسُ أُمَّةً واحِدَةً لَجَعَلْنا لِمَنْ يَكْفُرُ بِالرَّحْمنِ لِبُيُوتِهِمْ سُقُفاً مِنْ فِضَّةٍ وَمَعارِجَ عَلَيْها يَظْهَرُونَ، وَلِبُيُوتِهِمْ أَبْواباً وَسُرُراً عَلَيْها يَتَّكِؤُنَ، وَزُخْرُفاً وَإِنْ كُلُّ ذلِكَ لَمَّا مَتاعُ الْحَياةِ الدُّنْيا وَالآْخِرَةُ عِنْدَ رَبِّكَ لِلْمُتَّقِينَ)(143) ، فهذا كله لا قيمة له، ولا يصلح تعويضاً عما أعدَّ الله للمتقين، فماذا حصل عليه أهل المعاصي حتى رضوا بجهنم ثمناً (ماذا وجد من فقدك، وما الذي فقد من وجدك)(144).
وينبغي الإلتفات إلى أن الدنيا التي أعرض عنها رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) ليست هي الدنيا المحرمة، فهذا أوضح مصاديق العصمة ومتطلباتها، وإنما كان إعراضه عن الدنيا المحللة، التي لم يكن هناك بأس من التمتع بها: (قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبادِهِ وَالطَّيِّباتِ مِنَ الرِّزْقِ)(145) ، وإنما زهد فيها (صلى الله عليه وآله وسلم) تواضعاً لله سبحانه، فإعراضه كان تعظيماً لله سبحانه وتعالى وإجلالاً له (عزت أسماؤه) أن يجعل في قلبه حباً وشغلاً غيره تبارك وتعالى؛ سمعت العقيلة زينب أباها أمير المؤمنين (عليه السلام) يقول: إنه لا يحب شيئاً سوى الله تبارك وتعالى، فقالت: وحبك أولادك؟، قال (عليه السلام): تلك هي الشفقة، وربما كان هذا، أي التعلق بالأولاد، مما يراه النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ذنباً يستغفر منه، وقد وعده الله تبارك وتعالى بالمغفرة: (بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ: إِنَّا فَتَحْنا لَكَ فَتْحاً مُبِيناً، لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ ما تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَما تَأَخَّرَ ...)(146) لأنه شيء إقتضته الطبيعة البشرية التي فطرها الله تبارك وتعالى، وفي الحديث (ان القلوب بين اصبعين من اصابع الرحمن يقلبها كيف يشاء)(147). جاء (صلى الله عليه وآله وسلم) يوماً لزيارة فاطمة (سلام الله عليها)، فوجد على باب دارها إزاراً ملوناً، فرجع عن زيارتها، فبلغها الخبر، فتصدقت به على المسلمين، فعاد إلى زيارتها، وضمها إلى صدره، وهو يقول: ذرية طيبة بعضها من بعض.
الصفة الثالثة: المبدأية، وهي صفة تختصر عناوين كثيرة كالثبات على الحق، وصلابة الإرادة، وعلو الهمة، ورباطة الجاش، وقوة القلوب، وشجاعة النفس، وعدم التزلزل والتراجع مهما كانت الضغوط الخارجية عظيمة، ومهما كانت المغريات كبيرة، وهو القائل لعمه أبي طالب لما جاءته قريش، وعرضت عليه عدة عروض مقابل تخليه عن الدعوة، فاجابهم: (والله لو وضعوا الشمس في يميني، والقمر في شمالي، على أن أترك هذا الأمر ما تركته، حتى يظهره الله، أو أهلك دونه)(148).
مَرَّ مشرك في أوائل البعثة، وكان النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) واقفاً يصلي، وإلى جنبه إبن عمه علي (عليه السلام)، وخلفه زوجته خديجة، فسأل عما يدعو إليه، وموقف قومه منه، فقيل له: إن هذا محمد، الذي يقول كذا وكذا، فقال: إن أمره سيظهر، وإن دعوته ستنتشر، قيل: وكيف؟، قال: لعلو همته، وقوة إرادته، وهو يواجه الدنيا بصبي وإمرأة؛ يقول (صلى الله عليه وآله وسلم): (الْمُؤْمِنُ أَصْلَبُ مِنَ الْجَبَلِ، الْجَبَلُ يُسْتَقَلُّ مِنْهُ، وَالْمُؤْمِنُ لا يُسْتَقَلُّ مِنْ دِينِهِ شَيْءٌ)(149).
لم يثنه الأذى الذي تعرض له، وقد وصفه (صلى الله عليه وآله وسلم): ما أوذي نبي كما اوذيت؛ يرمونه بالحجارة حتى الإدماء، ويضعون الفرث والدم عليه وهو يصلي، يشتمونه ويصفونه بألوان الأوصاف البذيئة: شاعر، مجنون، ساحر، كذَّاب، وهو صابر محتسب، ماض على بصيرة من أمره، وبينة من ربه، وبدَّلوا أسلوبهم إلى الإغراء، فجاء زعماء قريش إلى عمه وكافله أبي طالب: إن شاء محمد مالاً جمعنا له من أموالنا ما يشاء، وإن شاء ملكاً ملَّكناه علينا، فرفض كل تلك العروض، قاطعوه هو ومن معه، وعزلوه إقتصادياً وإجتماعياً، في شعب أبي طالب، لا يبيعون لهم، ولا يشترون منهم، لا يزوجونهم، ولا يتزوجون منهم، وأمضى في الحصار سنين، توفي خلاله ركناه اللذان كان يأوي إليهما، عمه أبو طالب، وزوجته خديجة، عَذَّبوا أصحابه بصنوف العذاب ليفتنوهم عن دينهم، حتى استشهد والدا عمار بن ياسر تحت التعذيب، فيمر عليهم وهو يقول: صبراً آل ياسر، فإن موعدكم الجنة.
حتى تآمروا على قتله، فأحاطوا بداره في جوف الليل، وهم أربعون رجلاً من أشداء قريش، ليضربوه ضربة رجل واحد، فأذَن الله سبحانه له في الهجرة إلى المدينة، فغادر مكة مسقط رأسه، ومحل ذكرياته، ومسكن آبائه، ومثوى أحبائه، ومهوى الأفئدة، وأشرف بقاع الأرض، وله في كل موطن منها موقف رسالي يربطه برب العزة والجلال، غادرها وهو يتلفت إلى الوراء حزناً على فراقها وشوقاً إليها، فنزل عليه القرآن من ربه الرؤوف الرحيم يطيب خاطره: (إِنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لَرادُّكَ إِلى مَعادٍ)(150) كما كان معه على طول الخط يرعاه ويوجهه ويطيب خاطره ويسليه، فكان البلسم الشافي لجراح قلبه .
ثم جَيَّشوا الجيوش لقتاله وإستئصاله، ومع ذلك بقي مطمئن القلب ساكن النفس، يقول علي (عليه السلام) رمز الشجاعة وعنوانها: (كنا إذا اشتد البأس وحمي الوطيس اتقينا برسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) ولذنا به)
(151) ، فكانت أوصافه هذه منبعاً يستقي منه أصحابه (صلى الله عليه وآله وسلم). ومعيناً ينهلون منه، فهذا عليٌّ أخو رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)، وصنوه وربيبهُ، عندما أجمعوا على مبايعته، والمدينة مضطربة بالثائرين الغاضبين، والمنافقين، والمتربصين بالإسلام والمسلمين سوءاً، وبالإنتهازيين الذين يريدون القفز إلى السلطة، فكان أول قرار له عزل الولاة الفاسدين، ورد المظالم إلى أهلها، فقال له خاصته: لو تركت معاوية على الشام حتى يستتب الوضع، وتستقيم لك الأمور، فإن عزله الآن يدفعه إلى التمرد والثورة والقتال؛ لكن مبدأيته التي تعلَّمها من رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) تأبى ذلك، فقال: لا والله، لا أبيت ليلة ومعاوية على الشام؛ لأنه لا يريد أن يلقى الله تعالى وهو مسؤول عن مظالم معاوية وانحرافاته التي استشهد من أجل فضحها، فاين قادة اليوم وسياسيو الأمة وحكامها من هذه المبدأية، وهم يدوسون المبادئ والمثل العليا من أجل ما يسمونه بالمصالح بحسب ما يزعمون؟!.الصفة الرابعة : سعة الصدر، وفي الحديث (آلَةُ الرِّئَاسَةِ سَعَةُ الصَّدْرِ)(152) ، وأية رئاسة أعظم من تصديه (صلى الله عليه وآله وسلم) لهداية الخلق، وتكميل نفوسهم، والأخذ بأيديهم في طريق الكمال والسمو، والقرب من الله سبحانه، فلا بد أن يكون صدره واسعاً بقدر عدد البشر الذين يرعاهم أفقياً، وبقدر تباين مستوياتهم النفسية والعقلية والإجتماعية عمودياً، وهو كما ترى مدى واسع لا يؤتاه إلا ذو حظ عظيم، ومن لا يجد في نفسه هذا الإستيعاب لاستحقاقات الموقع فلا يتصدى لمثل هذه المناصب الشريفة والمقامات الشامخة.
قال (صلى الله عليه وآله وسلم) لعمه العباس: يابني عبد المطلب، إِنَّكُمْ لَنْ تَسَعُوا النَّاسَ بِأَمْوَالِكُمْ، فَسَعُوهُمْ بِأَخْلاقِكُمْ(153)، يقول أنس بن مالك خادم رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): خدمتُ رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) عشر سنين، ما قال لي يوماً لشيء فعلته: لِمَ فعلته؟ ولا بشيء لم أفعله: لِمَ لَمْ تفعله؟، وهي قابلية عجيبة لو درَّب الإنسان نفسه عليها وحدها سنين لما قدر على استيعابها بهذا الشكل، وكان بعض أصحابه يسيئون التعامل معه، ينادونه بإسمه، ويرفعون صوتهم فوق صوته (صلى الله عليه وآله وسلم)، فزجرهم الله تعالى(يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَرْفَعُوا أَصْواتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ وَلا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ أَنْ تَحْبَطَ أَعْمالُكُمْ وَأَنْتُمْ لا تَشْعُرُونَ، إِنَّ الَّذِينَ يَغُضُّونَ أَصْواتَهُمْ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ أُولئِكَ الَّذِينَ امْتَحَنَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ لِلتَّقْوى لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ عَظِيمٌ، إِنَّ الَّذِينَ يُنادُونَكَ مِنْ وَراءِ الْحُجُراتِ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْقِلُونَ، وَلَوْ أَنَّهُمْ صَبَرُوا حَتَّى تَخْرُجَ إِلَيْهِمْ لَكانَ خَيْراً لَهُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ)(154) وقال تعالى: (لا تَجْعَلُوا دُعاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضاً)(155) وكانوا يطيلون المكث عنده مستأنسين لحديثه (صلى الله عليه وآله وسلم)، وكان ذلك ثقيلاً عليه، إلا أن كرم أخلاقه تمنعهُ من إخبارهم بذلك، فنزل قوله تعالى: (يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ إِلاَّ أَنْ يُؤْذَنَ لَكُمْ إِلى طَعامٍ غَيْرَ ناظِرِينَ إِناهُ وَلكِنْ إِذا دُعِيتُمْ فَادْخُلُوا فَإِذا طَعِمْتُمْ فَانْتَشِرُوا وَلا مُسْتَأْنِسِينَ لِحَدِيثٍ إِنَّ ذلِكُمْ كانَ يُؤْذِي النَّبِيَّ فَيَسْتَحْيِي مِنْكُمْ وَاللَّهُ لا يَسْتَحْيِي مِنَ الْحَقِّ)(156).
كان (صلى الله عليه وآله وسلم) يعرف المنافقين باسمائهم وأعيانهم قال تعالى: (أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ أَنْ لَنْ يُخْرِجَ اللَّهُ أَضْغانَهُمْ، وَلَوْ نَشاءُ لأََرَيْناكَهُمْ فَلَعَرَفْتَهُمْ بِسِيماهُمْ وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ الْقَوْلِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ أَعْمالَكُمْ)(157) ، ويعلم بتصرفاتهم المشينة، كالمرجفين بأهل المدينة، والذين مردوا على النفاق، وهو صابر عليهم؛ مات زعيم المنافقين الذي نزل فيه قوله تعالى في سورة المنافقين: (يَقُولُونَ لَئِنْ رَجَعْنا إِلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الأَْعَزُّ مِنْهَا الأَْذَلَّ)(158) يقصد بالأذل محمد وأصحابه المهاجرين معه من مكة، فلما مات وقف (صلى الله عليه وآله وسلم) يصلي على جنازته، فجذبه أحد الأصحاب وقال: كيف تصلي عليه وهو رأس النفاق، وفيهم نزل قول الله: (إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ)(159) قال (صلى الله عليه وآله وسلم): لو علمتُ أن باستغفاري له واحداً وسبعين مرة يغفر له لفعلتُ، وقال له بعض أصحابه، لما تبرموا بتصرفات زعيم المنافقين: لو أمرتنا بقتله، قال: أكره ان تقول العرب أن محمداً يقتل اصحابه.
هذا الحلم، وهذا القلب الكبير، والصدر الواسع، حَبَّبه (صلى الله عليه وآله وسلم) إلى كل من يلقاه، أو، يسمع بذكره، قال تعالى: (فَبِما رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لاَنْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ)(160) ، ومن سعة صدره أن من بين زوجاته من كانت تنغص عليه عيشه، وتجرح مشاعره، وتطعنه في أحب وأعز الأشياء إليه، وتشكك في رسالته، فتقول له: يامحمد، أنت الذي تزعم أنك رسول الله؛ وأبوها واقف فزجرها.
طعنتاه في شرفه، حينما إتهمتا زوجته مارية القبطية، بأنها حملت ولده إبراهيم من عبد وليس منه (صلى الله عليه وآله وسلم)، فكانت جرحاً عظيماً في مشاعره، وأرسل علياً؛ ليقتله فلما لحق به صعد العبد النخلة فاكتشف علي انه ليس له ما للرجال وكان مجبوبا، وعيّرته نفس الزوجتين حين شرب شراباً يعجبه عند إحدى زوجاته فحرَّم على نفسه ذلك الشراب لدفع تهكمهما، فنزل قوله تعالى: (يا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ ما أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ تَبْتَغِي مَرْضاتَ أَزْواجِكَ)(161).
على مثل هذه الأجواء داخل بيته كان يصبر رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)، ونحن نعلم أن المنغصات والمتاعب حينما تكون من داخل البيت فانها تنكِّد العيش، وتكدِّر القلب، وتثقل على الروح، بينما مهما عظمت الضغوط من الخارج فانه عندما يعود إلى بيت هانئ سعيد، وعواطف زوجية دافئة، فانه يُلقي همه خارج البيت، خصوصاً وانه عاش مثل هذه الزوجية السعيدة في سنينه الأولى مع خديجة، وظل يحنُّ لتلك الذكريات، ويكرم كل من يذكره بها بعد وفاتها، وهِجْرَته بسنين(162)، ولعظم هذا التنغيص انتصر له ربه بما لم ينتصر به لأي عدو، فانه تعالى هَوَّن من جميع الأعداء، ووصفهم بالضعف والهوان، أما هذا الذي في داخل البيت فقد حَشَّد الله تعالى كل منابع القوة (إِنْ تَتُوبا إِلَى اللَّهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُما وَإِنْ تَظاهَرا عَلَيْهِ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ مَوْلاهُ وَجِبْرِيلُ وَصالِحُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمَلائِكَةُ بَعْدَ ذلِكَ ظَهِيرٌ)(163) ورغم ذلك كله لم نسمع أنه صدر منه ما يدل على أنه تململ، أو، رَدَّ الصاع صاعين.
وله (صلى الله عليه وآله وسلم) أحاديث كثيرة تحثُّ على مداراة الناس وتحمل أذاهم، ومخاطبتهم على قدر عقولهم، فقد روى الإمام الصادق (عليه السلام) عن جده رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) أنه قال: (أَمَرَنِي رَبِّي بِمُدَارَاةِ النَّاسِ، كَمَا أَمَرَنِي بِأَدَاءِ الْفَرَائِضِ) (164)، وقال (صلى الله عليه وآله وسلم): ( ثَلاثٌ مَنْ لَمْ يَكُنَّ فِيهِ لَمْ يَتِمَّ لَهُ عَمَلٌ، وَرَعٌ يَحْجُزُهُ عَنْ مَعَاصِي اللَّهِ، وَخُلُقٌ يُدَارِي بِهِ النَّاسَ، وَحِلْمٌ يَرُدُّ بِهِ جَهْلَ الْجَاهِلِ)(165).
ومن تأديب الله تبارك وتعالى له (صلى الله عليه وآله وسلم) (ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَداوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ)(166) وقال تعالى: (وَيَدْرَؤُنَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ)(167).
إن هذا الصدر الواسع والقلب الكبير كان نتيجة طبيعية لعدة أمور :
1- عظمة الأهداف التي يعيشها، والمشروع الإلهي العظيم الذي يرى نفسه جزءاً منه، ضمن سلسلة طويلة من الأنبياء والرسل والصالحين، تعاهدوا على مواصلة حمل الأمانة في إقامة الحق والعدل للبشرية، فسمو الهدف يشغل القائد الرسالي عن الإلتفات إلى ذاته، والتأثر لها، والإنفعال بملابساتها.
2- العالم العلوي الحقيقي الذي يحيا فيه بعيداً عن هذا العالم المحسوس، مما يجعله لا يقيم لتصرفات أهل الدنيا وزناً، ومما يقرِّب هذه الفكرة ما روي: أن الإمام الهادي (عليه السلام) لما استجلبه المتوكل العباسي من مدينة جده (صلى الله عليه وآله وسلم) إلى سامراء، أنزله خان الصعاليك، وكأنه أراد أن يستصغر شأن الإمام (عليه السلام)، فدخل عليه وهو في ذلك الحال أحد شيعته وتألم لهذه الحال، وقال للإمام (عليه السلام): جُعِلْتُ فِدَاكَ، فِي كُلِّ الأمُورِ أَرَادُوا إِطْفَاءَ نُورِكَ وَالتَّقْصِيرَ بِكَ حَتَّى أَنْزَلُوكَ هَذَا الْخَانَ الأَشْنَعَ، خَانَ الصَّعَالِيكِ!! فَقَالَ: هَاهُنَا أَنْتَ يَا ابْنَ سَعِيدٍ، ثُمَّ أَوْمَأَ بِيَدِهِ وَقَالَ: انْظُرْ، فَنَظَرْتُ، فَإِذَا أَنَا بِرَوْضَاتٍ آنِقَاتٍ وَرَوْضَاتٍ بَاسِرَاتٍ، فِيهِنَّ خَيْرَاتٌ عَطِرَاتٌ وَوِلْدَانٌ كَأَنَّهُنَّ اللُّؤْلُؤُ الْمَكْنُونُ وَأَطْيَارٌ وَظِبَاءٌ وَأَنْهَارٌ تَفُورُ، فَحَارَ بَصَرِي وَحَسَرَتْ عَيْنِي، فَقَالَ: حَيْثُ كُنَّا فَهَذَا لَنَا عَتِيدٌ، لَسْنَا فِي خَانِ الصَّعَالِيكِ
(168).3- أهمية النتائج والعاقبة الحسنة التي يتوقعها، فكلما تسامى عن ردود الفعل العاطفية، وعن الإنتصار لنفسه وانانيته، كان جزاؤه عند الله تعالى أعظم، قال تعالى: (وَإِنْ تَعْفُوا وَتَصْفَحُوا وَتَغْفِرُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ)(169) ، (أَلا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ)(170).
4- عظمة الله في عينه، التي صغَّرت ما دونه، كما وصف أمير المؤمنين المتقين، وهو (صلى الله عليه وآله وسلم) سيدهم: (عَظُمَ الْخَالِقُ فِي أَنْفُسِهِمْ، فَصَغُرَ مَا دُونَهُ فِي أَعْيُنِهِمْ، فَهُمْ وَالْجَنَّةُ كَمَنْ قَدْ رَآهَا، فَهُمْ فِيهَا مُنَعَّمُونَ، وَهُمْ وَالنَّارُ كَمَنْ قَدْ رَآهَا، فَهُمْ فِيهَا مُعَذَّبُونَ)(171).
5- وعد الله تبارك وتعالى بانه هو الذي يأخذ بحق المؤمنين وينتصر لهم، إن صدقوا فيما عاهدوا الله من الإخلاص له ونكران ذاتهم، (إِنَّ اللَّهَ يُدافِعُ عَنِ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ كُلَّ خَوَّانٍ كَفُورٍ)(172).
فهو يستحي أن يعيش لحظة لنفسه، فإذا أحب فلله، وإن أبغض فلله، وإذا تألم فلله، وإذا فرح فلله؛ حينما تمكَّن أمير المؤمنين (عليه السلام) من عمرو بن عبد ود العامري فارس فرسان قريش في معركة الخندق، وعلا صدره ليجهز عليه، ثارت بينهما غبرة، ففوجئ المسلمون بقيام علي (عليه السلام) عنه من دون أن يقتله، ثم عاد إليه وقطع رأسه، فسُئل عن ذلك قال (عليه السلام): لما علوت صدره بصق اللعين في وجهي، فتركتُ قتله لئلا يكون غضباً لنفسي، فلما هدأت عدتُ إليه وذبحته خالصاً لله سبحانه(173).
الصفةالخامسة: التواضع، كان (صلى الله عليه وآله وسلم) لا يتميز عن أصحابه بمأكل، ولا بملبس، ولا بمجلس، وإذا دخل منزلاً قعد في أدنى المجلس إليه حين يدخل، وكَانَ رَسُولُ اللَّهِ (صلى الله عليه وآله وسلم) يَجْلِسُ عَلَى الأَرْضِ، وَيَأْكُلُ عَلَى الأَرْضِ، وَيَعْتَقِلُ الشَّاةَ، وَيُجِيبُ دَعْوَةَ الْمَمْلُوكِ عَلَى خُبْزِ الشَّعِيرِ.(174) وَيَخْصِفُ بِيَدِهِ نَعْلَهُ، وَيَرْقَعُ بِيَدِهِ ثَوْبَهُ، وَيَرْكَبُ الْحِمَارَ الْعَارِيَ، وَيُرْدِفُ خَلْفَهُ.(175) ، بحيث أن الأعرابي إذا دخل المسجد يطلب رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) يقول: أيكم محمد(176)، هكذا كان كأي واحد من أصحابه .
تقدَّم منا أن تخليه عن الطيبات المحللة كان تواضعاً لله سبحانه وتعظيماً لشأنه، وهو (صلى الله عليه وآله وسلم) حينما يتواضع ليس تكلفاً بل حقيقة وعن معرفة، لأن التواضع المحمود على قسمين:
الاول: تواضع من يرى لنفسه شأناً ما، ولكنه يتواضع لما بلغه من حسن التواضع، والأجر الذي يُعطى للمتصف به، والحمد والثناء على صاحبه، فيتواضع.
الثاني: تواضع المعرفة بحقيقة العبودية، وأنه لا يملك لنفسه ضراً ولا نفعاً ولا موتاً ولا حياة ولا نشوراً، تواضع الفقر والحاجة والإضطرار، فهو لا يرى لنفسه قيمة ولا شأناً، فيكون التواضع طبيعة له وعلى القاعدة، وليس إستثناءاً يتكلفه، لأنه لا يملك شيئاً يتعالى به، أو، يتكبر، أو، يطغى من أجله، فتكون هذه الصفات عنده سالبة بانتفاء الموضوع، ومثله لا يحتاج إلى دليل على حسن التواضع ومدح صاحبه ليتواضع، هذا المستوى من المعرفة بالله تعالى عبر عنه سبطه الإمام الحسين (عليه السلام) في دعاء عرفة: (إلهي مَنْ كانت محاسنه مساوي، فكيف لا تكون مساويه مساوي، ومن كانت حقائقه دعاوي، فكيف لا تكون دعاويه دعاوي)(177) (إلهي أنا الفقير في غناي، فكيف لا أكون فقيراً في فقري، إلهي أنا الجاهل في علمي، فكيف لا أكون جهولاً في جهلي)(178) ، وجَسَّد مثل هذا التواضع نبي الله موسى، حينما أوحى الله سبحانه إليه في إحدى مناجاته، أنه: ياموسى، إذا أتيت إلى المناجاة الآتية فاصطحب معك مخلوقاً أنت افضل منه، وحاول موسى (عليه السلام) وهو النبي الكريم، وأحد أولي العزم من الرسل، أن يجد من البشر من يراه دونه فلم يجد، فنظر في الحيوانات فلم يجد، إلى أن عثر على كلب أجرب فقاده معه، وفي أثناء الطريق أطلقه، تواضعاً لله تبارك وتعالى ان يجد نفسه شيئاً عند الله تعالى، فلما جاء إلى المناجاة أوحى الله سبحانه إليه أنه: حسناً فعلت حين أطلقت الكلب، ولو جئتَ به لكنتُ محوتك من ديوان النبوة(179).
هكذا ينبغي للمؤمن أن ينظر إلى نفسه نظرة إزدراء، وإستهانة، وتوبيخ، وتحقير، لتندفع باستمرار نحو الكمال، يؤدبنا الحديث الشريف في هذا السياق: بأنك لا تستطيع أن تجزم أنك أفضل من أحد غيرك، لأن هذا الغير لا يخلو أما أن يكون مسلماً، أو، غير مسلم، فان كان مسلماً فهو لا يخلو أما أن يكون أكبر منك، فحسناته أكثر منك، أو، أصغر سناً منك فسيئاته أقل منك، وإن كان غير مسلم فلا تدري لعل الله يختم له بالحسنى، وأنت لا تعلم بخاتمتك، بمثل هذا التفكير يكبح الإنسان نفسه، ويذوِّب أنانيتها وكبرياءها.
الصفة السادسة: الرحمة ورقة القلب، والرأفة بالمؤمنين، ومشاركتهم في آلامهم وهمومهم، يصفه القرآن الكريم بانه (عَزِيزٌ عَلَيْهِ ما عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُفٌ رَحِيمٌ)(180) فيؤلمه ويعز عليه أن يصيب العنَتَ(181) أحداً من المؤمنين، وهو حريص عليكم، فكان يودُّ أن يؤمن جميع الناس، ويدخل كل البشر الجنة، ويتحسَّر على مَنْ لم يؤمن ويحزن، حتى نزل قوله تعالى: (فَلَعَلَّكَ باخِعٌ)(182) ، أي قاتل نفسك على آثارهم، أي بعد توليهم عنك، (إِنْ لَمْ يُؤْمِنُوا بِهذَا الْحَدِيثِ أَسَفاً)(183) ، وقال تعالى: (لَعَلَّكَ باخِعٌ نَفْسَكَ أَلاَّ يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ)(184) وقال له ربه: (فَلا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَراتٍ)(185) وكانت رحمته تسع حتى الكفار والمشركين، فحينما كانوا يؤذونه أشد الأذى كان يقول: اللهم إغفر لقومي فإنهم لا يعلمون(186).
ويرق قلبه على الحيوانات، إصطاد أحد أصحابه عصفوراً، لهواً وعبثاً، فقال (صلى الله عليه وآله وسلم) له: هل أنت محتاج للحمه؟، قال: لا؛ قال (صلى الله عليه وآله وسلم): إستعد للمساءلة، فان هذا العصفور سيخاصمك عند رب العزة والجلال ويقول: خذ حقي من هذا، فانه قتلني من غير حاجة للحمي. كان (صلى الله عليه وآله وسلم) خارجا مع جيش له واثناء سيرهم راى طائرا يحلق فوق رؤوس الجيش لا يفارقهم فجمع اصحابه وسالهم هل تعرفون من امر هذا الطائر شيئا فقال احدهم نعم يارسول الله مررنا اثناء مسيرنا بعش هذا الطائر ووجدت فيه افراخا فاخذتها فهذه الام تتبعهم وتحوم حولهم فاوقف حركة الجيش وامر ذلك الرجل بارجاع الصغار إلى عشهم.
فلا عجب أن يقف سبطه الحسين (عليه السلام) يوم الطف يبكي على هؤلاء القوم الذين يقاتلونه، لأنهم يدخلون النار بسببه، وهو الذي جاء رحمة وهداية لهم، فكان (صلى الله عليه وآله وسلم) رحمة لكل المخلوقات، وبهذا وصفه ربه: (وَما أَرْسَلْناكَ إِلاَّ رَحْمَةً لِلْعالَمِينَ)(187) ، فهو (صلى الله عليه وآله وسلم) رحمة لكل العوالم، وليس فقط لعالم البشر دون غيره، فهو مظهر الرحمة الإلهية، أظهر الله تعالى من خلاله رحمته لمخلوقاته (فَبِما رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لاَنْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ)(188).
كان كثيراً ما يبكي رقة ورحمة، فتجد روايات كثيرة تحكي عنه (صلى الله عليه وآله وسلم) أنه رأى كذا فبكى، وسمع كذا فبكى، وقيل له كذا فبكى، خصوصاً حينما ينظر إلى أهل بيته الأطهار علي وفاطمة والحسن والحسين (عليهم السلام)، ويتذكر ما يجري عليهم فيقول لهم: (أنتم المستضعفون بعدي)(189) ، وكان (صلى الله عليه وآله وسلم) يروى لأصحابه قصص الرحمة والرحماء، كالأم التي غُرِّرَ بولدها أحد ليقتلها ويأتيه بقلبها، ففعل المغرور، وفي طريقه عثر بحجر، فناداه قلب الأم: ولدي، فديتك، هل أصابك من ضرر؛ أو، تلك الأم التي رماها الطغاة وولدها في الأخدود، فرفعته إلى أعلى بيدها لتحميه من النار، غير مكترثة بجسمها المحترق، وينتقل بهم من هذه الأمثلة إلى سعة رحمة الله تعالى، ويقول لهم: إن جزءاً من مئة جزء من رحمة الله وزعها على مخلوقاته، فبها يتراحمون.
وقد جعل الإمام الباقر (عليه السلام) هذه الرحمة شرطاً لولاية أمر الأمة، ففي الخصال عنه (عليه السلام) قال: (إن الإمامة لا تصلح إلا لرجل فيه ثلاث خصال: ورع يحجزه عن المحارم وحلم يملك به غضبه، وحسن الخلافة على من ولي حتى يكون له كالوالد الرحيم)(190) ، قال (صلى الله عليه وآله وسلم) لأصحابه يوماً: (حَيَاتِي خَيْرٌ لَكُمْ وَمَمَاتِي خَيْرٌ لَكُمْ قَالُوا يَا رَسُولَ اللَّهِ: وَكَيْفَ ذَلِكَ؟، فَقَالَ (صلى الله عليه وآله وسلم): أَمَّا حَيَاتِي فَإِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ يَقُولُ: (وَما كانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ)(191) وَأَمَّا مُفَارَقَتِي إِيَّاكُمْ فَإِنَّ أَعْمَالَكُمْ تُعْرَضُ عَلَيَّ كُلَّ يَوْمٍ فَمَا كَانَ مِنْ حَسَنٍ اسْتَزَدْتُ اللَّهَ لَكُمْ وَمَا كَانَ مِنْ قَبِيحٍ اسْتَغْفَرْتُ اللَّهَ لَكُمْ)(192).
كان معروفاً بالرحمة والرقة حتى مع أعدائه، وقد استغلوا كرم أخلاقه هذا، تأسياً بكرم الله تعالى حينما يوقف عبده المذنب ويقول له: (ما غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ)(193) حتى عصيته، وتمردت عليه، فعلَّمه العذر والجواب بنفس السؤال ليقول العبد العاصي: غرني كرمك.
كان النضر بن الحارث بن كلدة من أشد قريش عليه (صلى الله عليه وآله وسلم): يستأجر الجواري ليغنين بهجاء الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم)، أُسر في بعض المعارك، وجيء به إلى رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)، فقال النضر: إستبقني للصبية؛ فعفا عنه رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) وأُطلق سراحه، فعاد الملعون إلى عمله القبيح، وهو يقول: ضحكتُ على محمد وخدعته؛ فأُسر في معركة بدر وعاد إلى نفس المقالة، فقال (صلى الله عليه وآله وسلم): هيهات، لا يُلدغ المؤمن من جحر مرتين؛ وأمر بضرب عنقه، فلما وصل خبره إلى أخته رثته بأبيات تذكر فيها شفقة النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ورقته وتعتب عليه، أنه أما كان من الممكن إبقاءه لأطفاله، وإن صدر منه ما يستحق القتل، ومما قالت :
|
أمحمد ولأنت نجل نجيبةٍ |
في قومها والفحل فحل معرق |
|
ما كان ضرك لو مننت وربما |
منَّ الفتى وهو المغيظ المحنق(194) |
فلما وصلت الأبيات إلى رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) رقَّ قلبه، وقال: لو بلغني هذا الكلام قبل أن أقتله لأبقيتُ عليه، هكذا كان (صلى الله عليه وآله وسلم) يحبّ هذه الصفة ويشجعها ويستجيب لها.
وكان (صلى الله عليه وآله وسلم) يوصي بما ينشر الرحمة في القلب ويزيل قساوته، كالمسح على رأس اليتيم فمن وصاياه لعلي (عليه السلام): يا علي، مَنْ مسح يده على رأس يتيم ترحماً له، أعطاه الله عز وجل بكل شعرة نوراً يوم القيامة(195).
الصفة السابعة: الإحساس الوجداني بالتسديد الإلهي، وشموله بالرعاية الربانية، وعدم انقطاع اللطف الإلهي عنه.
وهذا قد يكون بعدة أشكال:
منها: الوحي المباشر، كما حصل لرسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم).
أو، بالإلهام والتحديث، كما كان يحصل للأئمة المعصومين، المعبَّر عنه بالنكت في القلب.
أو، يكون من خلال تحقق علامات وجدانية باطنية يحسها الشخص حين إختياره لقيادة الأمة وولاية أمرها